الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يتناول اسم الله الرحمن ودلالته على صفة الرحمة اللازمة لله تعالى، ووروده في القرآن والسنة. يفرق بين الرحمن والرحيم في الدلالة اللغوية والشرعية.
الرحمن والرحيم يدلان على صفة الرحمة، الرحمن اسم جامع للرحمة العامة والخاصة، والرحيم يدل على الرحمة المتعدية التي وسعت كل شيء. هذان الاسمين من أسماء الله الحسنى.
الرحمة في الإسلام نوعان: عامة تشمل جميع المخلوقات، وخاصة للمحسنين والمتقين. هذا التقسيم يبين شمول رحمة الله تعالى وخصوصيتها لمن يطيعونه.
يتضمن المقطع دعاءً بالرحمة من الله تعالى للعباد، ويطلب من الله أن يجعلنا من الذين ينالون رحمته في الدنيا والآخرة، ويختم بالصلاة على النبي وآله.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا الرحمن الرحيم. فالرحمن اسمه من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وهكذا اسم الله جل وعلا الرحيم. قد ورد اسم الله الرحمن في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وهكذا ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك في البسملة: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وهكذا في أم القرآن، فاتحة الكتاب: ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم﴾. وهكذا جاء في سورة البقرة: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾. وهكذا في سورة الرعد، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وكذلك أرسلنا في أمم قد خلت من قبلها أمم لتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾. وهكذا في سورة الإسراء، قال جل وعلا: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾. وهكذا جاء اسم الله جل وعلا الرحمن في سورة مريم، قال جل وعلا على لسان نبيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿يا أبتي إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا﴾. وهكذا في سورة طه، قال جل وعلا: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. وهكذا في سورة الأنبياء، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿قال رب حكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون﴾. وهكذا جاء ذكر هذا الاسم -الرحمن- لله جل وعلا في سورة الفرقان، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا ومن الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾. وقال جل وعلا: ﴿و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾، في سورة الفرقان. وهكذا جاء ذكر هذا الاسم كما في سورة النمل، في رسالة سليمان إلى ملكة سبأ: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وهكذا في سورة الرحمن: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾. وهكذا في سورة النبأ: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا﴾. فورد اسم الله جل وعلا الرحمن في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا. وهكذا في سورة الحشر، قال سبحانه وتعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾. وفي السنة ثبت كذلك مواضع من ذلك، ما ثبت عند أبي يعلى وابن أبي شيبة وأحمد، كذلك في المسند، صححه العلامة الألباني -رحمه الله- من حديث عبد الرحمن بن خنبش -رضي الله تعالى عنه-، قد ثبت له صحبة على الصحيح، في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام واستعاذته. كان يدعو ويستعيذ عليه الصلاة والسلام، يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما يخرج من الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». فكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بهذه الكلمات التامات، وهكذا يستعيذ بالرحمن جل وعلا. وهكذا ثبت من حديث أبي هريرة، أو حديث عبد الرحمن بن عوف عند الترمذي، حديث عبد الرحمن بن عوف عند الترمذي، صَححه العلامة الألباني -رحمه الله-، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: «إن الله جل وعلا يقول: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته». وهكذا في مواضع في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ذكر اسم الله جل وعلا الرحمن. ومعنى اسم الله الرحمن: أي الذي الرحمة وصفه، الذي الرحمة وصفه، فرحمن على وزن فعلان، وفيه صيغة مبالغة. الرحمن الرحيم