الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 68، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اسم الله الرب يعني المالك والسيد والمصلح للشيء، ويتضمن معاني الخلق والرزق والتدبير. يدل على ربوبية الله تعالى على خلقه أجمعين.
اسم الله 'الرب' يدل على الربوبية العامة والخاصة، والربوبية الخاصة تتعلق بتولية الله لأوليائه وإصلاح قلوبهم وأعمالهم. يُستشهد بأدعية الأنبياء والصالحين في القرآن.
التعبد لله باسمه الرب يستلزم الإقرار بالعبودية لله وحده واللجوء إليه في جميع الحاجات ودعاؤه باسمه الرب. يجب ترك الأدعية المحدثة التي لم ترد في الكتاب والسنة.
يجب التمسك بالقرآن والاستسلام له ودعوة الله كما دعا الأنبياء والصالحون. يطلب من الله أن يجعلنا من عباده المخلصين الذين آمنوا به وبالإسلام وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "الرب". فالرب من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ورد في مواضع في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك ما ثبت في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يزال يلقى في جهنم وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها، فتقول: قط قط». ففي هذا الحديث ذكر اسم الله جل وعلا "الرب". وهكذا ثبت عند مسلم رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: «إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤية الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». وهذا الحديث ذكر فيه اسم الله جل وعلا "الرب"، وأما الركوع فعظموا فيه الرب. وهكذا ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولا». وتبت كذلك عند الترمذي وابن خزيمة رحمة الله تعالى عليهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن». هكذا قال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن». وهذا الحديث ذكر فيه اسم الله جل وعلا "الرب". وهكذا في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم رحمه الله تعالى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟». فهذه بعض النصوص الواردة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام التي ذكر فيها اسم الله جل وعلا "الرب". بل ثبت في القرآن ذكر اسم الله جل وعلا "الرب" من غير تعريف، ففي قوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. فالرب من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ومعنى اسم الله جل وعلا "الرب" يقول ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره: "قال الرب في لغة العرب يتصرف على وجوه، فالسيد المطاع فيهم يدعى ربا، والمصلح للشيء يدعى ربا، والمالك للشيء يدعى ربه". وقد يتصرف على غير هذه الوجوه إلا أنه يرجع إلى هذه الثلاثة الوجوه. قال: "فربنا جل ثناؤه هو السيد الذي لا شبه له ولا مثل في سؤدده، وهو المصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من النعم، وهو المالك الخالق الرازق المدبر". انتهى كلامه رحمه الله. وذكر ابن الأثير رحمه الله تعالى في "النهاية في غريب الحديث" أن معنى الرب في اللغة هو المربي والمدبر والقيم والمنعم، قال: "ولا يطلق ذلك من غير إضافة إلا على الله جل وعلا". وأما إذا أطلق على غيره فإنه يضاف فيقال: رب كذا، يعني لا يطلق الرب على أحد إلا على الله جل وعلا، أما إذا أطلق على غيره فإنه يضاف فيقال: رب الأسرة، ويقال: رب الدابة، وكذلك يقال: رب كذا، رب الإبل، أي صاحبها. فهذا ما ذكر ابن الأثير رحمه الله تعالى في معنى اسم الله "الرب" في اللغة. واسم الله جل وعلا "الرب" من الأسماء العظيمة، فهو أحد الأسماء