شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري  11

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 11

الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 11، ألقاها

آداب حمل النبل في المسجد والسوق

يذكر المقطع حديثين نبويين يأمران بأخذ نصول النبل عند المرور في المسجد أو السوق لئلا تصيب مسلماً، ويستفيد العلماء وجوب اجتناب كل ما يخشى منه ضرر على المسلمين.

النهي عن تعاطي السلاح بطرق تؤذي المسلمين

يحذر المقطع من حمل السيف مسلولاً أو رمي السكاكين لما فيه من خطر أذية المسلمين، مستدلاً بأحاديث نبوية وأقوال العلماء، ثم ينتقل لذكر حديث «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» مع بيان سنده وفضل راويه.

تحريم سب المسلم وقتاله وبيان أحكامهما

يشرح حديث «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» مبيناً أن السباب خروج عن الطاعة والقتال كبيرة من الكبائر، وأن إطلاق الكفر على القتال للمبالغة في التحذير ما لم يستحل القاتل، مع الرد على المرجئة.

الختام بالصلاة على النبي والحمد لله

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مقراً بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن عبد الله، وهو ابن المديني أبو الحسن السعدي، إمام من أئمة العلل والحديث والجرح والتعديل. قال البخاري رحمه الله تعالى: قال: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي بن المديني. قال ابن المديني: ولا بين يدي، ولا بين يدي عيب عليه. وهكذا تكلم فيه الإمام أحمد رحمه الله بسبب فتنة القول بخلق القرآن. قال رحمه الله تعالى: حدثنا سفيان، قال: قلت لعمر: يا أبا محمد. والمراد بعمر هاهنا هو عمر بن دينار الجمحي، وكنيته أبو محمد. قال: قلت لعمر: يا أبا محمد، سمعت جابر بن عبد الله يقول: مر رجل بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك بنصالها». قال: نعم. والقائل «نعم» هاهنا هو عمر بن دينار رحمه الله تعالى، والسائل له هو سفيان رحمه الله تعالى. وقوله: «بنصالها»، قال العلماء: النصال جمع نصل، والمراد به حديدة السهم، حديدة السهم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو النعمان، وهو محمد بن الفضل الملقب بعارم. قال: حدثنا حماد بن زيد، وهو ابن درهم أبو إسماعيل البصري، أبو إسماعيل البصري. قال فيه: ثقة ثبت فقيه، وكان ضريرا، أي أعمى. قال فيه الخليل رحمه الله تعالى: ثقة متفق عليه، رضيه الأئمة، رضيه الأئمة. وهكذا قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة، وحماد بن زيد بالبصرة. وهذا يدل على جلالة وإمامة هذا المحدث. قال: حدثنا حماد بن زيد عن عمر بن دينار، وهو الذي تقدم معنا في الإسناد الماضي، أبو محمد الجمحي. قال: عن جابر أن رجلا مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصولها، فأمر أن يأخذ بنصولها، لا يخدش مسلما، لا يخدش مسلما. والخدش، قال العلماء: هو أول الجرح، أول الجراح يسمى خدشا. وفي هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم وجه العلة من هذا الأمر، وهو ماذا؟ وهو خشية أن يصاب المسلم بسببها بسوء وأذى، فيصيبه خدش أو تصيبه جراح. قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن العلاء، وهو أبو كريب الهمداني. قال: حدثنا أبو أسامة، مشهور بكنيته، وهو حماد بن أسامة الأسدي. قالوا فيه: ثقة، قالوا فيه: ثقة. قال: عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد قد تكرر معنا في أول أحاديث هذا الباب بنفس هذا الإسناد، في حديث: «من حمل علينا السلاح فليس منا». قال رحمه الله تعالى: قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل، فليمسك على نصالها، أو قال: فليقبض بكفه، أن يصيب أحدا من المسلمين منها شيء، أن يصيب أحدا من المسلمين منها شيء». وحديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه فيه أن الحكم عام في جميع المكلفين، بخلاف ما تقدم في حديث جابر، فإنه واقعة عين، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا مر بالمسجد ومعه سهام، فلم يمسك بنصالها، فأمره أن يمسك بنصالها. وأما في حديث أبي موسى هذا، فإن الحكم عام في جميع المكلفين. قال: «إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل»، والنبل