الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 78، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اسم الله المنان يعني الكثير العطاء والإحسان، ويدل على منة الله العظيمة على عباده في الخلق والرزق وغيرها. الإيمان بهذا الاسم يحث على شكر الله تعالى.
الله تعالى يعدد مننه على عباده، منها بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتمكين المؤمنين في الأرض. يجب على العبد شكر ربه على هذه النعم.
يجب على المسلم ألا يمن على الناس بفعل الخير لأن المنة لله وحده، والإيمان باسم الله المنان يحث على الإنفاق في سبيل الخير. المنة على الناس تبطل الأعمال وتسبب عذابًا أليمًا.
المقطع ينتهي بدعاء الله بمنحه الخير والاستجابة للدعاء، ثم الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. هذا الختام يعبر عن تعلق القلب برحمة الله وهدي نبيه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. ما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا المنان. فالمنان من أسماء الله الحسنى، ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء عند أصحاب السنن، وهكذا عند أحمد في المسند، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يقول: "اللهم إني أسألك بأنك أنت لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، أسألك الجنة وأعوذ بك من النار". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". ففي هذا الحديث اسم الله جل وعلا المنان. وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله وغيره من أهل العلم، ففيه إثبات اسم المنان من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى المنان، أي الكثير المن، بمعنى الكثير العطاء. فالمنان صيغة مبالغة تطلق على كثير المن، كثير العطاء. فالله جل وعلا هو المنان، أي كثير المن، أي كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، يدر نعمًا على العباد، يبدأ بالنوال قبل السؤال، وله المنة على عباده، ولا منة لأحد من عباده عليه، تعالى الله علوًا كبيرًا. هكذا ذكر طائفة من العلماء معنى اسم الله جل وعلا المنان: كثير المن، أي كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، الذي يدر نعمًا على عباده، ويبدأ بالنوال قبل السؤال، وله المنة على عباده، ولا منة لأحد من عباده عليه، تعالى الله علوًا كبيرًا. والمنان جل وعلا له المنة العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، فمننه كثيرة: الخلق، والرزق، والإحياء، والصحة، وسائر المنن، وسائر النعم، إنما هي من المنان جل وعلا. منها المنة العامة التي جعلها المنان جل وعلا لسائر خلقه، فما من مخلوق إلا ولله جل وعلا عليه المنة، لأن الخلق خلقهم الله جل وعلا، والخلق من منن المنان جل وعلا، فالمنة لله جل وعلا على عباده أجمعين. وأما المنن الخاصة، فالمنان جل وعلا جعلها لمن شاء من عباده، ولذلك امتن بهذه النعمة، وبهذا المن، وبهذا العطاء على عباده وعلى أنبيائه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾، قال لموسى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم، يمتن بمننه على عباده. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. فامتن الله جل وعلا على عباده بما امتن به عليهم سبحانه وتعالى المنان. وهكذا أيضًا من أعظم منن المنان جل وعلا على عباده أن امتن عليهم ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام من أعظم منن المنان جل وعلا، وذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فبعثة الرسول عليه الصلاة والسلام محمد من عظيم منن المنان جل وعلا؛ لأنه أخرج جل وعلا به الناس من ظلمات إلى نور، وبين لهم الهدى والطريق الموصلة إلى الجنة، وما من خير إلا دلهم عليه، وما من شر إلا حذرهم منه، كما فعل ذلك الأنبياء السابقون. فالأنبياء وإرسال الأنبياء من عظيم منن المنان جل وعلا على عباده. وهكذا أيضًا من عظيم منن المنان سبحانه وتعالى على عباده الإسلام والإيمان، فأعظم منن المنان جل وعلا أن هداك يا عبد الله، وامتن عليك بهذا الدين العظيم الذي رضيه جل وعلا. ولذلك امتن الله جل وعلا على عباده بهذه النعمة، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فالهداية للإسلام والهداية للإيمان هذا من أعظم منن المنان جل وعلا، وذلك امتن الله جل وعلا بذلك على عباده. وهكذا امتن على عباد المؤمنين حيث مكنهم في هذه الأرض، كانوا مستضعفين فمكنهم في هذه الأرض، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. فهؤلاء الذين استضعفوا في الأرض امتن الله جل وعلا عليهم بعد ما كانوا مستضعفين، فجعلهم أئمة وجعلهم الوارثين. فذكر ربنا المنان جل وعلا ذلك في سياق امتنانه على عباده المستضعفين حيث وفقهم وحيث مكنهم بعد ذلك الاستضعاف. وهكذا من المنن كثيرة، فمن قرأ في كتاب الله جل وعلا وجد المنن والنعم الكثيرة التي أنعم بها المنان جل وعلا على عباده. فمن مقتضى إيمان العبد بالله جل وعلا المنان، وثمار الإيمان باسم الله جل وعلا المنان، أن يشكر العبد ربه المنان جل وعلا على ما من به سبحانه وتعالى، فما من لحظة إلا وأنت تتقلب في نعم وفي منن امتن الله جل وعلا بها عليك، فذلك يوجب الشكر عليه أن تشكر ربك المنان سبحانه وتعالى. وهكذا من مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه المنان أن لا تمن على أحد، لأن المنة إنما هي للمنان جل وعلا وحده لا شريك له. فإذا صنعت معروفًا لأحد الناس فلا تمن عليه، ولا تجعل نفسك منة عليه؛ لأن المنة إنما هي للمنان سبحانه وتعالى، وذلك كما قال جل وعلا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فهؤلاء الأقوام منوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنهم آمنوا وأنهم أسلموا، فالله جل وعلا رد عليهم بأن لا يمنوا بإسلامهم على أحد؛ لأن المنة إنما هي للمنان جل وعلا، فهو الذي له المنة على عباده، وليس لأحد من عباده المنة عليه جل وعلا. بل المنة والمن سبب لبطلان الأعمال، فكم من الناس من عمل أعمالًا ومعها ذهبت عليه بمن والأذى، والعياذ بالله. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم محذرًا من المن على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. فالذي يمتن على الناس هذا يذهب بأجور أعماله، لا ينتفع منها. بل النبي عليه الصلاة والسلام توعد المنان لوعيد عظيم، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام كما جاء في مسلم في حديث أبي ذر، قال عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم". فقال أبو ذر: "خابوا وخسروا يا رسول الله، من هؤلاء؟" قال النبي عليه الصلاة والسلام: "المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب". فإذن المنان متوعد بهذا الوعيد العظيم، بهذا الوعيد الشديد، بأن الله لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه، وله عذاب أليم. ففيه الحذر من المن؛ لأن المنة إنما هي للمنان سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. ومن مقتضيات وثمار الإيمان باسم الله جل وعلا المنان أن ينفق العبد بما أنعم عليه المنان، بما أعطاه المنان في وجه الخير، في أبواب الخير كلها، كل ذلك من ثمار الإيمان باسم الله جل وعلا المنان. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكر الصحابة بنعمة الإسلام والهداية في الصحيحين، بحيث عبد الله بن زيد لما وجد الأنصار في أنفسهم شيئًا، فقال لهم من السلام: "ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟ كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن، الله ورسوله أمن". فنسبوا المنة لله جل وعلا. وهذا أيضًا شأن الله جل وعلا على أهل الجنة حين دخلوا الجنة واستشعروا هذه النعمة العظيمة، كما قال جل وعلا على لسانهم في كتابه الكريم: ﴿كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾. فعليك أن تستشعر هذه النعم دائمًا وأبدًا وتستحضرها وتستحضر منة المنان. نسأل الله جل وعلا المنان الحي القيوم، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب، أن ينعم علينا وأن يمن علينا بكل خير. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.