شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري  26

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 26

الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 26، ألقاها

شرح سلسلة رواة حديث إرسال أسامة بن زيد

يستعرض المقطع سلسلة رواة الحديث الوارد في صحيح البخاري عن إرسال أسامة بن زيد مولاه حرملة إلى علي بن أبي طالب، مبيناً أحوال الرواة ومكانتهم العلمية. كما يذكر قصة أسامة مع النبي صلى الله عليه وسلم وبداية توجيهه لمولاه لسؤال علي عن حال النبي.

سبب تخلف أسامة بن زيد عن نصرة علي

اعتذر أسامة بن زيد عن عدم مشاركته في القتال مع علي رضي الله عنه رغم محبته له، معللاً ذلك بعدم مشروعية قتال المسلمين التزاماً بوعده للنبي صلى الله عليه وسلم. فآلى على نفسه ألا يقاتل مسلماً أبداً واختار اعتزال الفتنة استدلالاً بأحاديث النهي عنها.

موقف علي من رسول أسامة وعطاء الحسن والحسين

يروي المقطع أن علياً رضي الله عنه لم يعطِ حرملة رسول أسامة شيئاً، بينما أعطاه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر من أموالهم تعويضاً له. ويبين أن مذهب أهل السنة هو أن الصواب مع علي في النزاعات مع وجوب كف الألسنة عن الطعن في الصحابة لأنهم مجتهدون مأجورون.

الخاتمة وذكر المترجمة

يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، ويذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال حدثنا علي بن عبد الله. وقد تقدم أنه أبو الحسن السعدي المشهور بابن المديني، إمام العلل والحديث والجرح والتعديل. كان يلقب بماذا؟ نعم، نعم، كان يلقب بحية الوادي. وهذا اللقب يدل على المعرفة القوية، وهكذا العلم الغزير الذي كان عند ابن المديني فيما يتعلق بالحديث وعلله. فكما أن الحية تعلم المداخل والمخارج، وهكذا الطرق التي بالوادي، كذلكم كان ابن المديني في الحديث وفي علله. وقد عيب عليه فيما يتعلق بمسألة القول بخلق القرآن، غير أنه قد اعتذر واعتذر له أنه لم يكن يتحمل الصياط وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا سفيان. سفيان في هذه طبق منه قرأناه بالأمس، لكن لم نتكلم عليه، ضاق الوقت فلم نتكلم عليه. عندك يا أبا بلال من سفيان ها هنا؟ نعم، سفيان ها هنا هو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي رحمه الله تعالى، من أحفظ الناس لحديث أهل الحجاز. ولهذا قال الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، لذهب علم الحجاز». ومن أقواله المأثورة قال: كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم، وهكذا ذكره غيره. قال: قال ابن عيينة: «من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى». قال رحمه الله تعالى: قال عمر، وهو هنا ابن دينار الجمحي مولاهم، أبو محمد المكي. قالوا فيه: ثقة ثبت. قال: أخبرني محمد بن علي، وهو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، أبو جعفر الباقر. أبو جعفر الباقر وهو والد جعفر الصادق، وهما من أئمة أهل البيت وممن يغلو فيهم الشيعة الروافض، وهما بريآن من عقيدة الروافض المخالفة لشريعة الإسلام، المخالفة لشريعة الإسلام. قال رحمه الله تعالى: ومحمد هذا ثقة فاضل. قال: أن حرملة مولى أسامة، يعني مولى أسامة بن زيد، مولى أسامة بن زيد، وقيل أنه مولى زيد بن ثابت، مولى زيد بن ثابت، فقد كان ملازماً له كثيراً. ومنهم من فرق بينهما، أي بين حرملة مولى أسامة بن زيد وبين حرملة مولى زيد بن ثابت. وحرملة هذا ذكر الحافظ رحمه الله تعالى أنه صدوق. قال: أخبره، قال: أن حرملة مولى أسامة أخبره، قال: أمر، قد رأيت، قد رأيت حرملة، قال: أرسلني أسامة إلى علي، وقال: إنه سيسألك الآن، فيقول: ما خلف صاحبك؟ فقل له: يقول لك: «لو كنت في شدق الأسد لا أحببت أن أكون معك فيه». ولكن هذا أمر لم أره، فلم يعطني شيئاً. فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي. أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث عند باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما: «ابني، أو إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين، بين فئتين من المسلمين». وذكر في هذا الحديث قصة إرسال أسامة بن زيد بن حارثة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، رضي الله تعالى عنهما. كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحب أسامة ويحب أباه زيداً محبة شديدة، محبة شديدة، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أول الأمر قد تبنى زيداً، فكان يدعى بزيد بن محمد، حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾، هو أقسط عند الله. فبعد ذلك نسب إلى أبيه، فأصبح ينادى بزيد بن حارثة. أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أرسل حرم له مولاه من المدينة إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بالكوفة، أي ببلاد العراق، وقال له: إنه يعني علياً سيسألك، سيسألك الآن، سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك؟ سيسألك عن السبب الذي لأجله تخلف أسامة رضي الله تعالى عنه عن نصرة علي، وعن الوقوف مع علي رضي الله تعالى عنه ضد من خاصمه. وقد ذكر العلماء أن هذا فيه تهيئة واعتذار من أسامة رضي الله تعالى عنه عن تخلفه عن علي، وذلك لأن أسامة كان يعلم أن علياً كان ينكر على كل من تخلف عنه. علي رضي الله تعالى عنه كان ينكر على كل من تخلف عنه، ولا سيما إذا كان هذا المتخلف بمكانة أسامة رضي الله عنه الذي يعد من أهل البيت، وممن نشأ وتربى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاعتذر أسامة رضي الله تعالى عنه أن هذا التخلف ليس بخلا بنفسه عن أن يناصر ويفدي بها علياً، ويفدي بها علياً، ولا هو كذلك أيضاً من باب كراهة علي، وإنما لعلي في قلب أسامة المحبة الشديدة، وهكذا المكانة العالية الرفيعة لهذا الصحابي الجليل، ألا وهو علي بن أبي طالب، حتى أنه ذكر له أنه لو كان في أشد الأماكن هولا، وهكذا أعظمها خوفاً، ألا وهو فيما إذا كان في شدق الأسد. وقد ذكر العلماء أن المراد بشدق الأسد هو جانب فمه من الداخل، جانب الفم من الداخل، هذا يسمى شدقاً، ولكل فم شدقان، إليهما ينتهي شق الفم، وعند مؤخرهما ينتهي الحنك الأعلى والأسفل، ينتهي الحنك الأعلى والأسفل. فلو كان علي وقع بين شدقي الأسد، قال أسامة: لا أحببت أن أكون معك، يعني في هذا الموقف الشديد. وهذا كناية عن الموافقة له رضي الله تعالى عنه حتى في حالة الموت، حتى في حالة الموت، لأن الذي يفترسه الأسد بحيث يجعله في شدقه هذا يكون في تعداد الهلك، ويستبعد أن ينجو أحد بعد أن يقع بين فكي الأسد، بين فكي الأسد، إلا أن يشاء الله عز وجل. فأسامة بن زيد اعتذر لعلي بهذا: أنك لو كنت في أصعب المواقف وفي أشد الحالات، لا أحببت أن أكون معك، لا أحببت أن أكون معك. لكن ما هو السبب الذي خلفه عن ذلك؟ قال رضي الله تعالى عنه: ولكن هذا أمر لم أره. هذا القتال الحاصل بين المسلمين لم أرى مشروعية وجواز القتال فيه. وأسامة رضي الله تعالى عنه مذهبه كمذهب من سبق معنا من الصحابة كأبي بكرة وعمران بن حسين وابن عمر وغيرهم من الصحابة ممن توقف في هذا القتال، فقال: لا يجوز أن أقاتل مع هذا الصف ولا مع الصف الآخر، واستدلوا على ذلك بالأحاديث التي فيها وجوب اعتزال الفتن، وهكذا عدم الاحتحام في هذه الفتن: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها». وقد ذكر العلماء أن السبب في عدم دخول أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه في هذه الفتن والقتال بين المسلمين، أن أسامة لما قتل ذلكم المشرك كان في إحدى الغزوات، فلما انفرد بأحد المشركين، فلما أراد أن يهوي عليه بسيفه، قال المشرك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. أسامة لم يبالي، وظن أن المشرك هذا ما قالها إلا خوفاً من السيف، فقام وقتله. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، غضب عليه الصلاة والسلام غضبا شديداً، فقال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» فذكر معاذ أنه ما قالها إلا خوفاً من ماذا؟ من السيف ونحوه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشققت عن صدره؟ أشققت عن صدره؟» فندم أسامة ندماً شديداً، حتى أنه تمنى أنه لم يسلم إلا تلك الساعة، أنه لم يسلم إلا تلك الساعة. فمن حينها آلى وحلف أسامة أنه لا يقاتل مسلماً، أنه لا يقاتل مسلماً. فهذا مما ذكره العلماء في سبب تخلف أسامة رضي الله تعالى عنه عن مناصرة علي، مع محبته له، مع محبته له، سواء كان في واقعة الجمل، أو كان في واقعة صفين، أو غيرها من الوقائع التي كانت بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فعلي رضي الله تعالى عنه كأنه لم يقبل هذا الاعتذار، لم يقبل هذا الاعتذار، ولهذا لم يعط حرملة شيئاً، لم يعط حرملة شيئاً. وقد نقل الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى عن ابن التين قال: إنما منع علي أن يعطي رسول أسامة وهو حرملة شيئاً لأنه لعله سأله شيئاً من مال الله، فلم ير أن يعطيه لتخلفه عن القتال معه. قال: وأعطاه الحسن والحسين، وهما ابن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانتيه من الدنيا، وهكذا عبد الله بن جعفر. عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قتل أبوه جعفر في غزوة مؤتة، وقد كان أميراً بها، قطعت يده اليمنى وهو يحمل الراية، فحملها باليسرى، فقطعت يده اليسرى، فاحتضن راية حتى ماذا؟ قتل شهيداً رضي الله تعالى عنه. فابنه عبد الله صحابي جليل كان مع علي رضي الله تعالى عنه في وقائعه كصفين وغيرها. قال: وأعطاه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر لأنهم كانوا يرونه واحداً منهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلسه على فخذه، ويجلس الحسن على الفخذ الآخر، ويقول: «اللهم أحبهما». قال: كما تقدم في مناقبه، كما تقدم في مناقبه. وهذا الذي أشار إليه رحمه الله تعالى في هذا الحديث. قال: فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي، فأوقروا لي راحلتي. ومعنى ذلك أي أنهم حملوا له على راحلته ما أطاقت حمله، ما أطاقت حمله. ولم يعين في هذه الرواية هذا الشيء الذي أعطوه إياه وحملوه على هذه الراحلة. والراحلة ذكر العلماء أنها ما يصلح للركوب عليه، للركوب عليه، ويطلق على الذكر، وهكذا يطلق على الأنثى. غير أن قوله: فأوقروا، فأوقروا لي راحلتي، الوقر ذكر العلماء أنه يطلق غالباً على ما يحمل على البغل والحمار، على البغل والحمار. فكأن الراحلة التي كانت معه إما بغلاً وإما حماراً. وأما إذا كانت ناقة أو بعيراً فما يحمل عليها يسمى الوسق، يسمى الوسق. وهذا يؤيد احتمال أن الراحلة التي كانت معه هي من البغال أو أنها من الحمير. وإعطاء هؤلاء الصحابة لحرملة رسول أسامة، وذلك كأنهم علموا أن علياً لم يعطه شيئاً، فعوضوه من أموالهم من الثياب ونحوها، قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها، التي هو راكبها. وهذا كما تقدم معنا يدل على ما حصل بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من ذلك النزاع وذلك الخلاف، سواء كان بين علي ومعاوية، أو كان بين علي وطلحة والزبير وعائشة، أو غيرهم. وأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الصواب في هذا النزاع مع علي، مع أن الجميع مجتهد، فمن كان مصيباً فله أجران، ومن كان مخطئاً فله أجر واحد على اجتهاده، على اجتهاده، لا على خطأه، لا على خطأه. وهكذا أيضاً الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه عن الوقيعة في أعراض هؤلاء الصحابة. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، إذا ذكر أصحابي فأمسكوا». ولهذا أخطأ وضل بعض الناس حين أن أطلق لسانه فتعرض لبعض الصحابة، ولا سيما كمعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وغيرهم ممن وقف ضد علي، فأصبح يرميهم بالخداع والتحايل والمكر والغدر وسوء النية وغير ذلك. كما سبق الإشارة إليه أنه قد فعل ذلك بعض الأدباء والكتاب كسيد قطب، وذلك في بعض مؤلفاته، ومنها كتابه «الضلال»، ومنها كتابه «الضلال». فهذا يعتبر انحرافاً عظيماً، وهكذا خطأ كبير. فكما سلم الله عز وجل سيوفنا من هذه الفتن، كذلك أيضاً يجب علينا أن تسلم، أو أن نسلم ألسنتنا عن أن نقع في عرض صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أولئك الذين رضي الله عنهم واختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم خير القرون، وهم خير الناس بعد نبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الحديث، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر

شاركنا على