شرح أسماء الله الحسنى 5

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أسماء الله الحسنى

أسماء الله الحسنى هي أعلام وأوصاف تدل على ذات الله وصفاته، وهي بالغة في الحسن والكمال ومقصورة عليه. لا يشاركه فيها أحد وتدل على كماله.

تحذير من الإلحاد في أسماء الله تعالى وتطبيقاته

الإلحاد في أسماء الله يعني الميل عن الحقائق الشرعية وقد يكون كفرًا، مثل إنكار اسم الرحمن أو تأويلات بلا مسوغ شرعي. الجهمية ألحدوا بأنكروا الأسماء والصفات.

أسماء الله الحسنى وعدم حصرها بعدد معين وتفسير الأحاديث

أسماء الله الحسنى غير محصورة بعدد معين، مستدلًا بالأحاديث النبوية. يُشرح معنى حديث أبي هريرة حول أسماء الله التسعة والتسعين.

خاتمة الدرس والإشارة إلى المتابعة

الدرس ليس حصرًا لأسماء الله جل وعلا، وسيتم متابعة الموضوع في درس لاحق. يُختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام فيما ذكرنا من مباحث يذكرها أهل العلم قبل شروعهم في شرح أسماء الله الحسنى، أنهم يذكرون أن أسماء الله جل وعلا الحسنى أعلام وأوصاف. أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصفية أو الوصفية بها لا تنافي العلمية. فأسماء الله جل وعلا الحسنى أعلام؛ لأنها دالة على مسمى واحد، وعلى ذات الله جل وعلا. ولله الأسماء الحسنى، فأسماءه جل وعلا الحسنى دالة عليه جل وعلا، وعلى ذاته، وهي أوصاف باعتبار ما دلت عليه هذه الأسماء من معاني. فهذه الأسماء الحسنى هي حسنى؛ لأنها دالة على أوصاف، وليست هي أعلامًا مجردة عن الوصفية، بل هي أعلام وأوصاف، والوصفية لا تنافي العلمية؛ لأن كل اسم من أسماء الله جل وعلا له معنى، له معنى. وهذه الأسماء تختلف في معانيها وفي أوصافها. فاسم الله جل وعلا الحكيم موصوف بصفة الحكمة، الصفة التي تضمنها هذا الاسم صفة الحكمة، يختلف هذا الاسم في معناه عن اسم الله جل وعلا الرحيم والعزيز؛ لأن اسم الله جل وعلا العزيز موصوف بالعزة، والرحيم بالرحمة، وهكذا. وأسماء الله جل وعلا حسنى بالاعتبار الأول، اعتبار ما دلت عليه، وأنها دلت على مسمى واحد وهو الله جل وعلا، هي مترادفة؛ مترادفة لدلالة هذه الأسماء الحسنى على ذات واحدة، وعلى مسمى واحد وهو الله جل وعلا. فاسم الله، وإسم الرحمن، وإسم العزيز، وإسم الحكيم، وإسم الغفور، والعظيم، إلى آخر الأسماء مترادفة؛ لأنها دالة على ذات الله جل وعلا، وعلى مسمى واحد وهو الذي تسمى بهذه الأسماء وهو الله جل وعلا. وباعتبار ما دلت عليه من المعاني، أي هذه الأسماء دلت على معاني هي متباينة، كما سبق. معنى اسم الله العزيز يختلف عن معنى اسم الله الرحيم، وعن معنى اسم الله الكبير، وهكذا. فهي بهذا الاعتبار متباينة؛ لأن كل اسم له معنى يتميز به عن غيره من الأسماء الأخرى. وأسماء الله جل وعلا حسنى، ولله الأسماء الحسنى. وحسنى: الحسنى مؤنث الأحسن، الحسنى مؤنث الأحسن، فهي على وزن فعل، مؤنث أفعل التفضيل، معرفًا بالألف واللام. والمعنى أن أسماء الله جل وعلا حسنى، أي بالغة في الحسن الكمال، فلا أحسن منها. ولذلك هي مقصورة عليه جل وعلا، لا يشاركه في ذلك أحد. أسماء الحسنى إنما هي له جل وعلا، وهي أعلام أوصاف. وهكذا أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام هي أعلام أوصاف. أما الآخرون، فسموا بأسماء لا يلزم منها وجود الوصف الذي يقضيه ذلك الاسم. فمن الناس من اسمه حسن وهو ليس كذلك، أو يسمى بحكيم وهو ليس بحكيم، أو يسمى بعظيم وهو ليس بعظيم، وهكذا. لكن أسماء الله جل وعلا أعلام أوصاف، بخلاف أسماء البشر، إلا أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي كذلك أعلام أوصاف. أما أسماء البشر، فهي أعلام مجردة. فسموا بها من غير استحضار الوصف، من غير استحضار الوصف. بل ربما إذا سموا مع استحضار الوصف فيهم لكان ذلك ممنوعًا؛ لكان ذلك ممنوعًا. ولذلك غير النبي عليه الصلاة والسلام اسم ذلك الصحابي أبي الحكم، غير هذه الكنية إلى أبي شريح، أكبر أولاده. لماذا؟ لأنه سموه بهذا لملاحظة ذلك فيه. سألهم: لماذا سميتم بهذا الاسم؟ تكروا له أنه إذا اختلفوا بشيء تحاكموا إليه، فلحظوا فيه هذا الوصف، وهو الحكم فيما بينهم، فكنوه بذلك بأبي الحكم. فغير النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. ولذلك قال: هل العلم لا يجوز؟ لا يجوز أن يسمى البشر بأسماء وتلاحظ فيها الوصفية بما فيه مشاركة، بما فيه مشاركة لله جل وعلا. فإذا سمي أحد باسم مع ملاحظة هذه المشاركة أو هذا الوصف، فإنه يمنع من ذلك. وفي الآية قوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فيه التحذير من الإلحاد، تحذير من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا. ومعنى الإلحاد لغة: الميل، ومنه سمي اللحد في القبر؛ لأنه مائل عن الوسط. فسمي لحدًا لميلانه عن الوسط؛ لأن من معنى من معاني الحاد الميل والجور. فمن مال فقد حد. والمراد به هنا في أسماء الله جل وعلا: أي الحاد الميل بحقائق هذه الأسماء وما دلت عليه من المعاني، بعدم إثباتها على الوجه الشرعي. فمن مال في هذا الباب، في باب أسماء الله جل وعلا، وقع في مخالفة فيما دل عليه الشرع وأثبت لهذه الأسماء، فقد ألحد؛ لأنه مال. والإلحاد يكون كفرًا. إلحاد لأسماء الله منه الإلحاد الذي هو كفر بالله جل وعلا، مخرج من الملة. وهذا كإلحاد النصارى؛ ألحد النصارى. لماذا؟ لأنهم سموا الله جل وعلا بما لم يسم به نفسه. سموا الله جل وعلا أبًا، وكذبوا، وزعموا أنهم وجدوا ذلك في إنجيل يحيى: أن الله جل وعلا سمى نفسه بالأب، وعيسى بالإبن. فسموا الله جل وعلا بالأب، فهذا إلحاد كفر بالله سبحانه وتعالى. وهكذا تسمية الفلاسفة الرب جل وعلا بالعلة الفاعلة، ومن الحاد الذي هو كفر الحاد كفار قريش الذين أنكروا اسم الله الرحمن، كما جاء في البخاري. لما كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه الصلح، كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم». قالوا: ما ندري من الرحمن؟ وما نعلم إلا رحمن اليمامة، يعلمون مسيلمة الكذاب. فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، والمعنى: يكفرون بسم الله الرحمن. وإلا هم يقرون بالرحمن جل وعلا ربا خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، ومحيي وميتًا. لكن أنكروا هذا الاسم إلحادًا، وكفروا بسم الله الرحمن، من غير مسوغ، ومن غير عذر شرعي. فمن الإلحاد: ما يكون عن جحود، وهو إنكار، إنكار تكذيب، وإنكار تأويل. فمن أنكر جحودًا فهو كافر. ومن أنكر تأويلًا، إن كان تأويله له مسوغ عذر بذلك. وإن لم يكن له مسوغ في هذا التأويل، فلا يقبل عذره. هكذا حكم أهل العلم على من ألحد في أسماء الله جل وعلا عن طريق التأويل. فليس كل تأويل معذور صاحبه فيه. هناك تأويل له مسوغ، فيعدر صاحبه. وهناك تأويل لا مسوغ فيه، فلم يقبل تأويل من أول. بل هو يكون من من ألحد والعياذ بالله في هذا الباب. وهكذا الحاد الجهمية هو من الحاد الكفري. الحاد الجهمية أنكروا الأسماء والصفات، أنكروا الأسماء والصفات، ولم يثبتوا لله جل وعلا إلا وجودًا مطلقًا، بشرط الإطلاق. والمعنى أنهم لم يثبتوا حتى وجود الله جل وعلا الذي هو وجود حق في الواقع، وإن موجود ذهني؛ لأن موجودًا مشروطًا بقيد الإطلاق هذا لا وجود له في الواقع. لا يمكن أن يوجد شيء موجود بشرط الإطلاق، بمعنى لا يوصف بأي وصف، لا يوصف بأي وصف. إذن هو غير موجود؛ لأنه إذا كان موجودًا على الأقل أن يوصف بصفة الوجود. هم لا حتى هذا الوصف، فإذن هذا إنما هو وجود ذهني، وجود في أذهانهم. فوجود الله جل وعلا عند الجهمية إنما هو وجود ذهني لا حقيقة له في الواقع؛ لأنهم سلبوا عنه كل وصف، سلبوا عنه كل وصف. وكل ذلك فرارًا من التمثيل، ذعوا أنه إذا وصف بأي وصف فإنه فإن هذا يقضي المثلية والمماثلة لله جل وعلا. ولذلك سلبوا عنه كل الأوصاف، وهذا من أعظم أنواع الحاد، وهو كفر بالله سبحانه وتعالى. وهو الحاد الجهمية، كفرهم أهل السنة. قد ذكر من قيم رحمه الله وتعالى: أن خمسمائة عالم من علماء في البلدان كفروا هؤلاء. ولقد تقلد كفرهم خمسون بعد في عشر. نعم، خمسون في عشر من العلماء في البلدان. ثم ذكر أن الذي حكى ذلك الإلكائي والطبراني حكوا عن أهل السنة أنهم كفروا هؤلاء خمسمائة عالم. لماذا؟ لأن إلحادهم كفر والعياذ بالله. وهكذا من الإلحاد: الحاد المعتزلة الذين أثبتوا الأسماء وأنكروا الصفات. وإنكار الأشاعرة الإشاعرة، إلحادهم فيه تأويل لما يتعلق بصفات الله جل وعلا. يقولون: اليد النعمة، لهم مسوغ لغوي. واليد تختلف عن النعمة وتختلف عن القدرة. ولذلك لم يكفروا. هكذا حكم أهل السنة. وضابط أهل السنة في هذا الباب: النظر في هذا التأويل. ينظروا إلى تأويله، إذا دل عليه مسوغ شبهة أول لأجلها هذه الصفات، فعذرهم بذلك لم يكفروهم. وأما من أول أو ألحاد والعياذ بالله من غير مسوغ له، فلم يقبلوا تأويله، بل جعلوه من نوع الأول الذي هو الإلحاد الكفر والعياذ بالله. فخلاصة هذا أن الإلحاد دخل فيه هل التعطيل شتى فرقهم. ودخل فيه هل التأميل الممثل الحد؛ لأنهم مثلوا أسماء الله جل وعلا أو مثل الله جل وعلا بالمخلوقين، فهذا من أعظم إلحاد كذلك. وكل هذا من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا وفي صفات الله سبحانه وتعالى. ومما يذكر من مباحث في هذا الباب: ما يتعلق بأن أسماء الله جل وعلا الحسنى غير محصورة بعدد، لا تنحصر في عدد. كما ظن البعض: قال أسماء الله جل وعلا مئة، أو أقول: تسعة وتسعون اسمًا. لحديث أبي هريرة: «إن الله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة». فقالوا: أسماء الله الحسنى تسع وتسعون. وهذا ليس بصحيح. أسماء الله جل وعلا الحسنى لا تنحصر في عدد. إدلالة الأدلة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على ذلك. فمن ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن مسلم بن الحجاج سأل النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، فإذا به في المسجد ساجد لله عز وجل يدعو. وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». لا أحصي ثناء عليك. لو أحصى أسماء الله لأحصى الأوصاف ولأحصى الصفات. لو أحصى الأسماء لأحصى الأوصاف. ولكن قال عليه الصلاة والسلام: «لا أحصي ثناء عليك». وهكذا في الحديث: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». قال عليه الصلاة والسلام: «إلا أذهبه الله جل وعلا عنه». وهكذا في حديث الشفاعة: «فيفتح الله عز وجل علي بمحامد لم يفتحها على أحد من قبلي». يعني من الثناء على الله جل وعلا ما لم يكن قد حصله النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ولا أحد. ومعنى هذا: أن هناك من الأوصاف ومن الثناء الذي يستحقه الله جل وعلا مما استأثر به ويجعله كيف شاء ومتى شاء، يثنى به عليه سبحانه وتعالى. وأما الحديث: حديث أبي هريرة «إن الله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة»، فهو جملة واحدة. من أحصاها دخل الجنة، ليس خبرًا مستقلًا، وإنما هي صفة. والمعنى: إن لله تسعة وتسعين اسمًا، شأنها: من أحصاها دخل الجنة. هذا هو معنى هذا الحديث، كما ذكر النووي وغيره من العلماء. أن الحديث لا يدل على حصر أسماء الله. فإن أسماء الله لا تنحصر، لا تنحصر بعدد معين. وهذا له نظائر في كلام العرب. فيقول القائل مثلًا: عندي خمسمائة فرس أعددتها للجهاد. هل معنى ما عنده إلا الخمسمائة؟ لا. لكن هذه أعدها للجهاد. تقول: عندي تسعة وتسعون، مثلًا ماذا؟ ألفًا أعددتها للصدقة. لا يمنع من وجود غيرها. لكن هو إخبار إخبار عن هذا القدر المعين والعدد المعين للصدقة أو للجهاد أو غير ذلك. وهكذا فالحديث إخبار عن فضل إحصاء أسماء الله جل وعلا تسعة وتسعين، وأن من أحصاها داخل الجنة. وليس هو إخبار عن حصر أسماء الله جل وعلا. ونواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله عليه وسلم، ومبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.