كلاهما فيه صيغة مبالغة، إلا أن الرحمن أوسع، فيه صيغة المبالغة كما ذكر عدد من أهل العلم، منهم ابن كثير، جماعة من أهل العلم. والرحمن اسمه من أسماء الله جل وعلا تضمن صفة الرحمة، وهذا الوصف هو من الأوصاف اللازمة. الرحمن اسمه من أسماء الله التي دلت على وصف لازم غير متعدد، لأن أسماء الله جل وعلا منها ما يدل على وصف متعدد، ومنها ما يدل على وصف غير متعدد. فالرحمن من أسماء الله جل وعلا الدالة على وصف لازم، وهو الرحمة. فالرحمن بمعنى: الذي الرحمة وصفه، وهي وصف لازم، بخلاف الرحيم. فالرحيم من أسماء الله جل وعلا تضمن صفة الرحمة ووصف الرحمة، لكن الرحيم من أسماء الله جل وعلا المتعدية، فهو يرحم جل وعلا بفعله، يرحم عباده سبحانه وتعالى بخلقه لهم، برزقه لهم، وبإنعامه عليهم، إلى آخر ذلك من رحمته جل وعلا الواسعة التي منها كذلك العامة والخاصة. واسم الله جل وعلا الرحمن اسم عظيم من أسماء الله جل وعلا، من أعظم أسماء الله جل وعلا الرحمن. ولذلك قرنه بلفظ الجلالة: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾، ولفظ الجلالة الله هو الاسم الذي ترجع عليه سائر الأسماء. فقرن به اسمه سبحانه وتعالى الرحمن، مما يدل على عظيم هذا الاسم، بل اسم الرحمن على الصحيح أنه خاص بالله جل وعلا، لا يجوز أن يتسمى المخلوق بالرحمن، على الصحيح من أقوال العلماء، أنه لا يجوز أن يتسمى المخلوق بالرحمن. فالرحمن لكثرة استعماله في الله صار علما له جل وعلا، مختصا به، قد دلت الأدلة على ذلك. فقال جل وعلا: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسولنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. فالرحمن من أسماء الله جل وعلا التي اختص بها نفسه في سائر رسالاته، وفي سائر شرعه. ولذلك لما تسمى مسيلمة الكذاب بالرحمن، أنكره كفار قريش كما سمعتم في الآيات: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، أي باسم الله الرحمن، زعموا أنهم لا يعلمون هذا الاسم، وكذبوا في ذلك، بل الرحمن مستعمل في لغة العرب، وقد استخدمه العرب في أشعارهم. وقد نقل ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره شيئا من ذلك في استعمال العرب لهذا الاسم، لكن تعنتا ومكابرة أنكروا اسم الله الرحمن، قالوا: ما نعلم إلا رحمن اليمامة، يعنون به مسيلا الكذاب. ومما يدل على عظم اسم الله الرحمن: أن الله جل وعلا أضاف عباده إليه إلى هذا الاسم: ﴿و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾. وهكذا ما يدل على عظيم هذا الاسم: أن الله جل وعلا جعله قرينا للرحيم في مواضع كثيرة، في البسملة، وفي فاتحة الكتاب. وهكذا كذلك كان جبريل عليه الصلاة والسلام كلما نزل بسورة على النبي عليه الصلاة والسلام، كان ينزل بهذه الآية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فينزل بها عند نزوله على النبي عليه الصلاة والسلام عند كل سورة، مما يدل على عظم هذه البسملة، قد تضمنت اسم الله جل وعلا الرحمن، واسم الله جل وعلا الرحيم. وهكذا كذلك ما يدل على عظم اسم الله الرحمن: أن الله جل وعلا حب الأسماء إليه عبد الله وعبد الرحمن، عبد الله وعبد الرحمن هي حب الأسماء إلى الله جل وعلا، مما يدل على عظيم هذا الاسم. كما أن اسم الله جل وعلا الله عظيم، كذلك اسمه جل وعلا الرحمن. ولذلك كان التعبيد لهذين الاسمين من أفضل الأسماء، وحب الأسماء إلى الله سبحانه وتعالى. وأما الرحيم فقد ورد في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿وكان بالمؤمنين رحيما﴾. وقرنا اسم الله جل وعلا الرحيم باسمه جل وعلا العزيز، كما في مواضع في سورة الشعراء، قال جل وعلا: ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾. فقرن بين اسمه جل وعلا العزيز والرحيم، لأن رحمته جل وعلا بحكمة وبعزة، ليست كغيره ممن ربما يرحم، لكن من غير عزة، وعن غير حكمة. