الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 4، الدرس الرابع:من( فصل:طلب العلم فريضة ... فبان بما ذكرنا أن المراد بطلب العلم الذي هو فرض عين:ما يتعين وجوبه على الشخص ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
طلب العلم فريضة على كل مسلم ويشمل علم معاملة العبد لربه ومعرفة الحلال والحرام. العلم ثلاثة أقسام: اعتقاد وفعل وترك.
يجب تعليم الأطفال الواجبات والفرائض بحسب أعمارهم، مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج. التعليم يجب أن يكون بحسب استطاعة الطفل.
فرض العين يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والمجتمعات، ويجب تعلم ما يحتاجه المسلم من الأحكام بحسب حاجته وبيئته. يجب على أهل العلم تبليغ ما يحتاجونه المسلمون.
يجب أداء أوامر الدين على وجه التدرج وبحسب استطاعة كل فرد. يختلف أداء الأوامر باختلاف الأفراد والبلدان.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ أحمد المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر منهاج القاصدين»: قال غزالي، طلب العلم فريضة. قال: قد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». رواه أحمد في العلل، وهذا الحديث إسناده ضعيف، لكن معناه صحيح، وله رواية أخرى صحيحة أو حسنة، بما رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عباس: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وحسنه العلامة الألباني في «الصحيح الجامع». قال: قال المصنف رحمه الله تعالى: اختلف الناس في ذلك، فقال الفقهاء: هو علم الفقه، إذ به يعرف الحلال والحرام. وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة، إذ به ما يتوصل إلى العلوم كلها. وقالت الصوفية: هو علم الإخلاص وآفات النفوس. وقال المتكلمون: هو علم الكلام، إلى غير ذلك من الأقوال التي ليس فيها قول مرضي. والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه. هذه توطئة للإشارة إلى هذا العلم الذي هو فريضة إذا صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة». فما هو هذا العلم الذي هو فريضة؟ والسؤال الثاني: هل المراد بقوله «كل مسلم» أي ذكر أو جنس المسلم؟ أما الجواب على السؤال الأول، فهو ما ذكره بعد، الخلافة الذي أشار إليه بأن المراد بطلب العلم هو علم معاملة العبد لربه، فيشمل ذلك العلم بمعناه الذي هو مدارسة المسائل والدلائل، أي من الكتاب والسنة ومسائلها التي تقع للناس، سواء في العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو الأخلاق والسلوك والآداب وغير ذلك. ويشمل كذلك تطبيق هذه المعلومات على الوجه الأكمل والأحسن الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، وتكون به النتائج الطيبة في الدنيا وفي الآخرة. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ هذا هو خلاصة العلم والعمل. وأما ما ذكره من أنه قال: الفقهاء كذا، وقال المفسرون والمحدثون كذا، بعض هذه الأقوال صحيحة، لكنه تفسير لبعض المعنى. فعلم الحلال والحرام صحيح، هو من العلم الذي هو الفريضة، معرفة الحلال من الحرام هذا من العلم، لكن ليس هو كل العلم. كذلك علم الكتاب والسنة، إذ به ما يتوصل إلى العلوم كلها، إذا أريد بالكتاب والسنة الدلائل التي فيها والمسائل التي ذكرت، فهذا كذلك بعض العلم. لأن المقصود هو ما في الكتاب والسنة لفظا ومعنا، والمعنى الذي في الكتاب والسنة هو ما هو أوسع من المذكور فيهما. لأن المذكور فيهما هو أدلة ومسائل تراد وتقصد، ويقصد كذلك ما كان بمعناها مما تقام به عبودية الرب سبحانه وتعالى على الوجه الأكمل، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وآدابا وسلوكا وغير ذلك. وبعضها قول باطل كقول الصوفية والمتكلمة، وهذا أمر ظاهر. ثم قال رحمه الله: قال: والمعاملة التي كلفها أي العبد على ثلاثة أقسام: اعتقاد وفعل وترك. فإذا بلغ الصبي، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها، وإن لم يحصل ذلك بالنظر