شرح القصيدة الهائية 8

الدرس في شرح القصيدة الهائية 8، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

وصف نعيم الجنة لأهل السعادة

يصف الناظم نعيم الجنة لأهل السعادة والتقى مستشهدا بالآيات والأحاديث. يتمتع أهل الجنة بنعيم عظيم ويكونون على سرر متقابلين.

رؤية الله تعالى في الجنة

أعظم نعيم في الجنة هو رؤية الله تعالى كما ورد في الحديث القدسي والنصوص القرآنية. يجب على المسلم الاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح.

الدعاء بالنظر إلى وجه الله

المقطع يتضمن دعاءً بالتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة. يختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الناظم حافظ الحكم رحمه الله تعالى في قصيدته الهائية: هناك تدري ربحها وخسارها، وإذاك تلقى ما إليه مآلها. فإن تك من أهل السعادة والتقى، فإن لها الحسن بحسن فعالها. تفوز بجنات النعيم وحورها، وتحبر في روضاتها وظلالها. وترزق مما تشتهي من نعيمها، وتشرب من تسنيمها وزلالها. وأن لهم يوم المزيد لموعدا، زيادة زلفا غيرهم لا ينالها. وجوه إلى وجه الإله نواضر، لقد طال ما بالدمع كان ابتلالها. تجلى لها الرب الرحيم مسلما، فيزداد من ذاك التجلي جمالها. لمقعد صدق حبذ الجار ربهم، ودار خلود لم يخافوا زوالها. فواكهها مما تلد عيونهم، وتطرد الأنهار بين خلالها. على سرر مغضونة، ثم فرشهم كما قال فيها ربنا واصفا لها: بطائنها استبرق، كيف ظنكم ظواهرها؟ لا منتهى لجمالها. قال الشارح زيد المدخل حفظه الله تعالى: هذه الأبيات كما يرى القارئ أن بعضها مرتبط ببعض من حيث الدلالة على المعنى، وما لشك فيه عند كل مسلم أن العبد سيتضح له يوم القيامة مآله، وينكشف عنه غطاؤه، وتبرز أمامه أقواله وأفعاله. فإن كان من أهل السعادة والتقى، أي أنه قد سلك طريق النجاة بفعل الطاعات وترك السيئات، فإنه ينال رضا ربه والجنات، كما قال تبارك وتعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه﴾، قوله تعالى: ﴿ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾، وقوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره للجسرى﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. ثم ذكر الناظم رحمه الله تعالى ما أعده الله لعباده المتقين من النعيم المقيم والفوز العظيم بقوله: تفوز بجنات النعيم وحورها، إلى آخر الأبيات في هذا المعنى. والذي أملاه الناظم في هذا المعنى قد دلت عليه آيات قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية صحيحة. وسأذكر نموذجا من تلك الآيات والأحاديث. قال تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوه متشابهة ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾، وقال تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا﴾، وقال تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾. قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعمة ثوابا وحسنة مقرا﴾، وقال تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وما هم فيها بخالدين﴾، وقال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير﴾. وقال تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون﴾، وقال تعالى: ﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهم بيض مكنون﴾، وقال تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾. قال تعالى: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم﴾، وقال: ﴿ألا إن عبادي لا خوف عليهم اليوم ولا هم يحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾، وقال تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم﴾. وقال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، وقال تعالى: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين﴾، وقال تبارك وتعالى: ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾، وقال تعالى: ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحل أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا﴾. قال تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر الله فيها وصف الجنات المهيئات لمن بذل جهوده في فعل الخيرات وعمل الصالحات. وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال عليه الصلاة والسلام: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك كثير. ثم ذكر النظم رحمه الله تعالى أن لأهل الجنة يوما يجتمعون فيه يسمى يوم المزيد، حيث يتمتعون بالنظر إلى وجه ربهم الكريم على اختلاف منازلهم في الجنة، وهذا مقطوع بصحته وحقيقته عند أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، قال جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، في صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه سبحانه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادة». وفي الدعاء المأثور: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة»، رواه النسائي. فهذه النصوص وما في معناها تدل بصراحة أن المؤمنين يوم القيامة في الجنة يتمتعون بالنظر إلى ربهم، فيعتبرون ذلك فوق كل نعيم نالوه وأعظم من كل متاع أعطوه. فسبحانه من رب رحيم ورحم عباده المؤمنين وأكرمهم بقربه وجواره، وآتاهم من الفضل والإنعام ما لم يؤت أحدا من العالمين. فله الفضل والمنة، وله الثناء الجميل الحسن. ذكر النظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات حال الناس يوم القيامة، وأنهم على فريقين: سعداء وأشقياء. وفي ذلك اليوم يرى السعداء وأهل السعادة ما أعد الله جل وعلا لهم في ذلك اليوم العظيم من النعيم المقيم في جناته سبحانه وتعالى. ويرى أهل الشقاوة والعياذ بالله ما أعد لهم من العذاب المهين في ذلك اليوم، فيرون ما كسبوه في هذه الدنيا. فأهل الطاعات يرون الربح العظيم في ذلك اليوم، وأهل المعاصي يرون الخسارة العظيمة في ذلك اليوم العظيم. وحينئذ يفرح أهل السعادة ويحزن أهل الشقاوة والعياذ بالله، ويتندمون ويتحسرون، ولا ينفعهم الندم والحسرات. ثم ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات ما أعد الله جل وعلا من النعيم العظيم لأهل السعادة، لأهل الإيمان ولأهل التقوى، لأهل الآخرة، لأهل الأعمال الصالحات، من النعيم العظيم في جناته سبحانه وتعالى، من الحور العين، ومن الفرش، ومن الأرائك، وهكذا من الأنهار من اللبن، والأنهار من العسل، ومن الخمر لذة للشاربين، وهكذا النعيم العظيم من المأكل والمشرب. وأعظم ذلك النعيم نعيم رؤية رب العالمين سبحانه وتعالى في اليوم العظيم. رؤية رب العالمين جل وعلا التي هي أعظم نعيم أهل الجنة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فالشارح حفظه الله تعالى ذكر جملة من الآيات وعدة من الآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى، والتي فيها بيان ما ذكر الناظم رحمه الله تعالى. لأن الناظم رحمه الله تعالى ذكر ما ذكر في هذه الأبيات، وكله مستنبط من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. لأن ما ذكره رحمه الله تعالى قد ذكر في كتاب الله جل وعلا، وقد ذكر في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر الشارح حفظه الله تعالى الآيات التي ذكرها رحمه الله تعالى، ونمر عليها مرورا سريعا بتعليق يسير. فالآيات كما سمعتم منها قوله جل وعلا: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوه متشابهة ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾. الجنة فيها ما يشبه الدنيا في الأسماء: التفاح والرمان والزيتون وغير ذلك، واللبن وغير ذلك. قال ابن عباس: ليس ما في الجنة وما في الدنيا من تشابه إلا في الأسماء. فالتشابه فقط في الأسماء، أما تفاح الدنيا غير تفاح الآخرة، وهكذا رمان الآخرة ورمان الجنة. وكل نعيم في الجنة وإن اتفق في الاسم مع شيء من نعيم الدنيا، فإنما هو تشابه في الاسم فقط. وأما في الكيفية، وأما في اللذة، فذلك شيء عظيم لا يخطر على البال، ولا يسمع به أذن، ولا يخطر على قلب بشر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك الأزواج المطهرة: الحور العين في جنات الله سبحانه وتعالى، التي قد غضصن الطرف على أصحابهن، وعلى من أنعم الله جل وعلا عليه بأن يكون له قاصرات الطرف عين. قال الله جل وعلا: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون بما فيها من الأنهار الدائمة﴾، فأكلها دائم، وظلها دائم، لا يرون شمسا ولا زمهريرة، كما قال جل وعلا: ﴿لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرة﴾. وإنما هم في ظلال دائم، في ظلال دائم، وفي نعيم دائم، وفي أكل دائم. فأكلها دائم، وشربها دائم، وظلها دائم، وسعادتها دائمة، لا حزن فيها ولا نصب، ولا هم ولا غم، ولا بول ولا غائط، ولا أسى ولا تعاسى، ولا شقاء. وإنما هو نعيم مستمر بشتى أنواع النعيم: نعيم مستمر، وأكل دائم، وظل دائم. ذلك من النعيم العظيم الذي من الله جل وعلا به على عباده. وهكذا كذلك يتمتعون في جنات النعيم بأن يكونوا على سرر متقابلين، قد صفيت قلوبهم من الأحقاد، ومن الضغائن، ومن الأحساد، ومن الغيرة. فليس في القلوب حقد ولا حسد ولا ضغائن ولا غير ذلك، كما هو الحال في الدنيا. فإنهم ينقون من هذه الأمور، لأنهم تأهلوا إلى هذا المقام العظيم الذي ليس أهلا له إلا من كان صاحب قلب سليم، خاليا من الأحقاد، ومن الأحساد، ومن الضغائن، وغير ذلك. وهكذا في الآيات التي بعدها ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعد الله لعباده من جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فأهل الجنة في الجنة يتمتعون، فحليهم من الأساور من الذهب، وثيابهم من السندس الخضر: السندس والاستبرق، متكئين فيها على الأرائك، نعمة الثواب، وحسنة مقرا. وهكذا كذلك لهم في جنات الفردوس النزل الدائم الذي أعده الله جل وعلا لعباده. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح». فذلك المعد أعده جل وعلا في جنات الفردوس لعباده الذين كانوا في هذه الدنيا على الطريق الذي بسببه يحصل ذلك النعيم العظيم في دار النعيم ودار كرامة سبحانه وتعالى. وهكذا في الآيات التي بعدها كذلك ما تقدم ذكره من أن حليهم الذهب ولباسهم الحرير، وكذلك حليهم اللؤلؤ وغير ذلك. وهم في شغل فاكهون، في شغل فاكهون، كما قال الله جل وعلا في سورة يس: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون﴾. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «وقد روينا في يس: وقد روينا أن شغلهم الذي قد جاء في يس دون بياني شغل العروس بعرسه من بعد ما عبت به الأشواق طول زماني. بالله لا تسأله عن شأنه تلك الليالي شأنه دوشاني». أي أنه في شغل عظيم مع الحور العين يتمتع بهن، وهكذا مع النعيم العظيم الذي عده الله جل وعلا في جنات النعيم. وأهل الجنة في جنات الله سبحانه وتعالى على نعيم عظيم، ففي الجنة النعيم العظيم، والسرر التي هم عليها متقابلين، ويطاف عليهم بكأس من معين، وغير ذلك. الكأس من الخمر ليست كخمر الدنيا التي هي سبب لذهاب العقول، وإنما هي لذة للشاربين، ولا غول فيها ولا هم ينزفون، كما أخبر الله سبحانه وتعالى. وأهل الجنة فيها قاصرات الطرف العين التي أعدهن الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين. وفي الآيات الأخرى نفس ما ذكر في الآيات، وما تكرر من النعيم العظيم الذي سمعتم فيما ذكر الشارح حفظه الله تعالى من الجنان، ومن البساتين، ومن الأنهار، وغير ذلك من النعيم العظيم الذي لا أثر لأحد أن يصفه. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». اقرأوا إن شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، كما ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. «وفي الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»، كما في البخاري أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأعظم النعيم رؤية رب العالمين جل وعلا، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. فسرت الزيادة كما في مسلم حديث صهيب بأنها النظر إلى وجه الله الكريم. إذ يكشف ربنا جل وعلا الحجاب، فيتمتع أهل الإيمان بالنظر إلى وجه الكريم. وهذا من أعظم النعيم. فقال الله جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾. وفسر المزيد عن بعض السلف من بعض الصحابة أنه النظر إلى وجه الله الكريم. وذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء العظيم: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة»، كما عند النسائي، وهو كذلك عند ابن أبي عاصم في السنة، من حديث فضالة بن عبيد، وهو كذلك في الجامع الصغير للشيخ الوادعي رحمه الله تعالى عليه. فهي دعوات عظيمات حري بالمسلم أن يدعو بهذه الدعوات العظيمة. ويسر الله جل وعلا هذا النعيم العظيم، وهو النظر إلى وجه سبحانه وتعالى يوم القيامة. قال نبيه صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته». فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا، كما في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ونصوص كثيرة في بيان النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة، وأنه من النعيم العظيم. والمؤلف الناظم والشارح كذلك يحثان على الاستعداد لذلك اليوم والعمل لتحصيل هذا النعيم العظيم، وعدم الاغترار بهذه الدنيا، وعدم تضييع الأوقات لأجل تحصيل حطامها الفاني. وإن من أراد هذا النعيم العظيم مما عده الله سبحانه وتعالى لعباده، فهذا يحتاج إلى التشمير، ويحتاج إلى جد واجتهاد ومثابرة ومواصلة ومسابقة ومسارعة ومنافسة في طاعات الله سبحانه وتعالى، وصبر واحتساب على هذه الأعمال الصالحة حتى يختم للعبد بالخاتمة الحسنة، فيكون من أهل هذا النعيم العظيم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتحصل على هذا النعيم العظيم في ذلك اليوم العظيم، ونجعلنا ممن يتمتع بالنظر إلى وجه الكريم في ذلك اليوم العظيم. إنه على كل شيء قدير، بالإجابة جدير. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.