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الرحيم باسمه سبحانه وتعالى الغفور، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الرحيم باسمه الرؤوف، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾. وقال جل وعلا: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الرحيم باسمه الودود. وهكذا قرن اسمه الرحيم باسمه جل وعلا التواب: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾. وقرن اسمه الرحيم جل وعلا باسمه الرب: ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾، كما في سورة يس. فالرحيم اسم الله الرحيم قرن بأسماء في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما ثبت في الدعاء العظيم الذي علمه النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-، كما في الصحيحين، حين طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه دعاء يدعو به. قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يدعو، يتوسل إلى الله جل وعلا بأدعية عظيمة. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام، كما عند النسائي، صاحب العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: اللهم إني أسألك بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». فذكر اسم الله الرحيم في مواضع كثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومعنى اسم الله الرحيم: أي الموصوف بالرحمة، كما قال ابن سعدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره، وفي شرحه باسم الله الرحيم، قال: أي الموصوف بالرحمة التي عمت الوجود، ومنها الخاصة التي جعلها لعباده المتقين. ورحمته وسعت كل شيء: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، وكان بالمؤمنين رحيما، فهذه رحمة خاصة. فالرحيم اسمه من أسماء الله جل وعلا دال على صفة الرحمة. واسم الله الرحيم من الأسماء التي تضمنت الوصف المتعدي. فالرحيم موصوف بالرحمة التي تعدت الغير، فهو سبحانه وتعالى الرحيم بعباده، جل وعلا الرحمة الخاصة والرحمة العامة. وجاء كذلك في كتاب الله جل وعلا: أن الله سمى نفسه، وصف نفسه بأنه أرحم الراحمين، وبأنه كذلك خير الراحمين. قال جل وعلا، كما في سورة يوسف: ﴿فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين﴾. وقال جل وعلا في موضع آخر، وصف نفسه بأنه خير الراحمين: ﴿قل ربي اغفر ورحم وأنت خير الراحمين﴾. وغتران اسم الله جل وعلا الرحمن بالرحيم في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، كما سمعتم في سورة الفاتحة، وفي البسملة، وهكذا في البقرة، وفي مواضع كثيرة، قرن اسمه الرحمن باسمه جل وعلا الرحيم. وكما قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وجاء في بعض الأدعية المأثورة التي صححها بعض العلماء: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول: «اللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما». فدل هذا على اتصاف الرب جل وعلا بصفة الرحمة التي منها الرحمة التي وسعت كل شيء، ومنها كذلك الرحمة الخاصة. فالرحمة على نوعين: رحمة خاصة، ورحمة عامة. الرحمة العامة هي التي قرنت بالعلم: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلم﴾، أي: كما أن علمه وسع كل شيء، فكل ما وصل إليه علمه سبحانه وتعالى، وهو علم كل شيء، فهذا رحمته وصلت كل شيء، وسعت كل شيء. كما قال سبحانه: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، رحم الناس، رحمة عامة، رحم البهائم، ورحم الجماد، ورحم كل مخلوقاته، فما من مخلوق لله جل وعلا إلا وهو مرحوم، رحمه الله سبحانه وتعالى، حتى الكافر رحمه الله جل وعلا بالهداية العامة، لما تقوم به مصالح دينه، لما تقوم به مصالح دنياه. وهكذا رحم جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى رحمة عامة، لكن الرحمة الخاصة فهي التي جعلها لعباده المتقين، كما قال جل وعلا: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾، وهي كذلك للمحسنين: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾. والرحمة الخاصة للمحسنين، للمتقين، للذين يفون بفرائض الله جل وعلا، فهي الرحمة التي تقتضي التوفيق للصواب، التوفيق للإسلام، الهداية لهذا الدين العظيم، كذلك الحفظ الخاص، والنصرة والتأييد، والحفظ الخاص، والكلاءة، وغير ذلك من معاني الرحمة الخاصة التي اختص الله جل وعلا بها عباده المتقين، المحسنين، المتمسكين بكتابه جل وعلا، المطيعين له سبحانه وتعالى، ولرسوله عليه الصلاة والسلام. وإذا تأملتم في كتاب الله جل وعلا، تجدون الله سبحانه وتعالى جعل الرحمة الخاصة إنما هي لعباده المتقين، ولعباده المحسنين، المقيمين للصلاة، للزكاة، إلى آخر ذلك، مما يدل على أن هذه رحمة خاصة، هذه الرحمة خاصة، غير تلك الرحمة العامة التي جعلها لسائر مخلوقاته. وأيضا الله سبحانه وتعالى له مئة