قبس من السيرة النبوية  2

قبس من السيرة النبوية 2

الدرس في قبس من السيرة النبوية 2، تابع الفوائد التي يستفيدها المسلم في دراسته لعلم السيرة النبوية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية دراسة السيرة النبوية

دراسة السيرة النبوية توفر العديد من الفوائد منها الاقتداء بالنبي وزيادة المحبة له ومعرفة طريق عز الإسلام. كما تحمي الدعاة والجماعات من الانحرافات المنهجية والسلوكية.

تأثير دراسة السيرة النبوية في الحياة اليومية

تُستخدم سيرة النبي في حل الأزمات وتطبيق شرع الله وتسلية النفس وتغذية القلب وتربية الأبناء. كما أنها وسيلة لتعليم الأحكام الشرعية بطريقة جذابة.

استخلاص الأحكام الشرعية من السيرة النبوية

السيرة النبوية مصدر هام لاستخلاص الأحكام الشرعية والتأثير على الناس، حيث يستدل العلماء بها ويُستفاد منها في الدعوة إلى الله. كتاب "زاد المعاد" لابن القيم مثال على ذلك.

خاتمة وتوجيهات دينية

المقطع الختامي يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُظهر التوجه الديني والالتزام بالتقوى.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ، وَالْتِي سَيَكُونُ الْكَلَامُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ: مَا هِيَ الْفَوَائِدُ الَّتِي يَسْتَفِيدُهَا الْمُؤْمِنُ وَالْمُسْلِمُ فِي قِرَاءَتِهِ أَوْ فِي دِرَاسَتِهِ لِعِلْمِ السِّيرَةِ؟ فَذَكَرْنَا مِمَّا مَضَى: الاقْتِدَاءُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالتَّأَسِي بِأَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا مِمَّا يُذْكَرُ وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ السِّيرَةِ: أَنَّهُ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ وَالْإِجْلَالَ وَالْإِعْظَامَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَكُلُّ مَنْ يَقْرَأُ فِي سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَّا وَيَجِدُ أَنَّ إيمَانَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَتَعْظِيمَهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَزْدَادُ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، وَهَذَا مُلَاحَظٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إنْ تَكَلَّمُوا فِي مَا يَزِيدُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْإِعْظَامِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَكَرُوا الِاطِّلَاعَ وَالْقِرَاءَةَ فِي أَحْوَالِهِ وَفِي سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا إخْوَانِي فِي اللَّهِ: مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي السِّيرَةِ أَنَّ نَتَعَرَّفَ إلَى الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا عِزُّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. عِزُّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ إلَّا وَهُوَ يَنْشُدُ هَذِهِ الْغَايَةَ: أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ رَافِعَ الْهِامَةِ، خَفَّاقَ الرَّايَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَفِي كُلِّ أَسْقَاعِ الْمَعْمُورَةِ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الطَّرِيقَ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فَلْيَنْظُرُوا فِي سِيرَتِهِ، وَلْيَتَأَمَّلْ فِيهَا كَيْفَ كَانَ دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَيْفَ بَدَأَ وَكَيْفَ انْتَقَلَ مِنْ مَرْحَلَةٍ إلَى مَرْحَلَةٍ إلَى مَرْحَلَةٍ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا بِهِ الدِّينَ وَتَمَّ بِهِ النِّعْمَةُ. وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الْعَامَّةَ وَالْدهماء هُمْ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَكِنَّ مِمَّا ظَهَرَ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْجَمَاعَاتِ وَالْفِرَقِ وَالدَّعَوَاتِ وَالدُّعَاةِ كَذَلِكَ قَدْ أَغْفَلُوا بَلْ قَلْ أَعْرَضُوا عَنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَاتِ وَالدُّعَاةَ تَأَمَّلُوا وَتَدَبَّرُوا لِسِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَسَلَّمَهُمْ اللَّهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الِانْحِرَافَاتِ الْمَنْهَجِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ وَالدَّعَوِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهَا وَاسْتَبْدَلُوهَا بِطُرُقِهِمْ. فَتِلْكَ جَمَاعَةٌ تَرَى أَنَّ عِزَّ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْمُوَاجَهَةِ الْمُسَلَّحَةِ مَعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. وَتِلْكَ جَمَاعَةٌ تَرَى أَنَّ عِزَّ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكْمُنُ فِي الدُّخُولِ فِي الْمَسَائِلِ وَالْمَسَالِكِ السِّيَاسِيَّةِ مِنْ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ أَوْ بَرْلَمَانِيَّةٍ. وَتِلْكَ جَمَاعَةٌ تَظُنُّ أَنَّ عِزَّ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكْمُنُ فِي دَعْوَةِ النَّاسِ إلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفَضَاءِ الْأَعْمَالِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ. وَهَكَذَا كُلُّ فِرَقٍ وَكُلُّ جَمَاعَةٍ تَتَخَبَّطُ فِي بَابِ الْمَنْهَاجِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا وَنَظَرُوا بِتَأَمُّلٍ إلَى دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: كَيْفَ بَدَأَ؟ وَبِمَاذَا بَدَأَ؟ وَكَيْفَ اسْتَمَرَّ؟ وَكَيْفَ تَعَامَلَ مَعَ الصِّدِّيقِ؟ وَتَعَامَلَ مَعَ الْعَدُوِّ؟ بَلْ وَكَيْفَ تَعَامَلَ مَعَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا؟ كَيْفَ تَعَامَلَ نَبِيُّنَا مَعَ الْمُوَاجَهَةِ الْمُسَلَّحَةِ كَمَا تُسَمَّى؟ أَوْ كَيْفَ تَعَامَلَ نَبِيُّنَا مَعَ الْمَسَائِلِ السِّيَاسِيَّةِ؟ لَنَظَرُوا فِي سِيرَتِهِ وَلَنَظَرُوا فِي هَدْيِهِ. لِلْأَسَفِ إنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَاتِ يُطَالِبُونَ بِشِدَّةٍ إلَى وُجُوبِ التَّحَاكُمِ إلَى شَرْعِ اللَّهِ، وَهَذَا مَقْصَدُ الْجَمِيعِ، لَابُدَّ لِلْجَمِيعِ أَنْ يُخْضِعَ لِشَرْعِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. لَكِنْ أَلَا يَرْجِعُ هَؤُلَاءِ وَيَتَحَاكَمُ إلَى سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ يَنْظُرُ كُلٌّ يُعْرِضُ مِنْهَجَهُ إلَى سِيرَتِهِ: كَيْفَ أَقَامَ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَطَبَّقُوا وَطَابَقُوا بَيْنَ مِنْهَجِهِمْ وَبَيْنَ مِنْهَجِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَرَأَوْا الْبَوْنَ الشَّاسِعَ وَالْفَرْقَ الْوَاضِحَ. فَهَذِهِ السُّنَّةُ -سُنَّةُ اللَّهِ- مِنْ أَعْظَمِ زَادِ الدَّاعِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَزْمَانِ، مَعَ خِلَافِ مَنَاهِجِهِمْ: أَنْ يَرْجِعَ إلَى سِيرَتِهِ، يَتَأَمَّلُوهَا وَيَتَدَبَّرُوهَا وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، لَكَانَ فِي ذَلِكَ لَهُمْ السَّلَامُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَيْضًا مِمَّا يُذْكَرُ الْعُلَمَاءُ مِنْ فَوَائِدِ الْقِرَاءَةِ فِي السِّيرَةِ: أَنَّ فِيهَا تَسْلِيَةً لِلنَّفْسِ وَغِذَاءً لِلْقَلْبِ. النُّفُوسُ لَرُبَّمَا تَكِلُّ وَتَمَلُّ، فَيُرَوَّحُ عَنْهَا بِأَشْيَاءَ، فَمِمَّا يُرَوَّحُ بِهِ عَنْ النَّفْسِ: الْقِرَاءَةُ فِي السِّيرَةِ، الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغَازِي، الْقِرَاءَةُ فِي قَصَصِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَمَعِنَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أُذُنَكَ أَوْ تُشَغِّلَ الْأُذُنَ وَالْعَيْنَ بِمَا لَا يَنْفَعُ مِنْ قَصَصٍ هَابِطَةٍ أَوْ رِوَايَاتٍ كَاذِبَةٍ. وَلِهَذَا كَانَ -كَمَا يُنْقَلُ- شَيْخُنَا مُقْبِلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُحَدِّثُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ الْإِجَازَاتِ وَالْعُطَلِ الرَّسْمِيَّةِ -عِنْدَمَا كَانَ فِي الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ- كَانَ يَنْشَغِلُ بِهَذَا الْوَقْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالِاطِّلَاعِ فِي «الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» لِابْنِ كَثِيرٍ، يُرَوِّحُ عَنْ نَفْسِهِ إجَازَةً، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَذْهَبَ عَلَيْهِ سُدًى، يُشَغِّلُهَا بِمَا يَنْفَعُهَا، وَذَلِكَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَغَازِي وَالسِّيرِ وَالْقَصَصِ. وَكَانَ يَقْرَأُ فِي «الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ». وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إنَّ التَّوَارِيخَ وَذِكْرَ السِّيرِ تَسْلِيَةٌ لِلْقَلْبِ وَجَلَاءٌ لِلْهَمِّ وَتَنْبِيهٌ لِلْعَقْلِ». فَهَذِهِ فَائِدَةٌ مِنْ فَوَائِدِ السِّيرَةِ: أَنَّكَ مَاذَا تُرَوِّحُ عَنْ قَلْبِكَ؟ بَدَلًا مِنْ أَنْكَ تَجْمَعَ أَبْنَاءَكَ وَأَوْلَادَكَ عَلَى الْقِيلِ وَالْقَالِ وَعَلَى الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَعَلَى مَا لَا يَرْضِي اللَّهَ جَلَ وَعَلَا، تُجَمِّعُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا قَوْلُ ذَاكَ الْإِمَامِ: «كَانَ أَبِي يُعَلِّمُنَا الْغَزَوَاتِ أَوْ الْمَغَازِيَ». وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: «كَانُوا يُعَلِّمُونَ الْمَغَازِيَ كَمَا يُعَلِّمُونَ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، هُمْ صِغَارٌ يُعَلِّمُونَهُمْ عَلَى السِّيرَةِ». فِيهَا تَسْلِيَةٌ، وَبِنَفْسِ الْوَقْتِ كَذَلِكَ فِيهَا تَرْبِيَةٌ. وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ السِّيرَةِ -وَنَظَرَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ-: أَنَّ فِيهَا طَرِيقَةً مِنْ طُرُقِ التَّعْلِيمِ، وَوَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِ التَّعْلِيمِ. يَذْكُرُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ وَسَائِلِ التَّعْلِيمِ: أَنْ تُذْكَرَ السِّيرَةُ وَمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ. يُنْقَلُ عَنْ إمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ -بِمَعْنَى كَلَامِهِ-: «إنَّ الْحَدِيثَ إنْ كَانَ لَهُ قِصَّةٌ، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ أَضْبَطَ فِي الْحِفْظِ». رُبَّمَا تَأْتِي بِحَدِيثٍ طَوِيلٍ، حَدِيثٍ عِبَارَةٌ عَنْ مَقَالٍ، قَدْ يَسْتَعْبِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ أَوْ مَعَ الْفَتَرَاتِ الْمَدِيدَةِ، لَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِبَارَةً عَنْ قِصَّةٍ: دُخُولٍ وَخُرُوجٍ وَذَهَابٍ وَإِيَابٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَاعِي لِحِفْظِهِ. فَقَالَ إمَامُ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَلَامًا بِمَعْنَاهُ: «إنَّ الْحَدِيثَ إنْ كَانَ قِصَّةً كَانَ ذَلِكَ أَضْبَطَ فِي حِفْظِهِ». وَلِهَذَا النَّاسُ تَشْتَاقُ لِلسِّيرَةِ، تَشْتَاقُ لِلسِّيرَةِ لِأَنَّهَا حَوَادِثُ وَأَحْدَاثٌ، وَلِهَذَا تَتَرَسَّمُ مُبَاشَرَةً وَتَرْتَكِزُ وَتَنْحَتُ فِي قَلْبِ السَّامِعِ، فَتَبْقَى مَحْفُوظَةً. وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: «مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ التَّعْلِيمِ: الِاسْتِعَانَةُ بِالسِّيرَةِ». وَهُنَا كَذَلِكَ تَأْتِي مِثْلَةٌ وَهِيَ مُنْشَقَّةٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ فَوَائِدِ السِّيرَةِ: اسْتِخْلَاصُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. تَنْظُرُ فِي سِيرَتِهِ مِنْ مَوْلِدِهِ إلَى وَفَاتِهِ عَلَيْهِ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، كَمْ وَكَمْ هِيَ الْمَسَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ الْفِقْهِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الْعَادَاتِ وَفِي الطَّاعَاتِ وَفِي الْمَنَاهِجِ وَفِي السُّلُوكِ؟ وَانْظُرُوا -رَحِمَكُمْ اللَّهُ- إلَى «زَادِ الْمَعَادِ» لِابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، الْمُجَلَّدِ الَّذِي خَصَّهُ فِي ذِكْرِ مَغَازِيهِ عَلَيْهِ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ. انْظُرْ كَيْفَمَا أَبْدَعَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَيَّمَا إبْدَاعٍ! يَأْتِي إلَى قِصَّةٍ وَإلَى شَيْءٍ مِنْ حَوَادِثِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَرُبَّمَا تَمُرُّ عَلَيْنَا مُرُورَ الْكِرَامِ، بَيْنَمَا يَقِفُ هُوَ عِنْدَهَا وَيَسْتَخْلِصُ مِنْهَا الْفَائِدَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، لَوْ رُبَّمَا يَبْلُغُ عَشَرَاتِ الْفَوَائِدِ، يَسْتَخْرِجُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ قِصَّةٍ أَوْ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمَا نَظَرَ فِي «الزَّادِ» يَنْبَهِرُ مِنْ قُوَّةِ الِاسْتِنْبَاطَاتِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. فَالسِّيرَةُ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ قَصَصٍ تُرْوَى، بَلْ هِيَ أَحْكَامٌ تُسْتَخْلَصُ وَفَوَائِدُ تُسْتَفَادُ. وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ السِّيرَةِ -قَالَ الْعُلَمَاءُ-: أَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسَالِيبِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا الدَّاعِي إلَى التَّأْثِيرِ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ. إذَا أَرَدْتَ أَنْ تُؤَثِّرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَعَلَيْكَ بِالسِّيرَةِ، عَلَيْكَ بِهَذَا الْبَابِ فِي بَابِ التَّوَارِيخِ وََسِيرَةِ وَمَغَازِي، فَإِنَّ مِنْ الْأَسَالِيبِ الَّتِي تُشَوِّقُ النَّاسَ وَتُؤَثِّرُ فِي النَّاسِ. وَلِهَذَا نَقَعُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: «الْقَصَصُ جُنُودُ اللَّهِ». أَيْ: كَانَ الْجُنْدُ مِنْ جُنْدِ اللَّهِ يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ، تُرْسَلُ هَذَا الْجُنْدَ قِصَّةً إلَى فُلَانٍ فَيَتَأَثَّرُ بِهَا، يَتَأَثَّرُ بِهَا. وَكَمْ تَأَثَّرَ الْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ، كَمْ خَلَقٍ تَابُوا وَأَنَابُوا إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا بَعْدَمَا سَمِعُوا شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. يَسْمَعُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ الْمَجَالِسِ الْعِلْمِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، مَا كَانَ مِنْ صَبْرِهِ، مَا كَانَ مِنْ تَوَكُّلِهِ عَلَى رَبِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ ابْتِلَائِهِ مَعَ قَوْمِهِ. أَوْ كَذَلِكَ ذَاكَ الَّذِي يَسْمَعُ عَمَّا وَقَعَ فِي وَفَاتِهِ مِنْ مَاذَا؟ مِنْ الْأَلَمِ. وَكَذَلِكَ الْعِظَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِنَبِيِّنَا فِي وَفَاتِهِ، كَمْ بَكَتْ الْعُيُونُ عِنْدَ سَمَاعِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْأَمْرِ، ثُمَّ تَابُوا وَأَنَابُوا إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. وَهَذَا هِرَقْلُ: كَيْفَ مَا تَأَثَّرَ؟ وَمَا الَّذِي أَثَّرَ فِيهِ حَتَّى أَنَّهُ صَرَّحَ بِكُلِّ وُضُوحٍ أَمَامَ الْمَلَأِ أَنَّهُ مَاذَا؟ يَذْعَنُ لِنَبِيِّنَا بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ. بِمَا الَّذِي أَثَّرَ فِيهِ؟ عِنْدَمَا سَمِعَ شَيْئًا مِنْ سِيرَتِهِ، عِنْدَمَا كَانَ يَسْأَلُ أَبَا سُفْيَانَ: مَا نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ كَيْفَ كَانَ فِيكُمْ؟ كَيْفَ أَنْتُمْ مَعَهُ؟ كَيْفَ هُوَ عِنْدَكُمْ؟ فَكَانَ يَسْأَلُ عَنْ سِيرَتِهِ فَيَسْمَعُ وَيَسْمَعُ وَيَسْمَعُ حَتَّى أَثَّرَ هَذَا فِي نَفْسِهِ. قَالُوا: قَالَ: «لَوْ تَمَكَّنْتُ وَذَا شَجَجْتُ الْعَنَاءَ لَا ذَهَبْتُ حَتَّى أَغْسِلَ قَدَمَيْهِ -أَوْ كَمَا قَالَ-. فَتَأَثَّرَ هِرَقْلُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ». فَالسِّيرُ -إخْوَانِي فِي اللَّهِ- يُعْتَبَرُ وَسِيلَةً مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ التَّأْثِيرِ فِي الْمَدْعُوِّينَ. وَهُنَاكَ الْكَثِيرُ وَالْكَثِيرُ مِنْ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ الَّذِي يَذْكُرُهَا الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَلَعَلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَهَمِّ الْأَشْيَاءِ. وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ هُنَاكَ بَقِيَّةٌ تُدْرَكُ فِي دَرَسٍ قَادِمٍ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.