الدرس في كتاب الفرائض 4، 4-باب من ترك مالاً فلورثته. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث أبي هريرة حول قضاء دين الميت وتقديم مؤن التجهيز على الدين، ويبين أحكام وفروض الميراث وقضاء الدين عن الميت. يُفصّل أهمية ترك الميت مالًا يكفي لسداد دينه ليصلي عليه النبي.
يشرح المقطع حديثًا نبويًا يبين عدم صلاة النبي على صاحب الدين إلا إذا سُدد دينه، ويوضح مسؤولية ولي الأمر في تسديد ديون المعسرين والمجتهدين في السداد. كما يشير إلى تغير هذا الحكم في الإسلام لاحقًا.
يُناقش أحكام الصدقة والمسؤولية تجاه الفقراء، ويُشدد على عدم إعطاء الصدقة للأقوياء الذين يطلبونها دون استحقاق. يُقدم النصيحة لهم للعمل بدلاً من التسول ويُبرز أهمية قيام ولي الأمر بقضاء حوائج المسلمين.
يتناول ترتيب قضاء الدين والوصية، حيث قدمت الوصية على الدين لئلا يبخل الورثة في إخراجها. يُستنتج هذا من أقوال أهل العلم حول تقديم الوصية على الدين في الآية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من ترك مالًا فلي ورثته. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه فضلًا؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته». أخرجه البخاري، كتاب الكفالة له، باب الدين. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب والحديث في سياق ذكره لأحكام الفرائض، فقال: باب من ترك مالًا فلي ورثته. وعلى قاعدته فالتبويب ما بوب به على صحيح مسلم لهذا الحديث. ولفظ الحديث ولفظ الإمام البخاري في الباب المشار إليه: وقد أخرجه البخاري رحمه الله من طريق شيخه يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن الشهاب عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مسائل من أهمها ما أشار إليه بالتبويب رحمه الله من أن من ترك مالًا فلي ورثته. وقد مر معنا أن الورثة يرثون بحسب قربهم، فيقدم أصحاب الفرض، ثم يأخذ بعدهم أصحاب التعصيب. وأن أهل الفروض إذا تزاحموا عالت المسألة، وأهل العصبة إذا تزاحموا حجب بعضهم بعضًا. وفي قوله رحمه الله: «من ترك مالًا فلي ورثته»، كذلك تضمن تأخير الدين. ولهذا بوب بعضهم، الإمام البخاري في الباب المشار إليه: باب الدين، أي متى يقضى عن الميت؟ فيقضى عن الميت بعد قضاء حوائج الميت، التي يقدم مثلها في حياته. وهذا من فوائد الحديث. ولهذا استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم أن الدين بعد مؤن التجهيز، بلفظة: «هل ترك لدينه فضلًا؟» فقوله عليه الصلاة والسلام: «فضلًا»، استدل به العلماء على تقديم مؤن تجهيز الميت على الدين، خلافًا لمن خالف في هذه المسألة. وقد سبقت الإشارة إلى قول بعض الفقهاء ممن خالف في هذه المسألة. والصواب هو هذا: تقديم الدين على مؤن التجهيز، فكما يقدم في الحياة، فكذلك يقدم بعد الممات. فالمفلس لا يمنع من ضروريات حياته: طعامه، وشرابه، ولباسه، ولباس أهله، فكذلك الميت بالنسبة لمؤن تجهيزه، فهو مقدم على الدين. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل ترك لدينه فضلًا؟» قال العلماء: في هذا دليل على تقديم مؤن التجهيز على الدين. والدين ينقسم إلى قسمين بحسب أحوال الناس: فمن الدين ما هو مؤجل، ومنه ما هو معجل. ومن الدين كذلك ما هو على موسر، ومنه على معسر. فما كان على معسر، فكما قال الله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾، وإن كان على موسر فمطل الغني ظلم، كل ساعة ولحظة يتأخر فيها الغني عن السداد هو ظالم، ويلحق إثم. وأما إذا كان معسرًا فهو معذور، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾. فإذا كان هذا حال الحياة، فكذلك بعد الوفاة. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن من أخذ أموال الناس يريد سدادها أعانه الله على سدادها»، يعني في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة إن مات ولم يسدد. ومن أخذه يريد تلفها أتلفه الله. فإن قال قائل: فلماذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على صاحب الدين؟ الجواب: لأنه لا يعلم عليه الصلاة والسلام من الموسر ومن المعسر، ومن المماطل ومن غير المماطل، ومن المعذور ومن غير المعذور. ففي هذا الحديث دليل على عدم علم النبي عليه الصلاة والسلام الغيب إلا بما أعلمه الله. وهذا شاهد من شواهد كثيرة ونظائر لا تعد على تحقيق هذه المسألة: أنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، بل قال الله عز وجل عنه آمرًا أن يخبر الناس: «قل لا أعلم الغيب ولو كنت أعلم الغيب لستكثرت من الخير وما مسني السوء». وهكذا كذلك فيه من المسائل: جواز عدم صلاة الإمام الراتب، ومن كان بمعناه على صاحب الدين إذا علم أنه متلاعبًا، زجرًا له وتأديبًا. وهل هذا الحكم بقي مع النبي عليه الصلاة والسلام؟ الصحيح أنه لا، لقوله في آخر الحديث: «فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» إلى آخر الحديث. ولهذا قال العلماء: كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام لا يصلي على صاحب الدين إلا أن يسدد عنه أو تبقى في ذمة أحد، تعليمًا للناس لأهمية الدين وحقوق الناس. فلما فتح الله عليه قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته». فهو مثل حديث: «أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأقضيه». فهذا الحديث مثل هذا الحديث. ولهذا قال العلماء: أنه عليه الصلاة والسلام في آخر الأمر كان يصلي على صاحب الدين ويسدد له من بيت المال، من الصدقة أو من الغنائم، خمس الغنيمة. وفيه دليل على أن ولي أمر المسلمين أو من يقوم مقامه عليه أن يسدد لأصحاب الديون من بيت المال. وهذا مقيد بحديث عائشة فيما جاء عند أحمد وغيره عنها رضي الله عنها: «أنه قال عليه الصلاة والسلام: من حمل من أمتي دينًا ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه». ففي قوله: «وجهد أن يقضيه»، معناه أن ولي الأمر لا يسدد إلا على المعسر، وعلى من علم منه الحرص بالتسديد، ولم يتيسر له، حتى لا يتكل ويتكئ المتلاعبون ومن يأكل أموال الناس بالباطل على هذه الأموال: أموال الصدقات، وما كان بمعناها مما يكون به سداد هذا الباب. ومن باب أولى إذا علم أن إنسانًا يتلاعب بهذا الباب، فإنه لا يعان على تلاعبه. إذا كان صاحب الدين يفصل فيه، ليس كل واحد يقول: «علي دين» يسدد له من بيت المال. وإنما يسدد من بيت المال على المعسرين والمجتهدين في السداد. حتى لو كان معسرًا، لو كان معسرًا متلاعبًا لم يسدد له. لو كان معسرًا مجتهدًا في التسديد حريصًا، لكن لم يتيسر له، فهذا يسدد له. فمن باب أولى أولئك الذين يتحايلون على أكل أموال الناس بالباطل، ومنهم أهل المسألة الذين لا تزال المسألة فيهم. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى». ولا تزال المسألة بأحدهم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، يعني لأنه كان قليل الحياء في الدنيا، فيأتي يوم القيامة وهو قليل اللحم، فضيحة عظيمة أمام الخلائق، يراه الناس، يعرفون أن هذا كان كذابًا في الدنيا، يأتي يقول للناس: «أنا مسكين، أنا محتاج»، يمد يده وهو كاذب، ليس بمسكين ولا محتاج، يفضح يوم القيامة أن يأتي ويحشر وليس في وجهه مزعة لحم، يأتي وجهه كلها عظم، ما فيه لحم، علامة أنه كان كذاب يوم القيامة يوم في الدنيا. فكذلك يوم القيامة يفضح بهذه العلامة. فلا يعان أمثال هؤلاء لا من بيت المال ولا من غيره. وليس هذا من باب الإحسان، حتى لا يقول قائل: بعض الناس تأخذه العاطفة، يقول: أنا يأتيني السائل ما أدري أعطيه. ويأتي الإنسان ويقول: عنده كذا وكذا من ظروف وأحوال. وأكثر الناس الله أعلم بأحوالهم، فأعطيه. الجواب: إذا علمت أنه متلاعبًا لا تعطيه، ولا يدفعك الحمية أن تعينه على منكر وباطل. مثلًا ما أكثر السؤال في هذا الزمان؟ يأتيك إنسان قوي، شاب، رجل، ويقول لك: «أنا إنسان غريب عابر سبيل، ما عندي كذا وكذا وكذا». وما أكثر أمثال هؤلاء. حينًا النفس تردد: هل هذا يستحق أو لا يستحق؟ لكن أنت علمت حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحل المسألة لقوي». هذا رجل قوي أمامك، وأناس ضعاف: امرأة ضعيفة، عجوز، ربما تعمل وتستنكف أن تمد يدها وتسأل. ورجل آخر غريب ضعيف، ربما يأتي من بلاد بعيدة ويستنكف أن يسأل، يغسل سيارات أو يكنس الأرض أو يلف بعض الأشياء من القمائم ويبيعها، لكن يده العليا ليست سفلى. وهذا قوي بديده. فمثل هذا تقدم له نصيحة خير له، تقول له: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تحل الصدقة لرجل قوي». وأنا ما أراك إلا رجلًا قويًا. اعمل مثل ما تعمل تلك العجوز. انظر إلى هذا العجوز، هذه تبيع خضرة، وذاك الآخر يبيع مساويك، لكن ما يمدون أيديهم، يحبون أن تكون يدهم العليا. وأنت أقوى منهم، فلا ينبغي أن تفعل هذا. تريد عملًا؟ أنا أساعدك في البحث عن عمل. بعض الناس يختصر يقول: أعطيه عشر، عشرين، وانتهى. لا، أنت ما فعلت خيرًا، ما أحسنت. لأنك بهذا تعينه على الباطل وتكثر من أمثاله المرضى في المجتمع. والمسلم لا ينبغي أن يرضى بمثل هذا. إن صحه تحب له الخير، لا تعطيه العشر والعشرين، لكن قدم له نصيحة هي أغلى من هذه العشر والعشرين. قدم له نصيحة حتى يكون رجلًا يعتمد على نفسه، ويكون هذا إن شاء الله سببا لإصلاحه. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من حمل من أمتي دينًا ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه»، هذا في حق الميت وعليه دين. فقلنا: الحي من باب أولى. الحي من باب أولى إن كان لا يستحق لا يعان على الباطل. وفي الحديث من المسائل كذلك: فيه وجوب قيام ولي الأمر، ومن كان بمعناه بقضاء حوائج المسلمين. ولهذا خاف الصالحون من أمانة الولاية لأنها يوم القيامة حسرة وندامة. المسألة ليست سهلة، حتى خاف عمر رضي الله عنه إذا تعثرت بغلة في الشام أن يسأل عنها يوم القيامة، لأنه السبب ما أصلح لها طريقها. ربما يجب عليه أن يصلح لها طريقها. يخافون من تعثر بغلة، فما بالك برقاب وحقوق أطفال كثير فقراء ونساء ضعاف؟ ثم بعد ذلك عبث بالأموال العامة إلا من رحم الله، عبث في الأموال العامة وعبث في أموال الضعفة. فأمثال هؤلاء تلحقهم مساءلة عظيمة يوم القيامة. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، معنى الضعف بكل أصنافهم ينبغي أن تقضى حوائجهم من بيت المال. وهكذا أولئك الذين عليهم أموال الزكاة، وهم يكنزونها ويبخلون فيها، أو يوزعونها في غير ما أذن لهم في توزيعها. بعضهم يجعلها مواساة للأقارب وللعمال الموظفين، وكذلك لدهن السير إذا صارت له معاملة عند بعض المسؤولين، ويخرج من الزكاة لعب بالزكاة. مرة يعطيها المسؤول، ومرة يصرفها في إخراج أرض، ومرة في محاكمة، ومرة في إعطاء أقارب لا يستحقون، أغنياء، وغير ذلك. فهؤلاء من باب أولى أن تلحقهم مثل هذه المسألة. وهكذا كذلك في هذا الحديث: في هذا الحديث من المسائل تقديم الدين على الوصية. فهذا الحديث مع الأحاديث الأخرى يدل على تقديم الدين على الوصية، على ما دلت عليه الأدلة، وذكره أهل العلم في تفاصيل مسألة أو الأولوية الحقوق في تركة الميت. ومر معنا الجواب على تقديم الوصية على الدين في الآية، كما قال أهل العلم: لأجل أن لا يشح الورثة في إخراج الوصية، فقدمت الوصية على الدين. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.