رحمة، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، في الحديث المتفق عليه، «إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة، يتراحم بها الخلق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن تطأه». يتراحم بها الناس، ويتعاطفون بها الناس، أنزلها الله جل وعلا، وأجل تسعة وتسعين رحمة إلى يوم القيامة، يرحم بها عباده سبحانه وتعالى. وهذه ستكون لعباد الله جل وعلا المتقين، المحسنين خاصة، كما أن لهم الرحمة الخاصة في الدنيا. فهكذا لهم هذه الرحمة الخاصة يوم القيامة، لكن في الدنيا تكون من الكافر لابنه، يرحمه، وتكون من الوحوش لأبنائها، فترحمهم، وهكذا، لكن الخاصة هي التي أثنى الله جل وعلا على عباده، وهي التي فيها النعيم العظيم من الله سبحانه وتعالى، الدال على رضاه جل وعلا، ومحبته سبحانه وتعالى لهؤلاء. والرحمة كذلك لها آثار عظيمة، الرحمة لها آثار عظيمة في ملكوت الله جل وعلا. فأيضا من الرحمة ما هي مخلوقة، رحمة مخلوقة، خلقها الله سبحانه وتعالى. وهذه الرحمة هي المشاهدة في ملكوت الله جل وعلا. فهذه الرحمة التي نراها من المرأة لولدها، لا تلقيه في النار، فهذا أثر من آثار رحمة الله جل وعلا، رحمة من هذه الأم بولدها، كما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «لما رأى امرأة قد أخذت ابنا لها من السبي، وأخذته وأرضعته، قال لهم عليه الصلاة والسلام: هل ترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله، وليس تقدر على ذلك، قال: لا، الله أرحم بعباده من هذه بولدها». والمعنى: أن هذه الرحمة الصادرة من هذه المرأة لولدها، إنما ذلك من آثار رحمة الله جل وعلا في ملكوته، بأن أسماء الله جل وعلا، وصفات الرب جل وعلا لها آثار في ملكوته سبحانه وتعالى. وهذا تفصيل في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه»، أي: كأنك تشاهده. والمعنى: أن تشاهد آثار أسمائه وصفاته جل وعلا في ملكوته. فلأسماء الله وصفاته آثار. وكما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته: «وهو الجميل حقا، وكيف لا؟ والسائر جمال هذه الأكوان، وجمال سائر هذه الأكوان من بعض آثار الجميل، فربه أولى وأجدر عند ذي العرفان». فالرحمة لها آثار، وذلك قال جل وعلا: ﴿أفلا ينظرون إلى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء﴾، ﴿أفلا ينظرون إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾. فالرحيم الموصوف بالرحمة، والرحمة لها آثار في ملكوت الله سبحانه وتعالى، كل ما تشاهدون في ملكوت الله من رحمة صادر من المخلوقات، إنما هي من آثار رحمة الله جل وعلا، من آثار رحمة الله جل وعلا على عباده. والرحمن الرحيم من أسماء الله جل وعلا العظيمة التي لها مغتباطات عظيمة، ثم يقتضي الإيمان باسم الله جل وعلا الرحمن الرحيم: أن لا ييئس العبد من رحمة الرحمن الرحيم، وذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم، على لسان ملائكته، يقول لخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قالوا من ييئس من رحمة ربه إلا الضالون﴾. فآمن يا عبد الله بأن الله الرحمن الرحيم، فلا تكن من ييئس من رحمة الله جل وعلا، مهما بلغت ذنوبك، ومهما كبرت، ومهما جعلك الشيطان تتعاظمها، فذلك طيب، لكن لا يكون ذلك التعاظم على حساب عدم الرجوع السريع إلى الله جل وعلا، والتوبة والإنابة، والوقوع في القنوط، والعياذ بالله. وهكذا كما لا تأمن مكر الله، لا تأمن مكر الله جل وعلا. وهكذا كذلك المقتضيات عظيمة لإسم الله الرحمن الرحيم، منها التعرض لأسباب نيل رحمة الرحمن الرحيم، وهي كثيرة، كما سمعتم: التمسك بالقرآن، التمسك بالسنة، طاعة الرب جل وعلا والرسول عليه الصلاة والسلام، إقامة الفرائض، أداء الشعائر. وأعظم ذلك التراحم، فالراحمون يرحمهم الرحمن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن». فالذين رحموا عباد الله، انتصفوا بصفات الله جل وعلا، ولذلك قال جل وعلا: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾، بعد ذكر الصفات التي أثنى بها عليهم. فنسأل الله الرحمن الرحيم برحمته أن يرحمنا، وأن يرحم كذلك عباده في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن ينال رحمته سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، إنه الرحمن الرحيم. صلى الله عليه وسلم، مبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.