الثلاثة التي ترجع إليها سائر الأسماء دلالة ومعنى. فثلاثة أسماء من أسماء الله جل وعلا ترجع إليها سائر الأسماء الحسنى في دلالتها: اسم الله جل وعلا "الله"، واسم الله جل وعلا "الرحمن"، واسم الله جل وعلا "الرب". وكذلك معنى "الرب" أي ذو الربوبية على خلقه أجمعين خلقا وملكا وتدبيرا وتصرفا بالربوية على خلقه أجمعين خلقا وملكا وتدبيرا وتصرفا. هذا معنى اسم الله جل وعلا "الرب". وهذا يدلنا على أن الرب له معاني، اسم الله جل وعلا "الرب" له معاني، ليس له معنى واحد. ولذلك ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "بدائع الفوائد" أن الرب هو الخالق الرازق المحيي المدبر المصور الحي القيوم السميع البصير القادر الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء. فذكر رحمه الله تعالى هذه الأسماء التي هي من معاني اسم الله جل وعلا "الرب"، مما يدل على أن اسم الله جل وعلا "الرب" لا يقتصر على معنى، بل له معاني متعددة وله معاني كثيرة. فدل على أن هذا الاسم من الأسماء العظيمة الثابتة لله جل وعلا، وسائر الأسماء ترجع إلى هذا الاسم لأنه يتعلق بربوبية الله جل وعلا. وقال العلامة السعدي رحمة الله تعالى عليه في شرحه لأسماء الله الحسنى في معنى اسم الله جل وعلا "الرب": "قال رحمه الله تعالى: أي المدبر المربي جميع خلقه وجميع عباده بنعمه، وأخص من ذلك تربيته جل وعلا لأصفيائه وأوليائه بإصلاح قلوبهم وإصلاح أقوالهم وأفعالهم". ثم قال بعد ذلك: "ولذلك كثر دعاؤهم بهذا الاسم، أي باسم الله جل وعلا الرب، لأنهم يطلبون من الله جل وعلا هذه التربية الخاصة، وهي أن يصلح أقوالهم وأن يصلح قلوبهم". فدلنا هذا على أن اسم الله جل وعلا "الرب" يدل على أن الله جل وعلا له الربوبية العامة وله الربوبية الخاصة. فأما الربوبية العامة فهي لسائر الخلق، لسائر الخلق، فالله جل وعلا رب العالمين كلهم، بمعنى أنه هو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم وهو الذي أحياهم وهو الذي يمدهم بالنعم ويكشف كربهم ويفرجها عليهم، ولو كان ذلك كافرا، لا فرق بين مسلم وكافر، ولا بر وفاجر، ولا ضال ومهتدي، بل الجميع يدخلون تحت ربوبية الله جل وعلا، فهو ربهم جل وعلا جميعا. فهذه الربوبية العامة لسائر خلق الله جل وعلا. وأما الربوبية الخاصة فيكون لأوليائه وأصفيائه بما رباهم من النعم الخاصة، وبما تولاهم من التولية الخاصة، فأصلح قلوبهم وأصلح أعمالهم وهداهم ووفقهم لليسرى وجنبهم العسرى، وأمدهم بسائر النعم الخاصة التي اصطفاهم بها جل وعلا. فهذه تربية خاصة من الرب جل وعلا لعباده. ولذلك كثر دعاء الأنبياء ودعاء الصالحين في كتاب الله جل وعلا باسم الله جل وعلا "الرب". فإذا تأملت أدعية الأنبياء في القرآن، فنجد أن هذه الأدعية دعا فيها الأنبياء باسم الله جل وعلا "الرب". فهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحاءُ﴾. فدعاء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: «ربنا ربنا ربنا»، فيدلنا هذا على عظيم الدعاء باسم الله جل وعلا "الرب"، لأن الدعاء بهذا الاسم كما سمعتم هو طلب من الرب جل وعلا الربوية الخاصة والتولية الخاصة منه جل وعلا. وهكذا كذلك قال في دعائه: ﴿رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾، وقال كذلك في دعائه عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وتأمل كذلك دعاء نوح عليه الصلاة والسلام كيف دعا ربه جل وعلا باسمه سبحانه وتعالى "الرب"، قال جل وعلا في كتابه الكريم في دعاء نبيه نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾. وتأمل كذلك في دعاء موسى عليه الصلاة والسلام دعا الله جل وعلا باسمه "الرب"، قال جل وعلا على