الدرس في شرح القصيدة الهائية 7، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يوم القيامة يوم عظيم تدهل فيه الخلائق وتتوافى فيه الأنفس بما كسبت، وتحدث فيه تغيرات كونية مذهلة وتظهر الأعمال وتوزن الموازين.
في يوم القيامة يقوم الناس لرب العالمين، ويبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، ويجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ويحاسب كل فرد على أعماله.
في يوم القيامة يقيم الله العدل على عباده، فيحاسب كل فرد على أعماله، ويجزى بالحسنات والسيئات، ويكون الحساب بوزن الأعمال.
يُدعى الله بالسلامة من شدائد يوم القيامة والفوز بالجنة، ويطلب من الله أن يجعلنا من عباده المتقين، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى في منظومته وقصيدته الهائية: قال ويوم توفى كل نفس بكسبها تود فداء لو بنيها ومالها وتأخذ إما باليمين كتابها إذا أحسنت أو ضد ذا بشمالها ويبدو لديها ما أسرة أعلنت وما قدمت من قولها وفعالها. قال الشارح زيد المدخل حفظه الله تعالى: يشير الناظم رحمه الله تعالى بقوله «ويوم توفى كل نفس بكسبها» إلى آخره إلى يوم القيامة الذي تكرر ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ذلك اليوم الذي ترجع فيه الخلائق إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. ذلك اليوم الذي ستكون فيه الأهوال المزعجة والشدائد المذهلة والكروب العظام البالغة، يوم عظيم تدهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. يوم يعض فيه الظالم على يديه ويقول: «يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا»، يوم تنفطر فيه السماء وتكور الشمس وتنكدر النجوم وتسير الجبال وتحشر الوحوش وتسجر البحار، أو تسجر البحار. يوم يصدر فيه الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يرى. يوم يحشر فيه المتقون إلى الرحمن وفدًا، ويساق المجرمون إلى جهنم وردًا، لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا. يوم تنسف فيه الجبال نسفًا فتكون قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا. يوم يحشر فيه المعرض عن الذكر أعمى فيقول: «رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا»، قال: «كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى»، يوم عصيب تنصب فيه الموازين لوزن الأعمال والعاملين. قال تعالى: ﴿وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنا حَاسِبِينَ﴾. يوم عسير على الكافرين غير يسير، يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. يوم لا يجزى فيه والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا. يوم عظيم يقوم الناس فيه لرب العالمين، يوم لا تقبل فيه الفدية ممن يريد أن يفتدي. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. يوم فيه يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد حفاة عراة غرلة، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، أبصارهم شاخصة إلى السماء، قد دنت الشمس من رؤوسهم قدر ميل أو ميلين، وألجمهم العرق والشدة بهم الكرب. فأخذ كتابه بيمينه إلى الجنة، وأخذ كتابه بشماله إلى النار وبئس القرار. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. قال الناظم رحمه الله: بأيدي الكرام الكاتبين مصطر فلم يغني عنها عذرها وجدالها. قال الشارح حفظه الله: المعنى أن الله تبارك وتعالى قد وكل بالعباد ملائكة كرامًا كاتبين يعلمون ما يفعلون، مهمتهم كتابة الحسنات والسيئات. ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات ما يتعلق بحال الناس يوم القيامة، وأن الناس يوم القيامة في ذلك اليوم العظيم الشديد الأهوال الذي فيه تدهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها. في ذلك اليوم توفى كل نفس ما كسبت في هذه الدنيا، فإن كسبت خيرًا جوزيت يوم القيامة بالخير وبالثواب من الله سبحانه وتعالى، وإن كسبت شرًا والعياذ بالله فلا تلوم إلا نفسها. فالجزاء من جنس العمل، في ذلك اليوم تود كل نفس أن تفتدي ولو ببنيها ولو بمالها ولو بما في الأرض كلها حتى تنجو من عذاب الله جل وعلا. الناس يوم القيامة على صنفين: آخذ كتابه بيمينه وهم أهل اليمين الذين كانوا في هذه الدنيا على الصراط المستقيم، وكانوا من المسارعين وكانوا من السباقين إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. وصنف آخر آخذوا كتابهم بشمالهم، هم أصحاب الشمال والعياذ بالله الذين كانوا في هذه الدنيا على إعراض وعلى بعد عن ذكر الله وأداء فرائض الله جل وعلا. فكان الأمر كما حصل منهم في الدنيا أن الله جل وعلا يوم القيامة يجعلهم على هذا الحال وعلى هذا الوضع المزري والوضع المخزي الأخذ بالشمال، العياذ بالله من وراء الظهر حسرة وندامة. الله جل وعلا يقيم العدل في ذلك اليوم على عباده، ينظر كل أحد ما قدم في هذه الحياة الدنيا، فتوضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة، يعلم الله جل وعلا ما ظلمه شيئًا. في ذلك اليوم يحشر الناس حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟» قال: «يا عائشة الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك». الشمس قد دنت من الخلائق قدر ميل أو ميلين، وهكذا العرق لجمهم إلجامًا، منهم من يصل العرق إلى ركبتيه ومنهم إلى حقويه ومنهم إلى ترقوته. في ذلك اليوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، فالصدور السليمة ينفعها سلامة صدورها في ذلك اليوم، والصدور المريضة بالاعتقادات الفاسدة والشركية وهكذا بالحقد والضغائن وغير ذلك من الآثام فإنها قد جنت على نفسها أعظم جناية. فالعبد يعمل لهذا اليوم العظيم الذي يقبل فيه على رب العالمين سبحانه وتعالى، فيمر على الصراط مرورًا سريعًا، وهكذا يشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم. ويحرص حرصًا شديدًا على اقتنام الأعمال الصالحات حتى يكون ذلك في صحائف حسناته، فيفرح يوم القيامة يوم يرفع كتابه بيمينه ويقول: «هاؤم اقرءوا كتابيه». فالله الله في العمل لذلك اليوم العظيم حتى ينجو الإنسان من أهواله، حتى يكون من السعداء، فلا ينفع الجدال يوم القيامة، لا تظن عبد الله أنك تجادل رب العالمين يوم القيامة. والله لو كنت من أفصح الخلق لو كنت من أفصح الخلق لا ينفعك جدالك ولا فصاحتك، وإنما هي الأعمال إنما هي الحسنات والسيئات، فاحذروا من الظلم عباد الله من أموال الناس ومن أعراض الناس. فيوم القيامة إنما هي الحسنات والسيئات لا دينار ولا درهم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فالعمل العمل لذلك اليوم، والجد الجد ما دمنا في دار العمل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلمنا من شدائد وأهوال ذلك اليوم، ويجعلنا من عباده المتقين الذين يحشرهم الله جل وعلا وفدًا، ويجعلنا من عباده الذين أعطاهم صحف أعمالهم بيمينهم. صلى الله وسلم مباركًا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.