الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 223، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث فضيلة معاذ بن جبل ومحبة النبي له عندما أخذ بيد معاذ وقال له: "إني أحبك". يبين أهمية إعلام الشخص بمحبته في الله.
علم النبي معاذ بن جبل دعاء يقوله بعد كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". يبين الحديث أهمية هذا الدعاء في طلب العون على العبادة.
الدعاء المأثور يتضمن استعانة بالله على فعل العبادة والطاعة. يشرح معاني الذكر والشكر وحسن العبادة وأهميتها في حياة المسلم.
يجب إحسان العبادة بإتمامها وكمالها، وطلب العلم يعين على ذلك. يجب على المسلم تعلم أحكام العبادات ليؤديها بشكل صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا أبو عاصم، وهو أبو عاصم النبيل، الضحاك بن المخلد، ثقة ثبت، قال أنبأنا وابن شريح التوجيبي، قال في الحبقي ثبت فقيه، قال: حدثنا عقبة بن مسلم، وهو كذلك توجيبي ثقة، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، وهو عبد الله بن يزيد المعافري، وهو ثقة، عن الصنابحي، وهو عبد الرحمن بن عسيلة، وهو ثقة، من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بخمسة أيام، قال: عن معاذ بن جبل، وهو معاذ بن جبل بن عمر بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها من الوقائع، وهو ممن اشتهر من الصحابة بالعلم، ومات بالشام سنة ثماني عشرة، قال: أخذ بيدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا معاذ»، قلت: «لبيك»، قال: «إني أحبك»، قلت: «وأنا والله أحبك»، قال: «ألا أعلمك كلمات تقولها في دبر كل صلاتك؟» قلت: «نعم»، قال: «قل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». الحديث صحيح. ففي هذا الحديث، كما سمعنا، أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بيد معاذ بن جبل، وقال: «يا معاذ»، فقال: «لبيك»، أي إجابة بعد إجابة، قال: «إني أحبك»، قلت: «وأنا والله أحبك». وفي هذا فضيلة لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام يحبه. وفيه كذلك أيضًا أن من أحب شخصًا في الله سبحانه وتعالى، فإن المستحب أن يخبره بذلك، أن يخبره بأنه يحبه، فيقول: «أحبك في الله». وقد أمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في السنة، من حديث أبي هريرة، أن رجلًا مر، فقال رجل: «يا رسول الله، إني أحب فلان»، قال: «أعلمته؟» قال: «لا»، قال: «فأعلمه». وجاء كذلك في حديث آخر: «إذا أحب شخص أخاه، فليخبره أنه يحبه في الله». وليقل له أخوه: «أحبك الذي أحببتني فيه». وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «إني أحبك»، فقال معاذ: «والله وأنا أحبك». وفي هذا كذلك بيان عظيم لتواضع النبي عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عليه الصلاة والسلام العالم، وهو الأمير والحاكم، ومع ذلك يأخذ بيد معاذ رضي الله تعالى عنه، ويقول له: «والله إني أحبك». قال: قلت: «وأنا والله أحبك»، قال: «ألا أعلمك كلمات تقولها في دبر كل صلاتك؟» تأتي بهذه الكلمات تدعو بها في دبر كل صلاتك. ودبر الشيء مؤخرته، فدبر الصلاة أي في آخر الصلاة، وهو محتمل أن يكون المراد به في آخر الصلاة قبل التسليم، يعني بعد التشهد، فتدعو. ومن ضمن هذه الأدعية تدعو بهذا الدعاء. أو كذلك تأتي به بعد السلام، تأتي به بعد السلام، فالأمر في ذلك واسع. قال: قلت: «نعم»، قال: «قل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وفيه استعانة بالله سبحانه وتعالى على فعل العبادة والطاعة. فالإنسان ضعيف، وكذلك أيضًا يحصل منه العجز والتقصير، فهو يتقوى بالله سبحانه وتعالى، ويستعين بالله عز وجل أن يعينه. والاستعانة عبادة عظيمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فأنت تستعين بالله عز وجل، وتطلب العون من الله سبحانه وتعالى أن يعينك على ذكر الله عز وجل. اللهم أعني على ذكرك، تسأل من الله عز وجل الإعانة على ذكره، تذكره جل وعلا في قلبك، وفي لسانك، وفي جوارحك، وتكون مستمرًا على ذكر الله. هذا يحتاج إلى عون، تذكر الله عز وجل في صباحك، وفي ليلك، في منزلك، وفي مخرجك، وفي مدخلك، وهكذا في سوقك، وفي بيعك وشرائك، وهكذا. مواضع الذكر لا تنقضي، كثيرة في الأكل، وبعد الأكل، في النوم، وبعد النوم، وهكذا في سائر الأحوال، فإنك لا تستغني عن ذكر الله سبحانه وتعالى. فأنت تسأل من الله عز وجل أن يعينك على ذكره. اللهم أعني على ذكرك