لسان نبيه موسى في دعائه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. تأمل دعاء عيسى عليه الصلاة والسلام حين دعا الله جل وعلا باسمه "الرب": «اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك، وارزقنا وأنت خير الرازقين». تأمل كذلك في دعاء يوسف عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وهكذا تأمل في دعاء زكريا عليه السلام، حيث دعا زكريا ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وهكذا قال جل وعلا مبينا دعاء زكريا له جل وعلا باسمه "الرب": ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. وتأملوا في دعاء سليمان عليه السلام: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. فكان أنبياء الله جل وعلا يدعون الله جل وعلا باسمه "الرب" لأن مطالبهم تدخل في دعائه جل وعلا باسمه "الرب"، لأنهم يطلبون التولية الخاصة، ويطلبون الهداية من الله جل وعلا. فكان دعاؤهم لله جل وعلا بهذا الاسم العظيم. وهكذا دعاء الصالحين في كتاب الله جل وعلا كان باسم الله جل وعلا "الرب"، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. كلها دعوات باسم الله جل وعلا "ربنا". وأخذ قال جل وعلا عن عباده الصالحين في دعائهم باسم الله جل وعلا "الرب": ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقال جل وعلا مبينا دعاء عباده الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وكذلك في دعائهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالمتأمل في كتاب الله جل وعلا في أدعية الأنبياء وفي أدعية أتباع الأنبياء من المؤمنين الصالحين، يجد أنهم دعوا الله جل وعلا باسمه "الرب" لأن "الرب" من أعظم أسماء الله جل وعلا التي فيها التربية التي فيها التولية الخاصة منه جل وعلا، من النصرة والتأييد والتوفيق والهداية والإعانة الخاصة والمعية الخاصة، إلى آخر ذلك من معاني تربيته الخاصة لعباده جل وعلا. فلذلك كثرت الأدعية بهذا. وقد سمعتم حديث أبي هريرة في مسلم في دعاء ذلك الرجل أشعث أغبر يقطع السفر يقول: «يا رب يا رب». يدعو باسم الله جل وعلا "الرب". والدعاء باسم الله جل وعلا "الرب" من مقتضيات إجابة الدعاء، لكن لما توفرت موانع عند ذلك الرجل حيث كان مطعمه حراما وملبسه حراما ومشربه حراما وغذي بالحرام، منع الإجابة، وإلا فقد أتى بمقتضيات إجابة الدعاء من الله جل وعلا. ومن عظيم تلك المقتضيات أنه دعا الله جل وعلا باسمه "الرب" الذي يستجيب الله جل وعلا معه حتى للكفار الذين إذا دعوه وقام بهم الإخلاص في ذلك الحال استجاب لهم سبحانه وتعالى. أن إجابة الدعاء من أفراد ربوبيته، إجابة الدعاء من الله جل وعلا من أفراد ربوبيته جل وعلا، وذلك لجميع عباده إذا أخلصوا في دعائهم ووجد عندهم الافتقار والذلة والذل والمسكنة والخضوع لله جل وعلا في دعائهم والافتقار والحاجة. فمن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه "الرب" أن يعترف العبد أولا بالعبودية، وأن يحقق العبودية لله جل وعلا. فمن لازم الإقرار بأن الله جل وعلا ربا أن يقر العبد بالعبودية لله جل وعلا، لأن الرب هو الذي يستحق العبادة. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. فلأنه الرب جل وعلا فهو الذي يستحق العبادة، هو الرب الذي خلق، فإذن هو الذي يستحق العبادة. ولذلك قال جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلكونه رب العالمين فلا يكون الحمد إلا له. ومعنى ذلك أن تكون العبادة أن لا تكون العبادة إلا لرب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، إذن هو ربنا جل وعلا وحده لا شريك له، من لازم ذلك العبادة. ولذلك أنكر الله جل وعلا على المشركين حين أقروا بربوبية الله جل وعلا ولكن لم يقروا بألوهيته سبحانه وتعالى، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ففيه الإنكار على المشركين أقروا لله جل وعلا بأنه الخالق وبأنه المدبر وبأنه كذلك المحيي وأنه المالك، لكن بعد ذلك صرفوا العبادة لغير الله جل وعلا، فلا ينفعهم ذلك الإقرار بالربوبية لأن لازم الإقرار بالربوبية الإقرار بالألوهية لله جل وعلا. إذن من مقتضى التعبد والإقرار والاعتراف والإثبات لاسم الله جل وعلا "الرب" أن يكون العبد محققا لله جل وعلا. فالذين يدعون الأموات من الأولياء والصالحين ويصرفون لهم الدعاء، هؤلاء ما آمنوا بالله جل وعلا ربا ولو قالوا ذلك مرات وكرات. لماذا؟ لأنهم لم يأتوا بلازم ذلك. كيف تقول: إن الله جل وعلا رب العالمين، ثم أنت تقول: «يا ولي الفلان أستغيث بك، يا ولي الفلان أعطني كذا». فكيف تقر بالربوبية لله ثم أنت تقع فيما يناقضها من صرف العبادة لغير الله جل وعلا؟ ومن لازم الإقرار بالربوبية ومن مقتضيات التعبد لله جل وعلا أو من ما يلزم التعبد لله جل وعلا باسمه "الرب" أن يلجأ العبد إلى الله جل وعلا بالربوبية بدعائه سبحانه وتعالى باسمه "الرب" في جميع حاجاته، فيكون مفتقرا إلى الله جل وعلا. فأكثر يا عبد الله في دعائك قل: «يا رب يا رب يا رب». إذا دعوت تتأسى بأنبياء الله جل وعلا، وابتعد عن الألفاظ في الأدعية التي لم يرد بها دليل. عجبا لأحوال كثير من الناس يقرؤون كتاب الله جل وعلا في أحيان كثيرة وعلى أحوال وعلى أيام، ثم إذا تأملت في دعائهم وجدتهم قد تركوا عظيم الدعاء الذي ورد عن أنبياء الله جل وعلا باسمه "الرب". فإذا هم يخترعون ألفاظا من عند أنفسهم يدعون الله جل وعلا بها، وكأنهم فضلوها على مثل هذه الأدعية: «يا مسقط الطائرات، يا مدمر المنشآت، يا كذا يا كذا يا كذا». ما الفائدة من هذا؟ «مسقط الطائرات ومدمر السفن ومغرق كذا ومغرق كذا»، هل هذا في القرآن موجود؟ لا، في القرآن: «يا رب يا رب يا رب يا رب»، يدعون الله بالربوبية. لأن من أعظم دعاء الرب جل وعلا أن يكون بلفظ الربوبية، لأن إجابة الدعاء منه جل وعلا من مقتضيات ربوبيته. ماذا نستفيد من هذه العبارات ومن هذه الشطحات ومن هذه التعبيرات؟ يعني حفظ الجمل التي هي منسقة ومنمقة، لكن إذا نظرت في كتاب الله لا تجد لها أصلا، وإذا نظرت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام لا تجد لها وجودا. عجبا ممن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، بل لا نقول: بما هو أدنى، بل ربما أقل من ذلك بكثير. فالواجب عباد الله أن ننظر حين نقرأ في كتاب الله كيف كان يدعو الأنبياء، كيف كان يدعو الصالحون الصالحون في دعواتهم، وكيف يتضرعون إلى الله جل وعلا. فنجتنب هذه المحدثات في الزيادات في الدعاء والألفاظ المحدثة المنمقة التي فيها التنطع والسجع، فقد نهينا عن السجع في الدعاء، كما قال الصحابي: «وانظر السجع فاجتنبه»، يعني النساء يجتنبن السجع والتكلف في الدعاء. اليوم ربما الواحد يدعو ساعة أو ساعة إلا ربعا وهو يدعو بعبارات منمقة، بجمل كذا وكذا، فيها من هذه الأقوال، كل ذلك ليس على ما كان عليه أنبياء الله من الدعاء في القرآن، وليس مما كان عليه الصحابة ولا النبي عليه الصلاة والسلام. فالواجب عباد الله أن نتمسك بما جاء في القرآن، وأن نستسلم له، وأن ندعو كما دعا الأنبياء ودعا الصالحون، فإن ذلك من عظيم مقتضيات إجابة الدعاء من الله جل وعلا. نسأله جل وعلا ربنا بأن يجعلنا من عباده الذين تولاهم بتوليته الخاصة ورباهم بتربيته الخاصة، ممن آمن به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. وصلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.