والدليل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى من أجلاف العرب بالتصديق من غير تعلم دليل، فذلك فرض الوقت. ثم يجب عليه النظر والاستدلال. والصحيح أنه لا حاجة للنظر ولا الاستدلال، بل هذا كلام المتكلمين. لكن يعلم فرائض الدين بحسب ما يتيسر. فإن كان لا يعقل الأمر، فإنه يعلم النهي، أي عدم واقعة الحرام، فهذا يعلمه ولو كان دون سبع سنين. والدليل على ذلك أن الصغير ولو كان أقل من سبع سنين يعلم أن يجتنب الحرام. ما جاء في الصحيح في حديث أنس في قصة التمر التي هي من الصدقة، وأراد الحسن أن يأكل منها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كخن كخن، ألم تعلم أو قال: ألم تشعر أن لا تحل لنا الصدقة؟» قال العلماء: في هذا دليل على أن الصبي ولو كان صغيرا دون سبع سنوات، لأنه هذه الكلمة «كخن كخن» تقال في الغالب للصغير، أنه يعلم الكف عن الحرام ولو كان صغيرا. فلا يجوز أن يقر على فعل الحرام، ما أنه لا يجب أن يعلم الواجب والفرض في هذا السن، لأنه لا يميز. ما تأتي تعلم الصلاة من لا يميز، بل الصلاة تعلم من سن سبع سنوات كما سيأتي. لكن تعليمه لابتعاد عن الحرام: شرب المسكرات، تناول المحرمات، كذلك فعل القبائح، هذا يعلم ولو كان صغيرا، يجنب ذلك بالأسلوب المناسب، الكلمة الطيبة والفعل الحكيم الذي به توصل إلى المقصود. وأما تعلم الفرائض والواجبات، فإنه يكون من سبع سنوات، ويضرب عليها من سن عشر سنوات. والدليل ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». فقوله: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع»، لماذا؟ لأن السبع سن التمييز غالبا، فهو يعقل ما يؤمر. وانظر إلى هذا الشرع الذي إذا تأملته وجدت فيه الإتقان والإحكام، إن دل على شيء دل أنه من عند الله العزيز الحكيم. فهو لما كان يعقل أمر بحسب ما يعقل، يعلم الواجبات، ليس الصلاة فقط، بل الصلاة وما تيسر من الأحكام، يعلم الواجبات بما يتيسر على وجه التعليم. وأما إذا بلغ سن عشر سنوات، فإنه يضرب عليها. قال العلماء: والحكم من ذلك أنه يتعود هذه الفرائض حتى تكون له خلقا، تصير مثل الخلق. الطفل إذا عودته الصلاة من الصغر يتعلق قلبه بالصلاة، وهكذا إذا علمته الواجبات يتعلق قلبه بها، فتجده ربما يستيقظ لأنه ما صلى العشاء أو ما صلى الفجر، قلبه متعلق بالصلاة، بخلاف إذا تأخرت في أمره، ربما يشعر بالسآمة والضجر لأنه تعود الكسل وتعود عدم القيام بهذا الواجب. ولهذا كذلك من حكمة الله أن أمر وأوحى نبيه أن يعلم الناس عليه الصلاة والسلام أن يضربوا أولادهم لعشر، والمراد بالضرب: ضرب التعليم، المراد بالضرب: ضرب التعليم، فيعلمه أبنائهم في هذه السن، ويضربوهم في هذا السن لماذا؟ قال العلماء: حتى لا يأتي سن البلوغ، طيب حتى لا يأتي سن البلوغ إلا وقد ولغ إلى السن، لا يأتي سن البلوغ إلا وقد حصل له الامتثال لهذه الفريضة. فإذا كان كذلك، فإذا ينبغي أن يحرص على هذا الواجب، وتعليم الصغار الفرائض. وهكذا كذلك في قوله: «فرقوا بينهم في المضاجع»، معناه أنه ينبغي أن ينتبه الآباء وأولياء الأمور من مسألة التفريق بين الصغار في سن العاشرة. وهذا يلفت الانتباه إلى مسائل هي بمعناها مما ينبغي أن يحذر من أمر الشر الذي قد يقع بين الصبيان مع سن البلوغ أو قبله. التفريق بين المضاجع إشارة إلى هذا المعنى. فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا السن سن الفضول، ما قبل البلوغ وما بعد البلوغ، ومع البلوغ سن الفضول، فإن بغي أن يحذر ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: فإذا بلغ الصبي، فأول واجب عليه تعلمه. طيب هذا قرأنا. قال: فإذا جاء وقت الصلاة وجب عليه تعلم الطهارة والصلاة، فإذا عاش إلى رمضان وجب عليه تعلم الصوم، فإذا كان له مال وحال عليه الحول وجب عليه تعلم الزكاة، وإن جاء وقت الحج وهو مستطيع وجب عليه تعلم المناسك. يعني وهكذا كل ما جاء وقت ومناسبة فريضة من الفرائض وواجد من الواجبات يعلم بحسب الاستطاعة. ﴿مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قال: قال: وأما التروق، فهو بحسب ما يتجدد من الأحوال، إذ لا يجب على الأعمى تعلم ما يحرم النظر إليه، ولا على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام. وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ليس على إطلاقه. إنما قد يقدم شيء على شيء، ولكن ليس معناه أننا نلغي تعليم الأعمى أحكام النظر، لا، ما نلغي، لأن هذا من الدين الذي ينبغي أن يتعلمه ولو كان لا ينظر، لو لم يكن إلا أن ينصح غيره: من أبنائه، من زوجته، من أصدقائه، يكون عنده علم بما يجوز وما لا يجوز، وما يجب وما يحرم، ليس يكون جاهل في هذا الباب، لا بد أن يعرف مثل هذه الأحكام. لأن العلم ليس لأجل أن ينتفع به لنفسه، لنفسه ولغيره، وهو غدا سيكون أب، وغدا سيكون زوج، وغدا سيكون كذلك مسلم من المسلمين، له أصدقاء وله جيران وله رفقاء وله كذلك زملاء، كل هؤلاء له عليهم حق ولهم كذلك أو عليهم له حق. قال: فإن كان في بلد يتعاطى فيه شرب الخمر ولبس الحرير وجب عليه أن يعرف تحريم ذلك. ليس هذا فحسب، لكن يقال: يجب هذا على وجه التأكيد، وإلا فمعرفة الحلال من الحرام عموما هو يجب أصلا. المسلم لابد أن يعرف ما هو الحلال وما هو الحرام، وما يجب وما لا يجب. لكن إذا ابتلي مجتمع بشيء، كان التنبه لأحكام ذاك الشيء أكثر. ولهذا أدلة كثيرة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر لأهل المدينة أحكام الزروع، ما لم يذكر لأهل مكة، لماذا؟ لأن أهل المدينة أهل زرع. وهكذا كذلك أشياء أخرى نحوها. لكن ليس معناه أن غيرهم لا يتعلمون، لا، المسلم يحتاج إلى معرفة الأحكام، لكن بحسب حاجته. قالوا: أما الاعتقادات، فيجب علمها بحسب الخواطر. فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة، وجب عليه تعلم ما يصل به إلى إزالة الشك. بل قبل ذلك يجب عليه أن يتعلم التوحيد، ليس فقط أن يعرف «لا إله إلا الله» ومعناها، بل يعرف واجباتها وشروطها ومقتضياتها، وما تستلزم هذه الكلمة من التطبيق العملي للتوحيد. فيدرس مثلا الأصول الثلاثة والقواعد الأربع، «كتاب التوحيد» ونحوها من الكتب بما يتيسر. قال: وإن كان في بلد قد كثرت فيه البدع، وجب عليه أن يتلقن الحق، كما لو كان تاجر في بلد شاع فيه الربا، وجب عليه أن يتعلم الحذر منه. وهذا يقال: أنه يتأكد الحذر من البدع بحسبها. مثلا هو في بلد بدعة القبور والافتتان بها والشرك موجود في ذاك البلد، إذن عليه أن يكثر من تعلم مسائل توحيد الألوهية. أو بدعة مثلا الضلال في باب الأسماء والصفات، إذن يكثر من دراسة مسائل الأسماء والصفات وهكذا. قال: وينبغي أن يتعلم الإيمان بالبعث والجنة والنار. وهذا كذلك لأنه أولا يورثه الخشية والمراقبة والخوف من الله سبحانه وتعالى، وهو من أصول الإيمان التي يجب الإيمان بها: الإيمان باليوم الآخر. ولأن ذلك كذلك من عقيدة المسلم التي ينبغي أن يعتقدها إجمالا وتفصيلا على ما وردت بها دلة الكتاب والسنة. وطبعا هذا ما يحصل بمجلس واحد، لكن بالتدرج يبدأ بالأهم فالأهم. وأهل العلم هم الذين يدرجون طالب العلم إلى ما يجب وإلى ما يستحب. وهل هذا لكل مسلم؟ الجواب: نعم، لكل مسلم. فإن كان المسلمون لا ينصاعون ولا كذلك يرغبون في مجالس العلم، فيجب على من حمله الله أمانة العلم أن يبلغ المسلمين في مواضع حضورهم الواجبة، مثل خطب الجمعة. فخطب الجمعة تعلم الناس هذه المسائل الأهم فالأهم، يكون في الخطب نصيب من باب العقيدة، ونصيب من باب العبادات، ونصيب من باب المعاملات، ونصيب من باب الأخلاق والآداب والحقوق التي للخلق: افتاء بالوالدين والأبناء والزوجات وهكذا إلى ما لنهاية من الحقوق. وهكذا كل شيء بحسبه. قال: فبان بما ذكرنا أن المراد بطلب العلم الذي هو فرض عين ما يتعين مجوبه على الشخص. يعني بما سبق تبين ما هو هذا الذي يجب على الشخص، يختلف عند الصغير وعند الكبير، ومن بلد إلى آخر، المهم أنه يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه من أمر هذا الدين على وجه التدرج. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.