وشكرك، كذلك تستعين بالله عز وجل أن يعينك على شكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك شكر الله عز وجل يكون بالقلب، بالاعتراف بنعم الله سبحانه وتعالى، وأن هذه النعم من عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا باللسان، بأن تشكر الله عز وجل بلسانك. وهكذا بالجوارح، بأن تسخر ما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليك من النعم في طاعة الله عز وجل، وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل أنعم عليك بنعمة البصر، فمن شكر هذه النعمة أنك لا تنظر إلا لما يرضي الله سبحانه وتعالى، وما أحل الله. أنعم عليك بنعمة السمع، فمن شكر هذه النعمة أنك لا تسمع إلا ما يرضي الله. وهكذا أنعم عليك بنعمة اللسان، فمن شكر هذه النعمة أنك لا تتكلم إلا بما يرضي الله عز وجل، وما أحل الله. أنعم عليك بنعمة المال، فمن شكر هذه النعمة أنك لا تنفقه إلا فيما يحب الله عز وجل. وهكذا قل في سائر النعم، فإن من شكرك لها أن تسخرها في طاعة الله سبحانه وتعالى. ما يكفي أن تقول: «أنا أشكر الله بلساني، الحمد لله والشكر لله على ما أنعم». ثم تسخر هذه النعم في المعاصي، وفيما حرم الله سبحانه وتعالى، فإنك بذلك لم تقم بحق الشكر. فإذن الشكر كذلك يحتاج إلى إعانة، وهو سبب عظيم لبقاء النعم ودوامها: ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. فتستعين بالله عز وجل أن يعينك على شكر نعمه. قال: «وحسن عبادتك»، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، كذلك تستعين بالله سبحانه وتعالى على أن يعينك على إحسان العبادة، ليس مجرد فعل العبادة، بل أن تحسنها. وهذا هو المقصود من العبادة، هو إتمامها وإحسانها. فليس المقصود من الصلاة مثلًا أنك تصلي فقط، لكن المقصود من الصلاة أنك تحسن هذه الصلاة، وتؤديها على وجه الأكمل الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، وأمر به رسوله عليه الصلاة والسلام. كم من الناس من يصلي كثير، لكن القليل من يحسن الصلاة، ويحسن هذه العبادة. كم تجد من الناس من يصلي وهو لا يطمئن، لا في ركوع، ولا في سجود، ولا في قيام، فيصلي وهو لم يصلِّ. وهكذا لا خشوع في الصلاة، ومع ذلك فيعتبر نفسه قد صلى. وهكذا يقول في سائر العبادات: الذي ينبغي هو إحسان العبادة، أن يؤديها الإنسان بتمامها وكمالها. فأنت تحتاج في إحسان عبادتك أن تستعين بالله سبحانه وتعالى على ذلك. ومما يعينك على إحسان العبادة طلب العلم، والتفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فتعلم التوحيد والعقيدة، تعرف ما معنى «لا إله إلا الله»، وما هي شروطها، وما هي نواقضها. تعرف ما هو التوحيد، وما هو الشرك، حتى كذلك تحسن عبادة التوحيد. كم من الناس من يقول: «لا إله إلا الله»، وهو ينقض هذه الكلمة بأفعاله وأقواله واعتقاداته، هذا ما أحسن هذه العبادة. يقول: «لا إله إلا الله»، وهو يذبح لغير الله، ويستغيث بغير الله، ويستعين بغير الله، ويعتقد النفع والضرر في غير الله، وهكذا إلى غير ذلك من صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك تتعلم الصلاة، كيف صلى النبي عليه الصلاة والسلام، حتى تصلي صلاة صحيحة، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهكذا الزكاة، إن كنت من أهل الأموال، تتعلم أحكام الزكاة، حتى تحسن عبادة الزكاة. ما هو المال الذي يخرج منه الزكاة؟ وما هو النصاب؟ وما هي شروط الزكاة؟ كذلك الصوم، تتعلم أحكام الصيام، كيف صام النبي عليه الصلاة والسلام، وما هي مبطلات الصيام؟ كذلك الحج، إن كنت مستطيعًا للحج، تتعلم صفة الحج، كيف حج النبي عليه الصلاة والسلام، وما هي أركان الحج، وما هي شروطه، وما هي كذلك مستحباته، وما هي مبطلاته، حتى تحسن هذه العبادة. فكل عبادة إذا أردت أن تحسنها، فلابد أن تتعلمها، لا بد أن تتفقه في دين الله سبحانه وتعالى، وتتعلم ما شرع الله عز وجل، حتى تحسن عبادتك لله سبحانه وتعالى. أما إن أديتها من غير علم، فستؤديها بجهل، ولا شك أنك إن أديتها بجهل، سيكون فيها خلل، سيكون فيها خلل. فلذلك فإنك تستعين بالله عز وجل في طلب العلم، حضور مجالس العلم، حتى تتفقه في دين الله، وتحسن عبادتك لله سبحانه وتعالى. فهذا الحديث حديث عظيم، ودعاء عظيم، علمه النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وهو كذلك تعليم لسائر الأمة، أن تقول دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». إلى هنا والله تعالى أعلم.