هي السهام التي يرمى بها. قال: «فليمسك على نصالها»، قال: «فليمسك على نصالها، أو قال: فليقبض بكفه، أن يصيب أحدا من المسلمين منها شيء». وقد جاء في رواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى في حديث جابر: أن ذلك الرجل الذي مر بنبل في المسجد، أنه كان معه نبل يتصدق به، كان معه مجموعة من النبال مر بها في المسجد يتصدق بها على أهل المسجد، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بنصولها، أن يأخذ بنصولها. وقد أخذ العلماء من هذه الأحاديث اجتناب كل ما يخاف منه ضرر، اجتناب كل ما يخاف منه ضرر. وهكذا ذكر الإمام شيخ الإسلام، أو شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله تعالى، استدلالا بهذه الأحاديث، أن فيه التحرز والحرص على سلامة المسلمين وعدم أذيتهم، وعدم أذيتهم. وقد ذكر العلماء، كما سبق الإشارة، أن الحكم من هذا النهي أنه لما يخشى ويخاف من الغفلة، من الغفلة، فلربما آذى بعض المسلمين بطرف هذه النبال وهذه النصال، فجرح بعضهم أو خدشه، فجرح بعضهم أو خدشه. وهكذا أيضا في هذا الحديث تحريم قتال المسلم وقتله، وتغليظ الأمر في ذلك، وتغليظ الأمر في ذلك. وهكذا أيضا في هذه الأحاديث دليل على تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى أذية المسلم بكل وجه من الوجوه، بكل وجه من الوجوه. بل جاء عند الإمام أبي داود والترمذي من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتعاطى السيف مسلولا، نهى أن يتعاطى السيف مسلولا. ومعنى يتعاطى، قال: أي يتناول، يتناوله البعض أو الناس بعضهم عن بعض، مسلولا. ومعنى مسلول، قالوا: أي أنه خارجا من غمده، خارجا من غمده. وهذا الحديث ذكروا أن فيه عنعنة أبي الزبير، عنعنة أبي الزبير عن جابر، لكن الحديث له شاهد عن أبي بكرة عند الحاكم، وفيه أيضا عنعنة الحسن البصري، وهكذا المبارك بن فضالة. وقد حسن بعض أهل العلم الحديث بمجموع هذين الطريقين، بمجموع هذين الطريقين. وهكذا ذكر العلماء أن الحكمة من هذا النهي لما يخاف من الغفلة عند التناول، فلرب، لربما سقط السيف فآذى ذلكم المتناول، فجرحه بيده أو في جسده، أو في جسده. جاء في بعض روايات الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بعض الناس يري بعضهم بعضا سيفا مسلولا، فنهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام. وهكذا ذكر العلماء أنه يدخل في حكم السيف كل ما كان يخشى منه الضرر، مثال ذلك السكين. فلربما بعض الناس يلقي السكين إلى البعض الآخر، ولا سيما يتعامل بهذا إخواننا في البحر، قال: هات سكين، فرمى له بالسكين. ما يدريك يا عبد الله أن تخطئ يدك فلا تقع السكين في الموضع الذي تريد، أو تأتي السكين على حدها، فلربما جرحت يد هذا المتناول، ولربما حصل بسبب ذلك ما لا تحمد عقباه. وكما يقال: السلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء. إن كان ولابد فناول، وليكن حد السكين في طرفك، وليس في طرف المتناول، وليس في طرف المتناول. فهذا مما ذكره أهل العلم حول ما يتعلق بهذه الأحاديث. كذلك أيضا من كان في يده خشبة أو عصا أو حطب أو غير ذلك مما له حد، قال العلماء: لا يبقيه معروضا، يمسكه معروضا، فلربما آذى من أمامه أو آذى من خلفه، لكن يمسكه منصوبا، حده إلى أعلى، والآخر إلى أسفل، والآخر إلى أسفل، حتى لا يقع في أذية أحد من المسلمين. قال رحمه الله تعالى: قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض». قال رحمه الله تعالى: حدثنا عمر بن حفص، وهو ابن غياث النخعي الكوفي، ثقة، ربما وهما. قال: حدثنا أبي، وهو حفص بن غياث النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي. قال فيه: ثقة فقيه، تغير حفظه قليلا في آخره. قال: حدثنا الأعمش، سليمان بن مهران، بن مهران، أبو محمد الكوفي، الملقب بالمصحف. قال: حدثنا شقيق، وهو ابن سلمة، أبو وائل. قال فيه: ثقة مخضرم. قال: قال عبد الله. من المراد، أو من المراد بعبد الله هنا؟ عندك، عندك يا أبا بلال. نعم، هو ابن مسعود. فإذا أطلق في الصحابة عبد الله، فالغالب أنه ابن مسعود، أبو عبد الرحمن الهدلي، أبو عبد الرحمن الهدلي. «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، قالها النبي صلى الله عليه وسلم في ابن مسعود. وهكذا قال في ساقيه: «إنهما في الميزان أثقل من جبل أحد، أثقل من جبل أحد». لتعلم يا عبد الله أن العبرة ليست بدخامة الأجسام ولا بقوتها، وإنما بما وقر في القلب وصدقه اللسان، ألا وهو الإيمان، ألا وهو الإيمان والتقوى والعلم الذي يورث العمل والخشية عند صاحبه. «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث عبد الله بن مسعود، في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض». ومناسبة هذا الحديث لما ترجم به وعليه ظاهرة، وذلك أن في حديث عبد الله بن مسعود أنه عن سباب المسلم، وهكذا أنه عن مقاتلة المسلم، وسواء هذه المقاتلة بالسيف أو بغيره، فإن ذلك كله إذا كان بغير حق لا يجوز. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق». السباب هو السب والشتم، السب والشتم، وهو التكلم على الإنسان بما يعيبه، بما يعيبه. وقد قال إبراهيم الحربي، أحد أئمة اللغة وغريب الحديث: السباب أشد من السب، السباب أشد من السب. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فسوق»، الفسوق في اللغة هو الخروج، هو الخروج، والمراد به الخروج عن طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو في عرف الشرعي يعتبر أشد من العصيان. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. قال: «وقتاله كفر»، وقتاله كفر. قال العلماء: لم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج من الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، مبالغة في التحذير، معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة إلا بالاستحلال، إلا بالاستحلال. فالقتل ليس مخرجا من الملة إلا إذا استحل القاتل قتل المسلم بغير حق، بغير حق، فهنا يعتبر ماذا؟ يعتبر كفرا. أما مع عدم الاستحلال فإنه يعتبر معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، وكبيرة من كبائر الذنوب. وقد ذكر العلماء في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام: «وقتاله كفر»، ذكروا فيه عدة أقوال، منها ما تقدم أنه من باب المبالغة في التحذير والزجر والتنفير عن هذا الفعل الشنيع والجريمة العظيمة، والجريمة العظيمة. وقيل: أنه كفر إذا كان القاتل مستحلا. وقيل: المراد به كفر النعمة والإحسان، لا كفر الجحود، لا كفر الجحود. وهكذا ذكروا من هذه الأقوال أنه يوصل إلى الكفر لشؤمه، أنه يوصل، أي يصل ويتعدى إلى أن الشخص لربما وقع في الكفر بسبب هذا الذنب. وهكذا أيضا ذكروا أن قوله عليه الصلاة والسلام: «وقتاله كفر»، أي أنه كفعل الكفار، أي أنه كفعل الكفار. وقد استظهر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ما ذكر أولا، من أن المراد به المبالغة في الزجر والتحذير والتنفير من هذا الذنب، ومن هذه الجريمة، ومن هذه الجريمة، أو أنه أشبه ما يكون بفعل الكفار. ونستفيد من هذا الحديث تحريم سب المسلم بغير حق، وقد نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى إجماع الأمة على تحريم ذلك، إجماع الأمة على تحريم ذلك، وأن فاعله يعتبر فاسقا. وهكذا أيضا في هذا الحديث تعظيم حق المسلم، تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، بالفسق. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل على أن بعض الأعمال يطلق عليها كفرا، وهذا تغليظا، وهي من باب كفر دون كفر، ما لم يستحلها الفاعل، ما لم يستحلها الفاعل. ونظير هذا ما ذكر في الترجمة: «لا ترجعوا بعدي كفارا»، أي كفرا دون كفر، ما لم يستحل القاتل ماذا؟ هذا القتل وهذا القتال، وهذا القتال. وهكذا أيضا في هذا الحديث رد على المرجئة، والمرجئة تعتبر فرقة من الفرق الضالة وبدعة من البدع التي ظهرت قديما في أواخر عهد الصحابة، بل وبعد الصحابة في عهد التابعين. فهذا الحديث فيه رد على هؤلاء الذين اتصفوا بهذه البدعة، وهو أنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا: الإيمان هو تصديق القلب، وجعلوا للعصاة كمال الإيمان، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب. وقد جاء في الصحيحين عن زبيد اليامي قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». قال العلماء: ومراده كيف تكون مقالة؟ قال صلى الله عليه وسلم، أخبر بهذا. واسعة معاني تعلق بأحاديث هذا الباب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم

شاركنا على