الدرس في وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 3، الدرس الثالث:( بعض فضائل المهاجرين والأنصار وأهل بدر والحديبية ). ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل فضائل المهاجرين والأنصار كما أثنى الله عليهم في القرآن الكريم، حيث قدموا تضحيات كبيرة ونصروا دين الله. جاءت الآيات القرآنية لتبرز مكانتهم العالية وتثني على أفعالهم.
يبرز هذا الفصل مكانة الأنصار من خلال الأحاديث النبوية التي تظهر فضلهم ومكانتهم عند رسول الله، حيث كانوا محل ثناء النبي ودعائه لهم ولأبنائهم ومواليهم. كما يشير إلى توجيه النبي للمسلمين باحترامهم وتقديرهم.
يناقش هذا الفصل فضل الصحابة الكرام وأهمية حبهم، حيث يشير إلى الأحاديث النبوية التي تبرز مكانتهم وتدل على مغفرة الله لهم. يشمل ذلك المهاجرين والأنصار وأهل بدر والحديبية، ويبين أهمية عدم بغضهم.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فهذه وقفة من الوقفات العرفان مع صحابة النبي العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام، بذكر بعض فضائل المهاجرين والأنصار وأهل بدر والحديبية. فأما المهاجرون، فهم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، تركوا أموالهم، تركوا بلادهم، وأحب البقاع إليهم، نصرة لله جل وعلا ولرسوله ولدينه سبحانه وتعالى. ولذلك أثنى الله جل وعلا عليهم، ولذلك ذكرهم في كتابه الكريم في آيات، قدمهم في الذكر على غيرهم، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار. وهكذا الله سبحانه وتعالى أثنى عليهم ثناء عظيما. قد تقدم معنى ذكر آيات من كتاب الله جل وعلا في فضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم المهاجرون. وهكذا في أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام جاءت النصوص الكثيرة في فضلهم. ومن هذه الأحاديث ما ثبت من حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه، سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فلما حصل شيء بين الأنصار والمهاجرين، ذكر أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه سعد بن عبادة بما سمع من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه قال: الأمر في قريش، وولاة الأمر من قريش، وبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم. وهكذا في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله تعالى، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: للمهاجرين منابر من ذهب، للمهاجرين منابر من ذهب يوم القيامة، يجلسون عليها، قد أمنوا من الفزع، قد أمنوا من الفزع. وهكذا ثبت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والحديث كذلك في الصحيحة للعلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، قال عليه الصلاة والسلام: المهاجرون بعضهم أولياء بعض، المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة. فهذه بعض فضائل المهاجرين في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأما الأنصار، فهم الذين نصروا رسول الله عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لقي منهم نصرة عظيمة، آخى بينهم وبين المهاجرين، اكتسموا الأموال فيما بينهم، والدور فيما بينهم، حتى النساء، فآخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم، ونصروا دين الله جل وعلا نصرا عظيما. ولذلك أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه الكريم، كما سمعتم في الآيات، فإنه جل وعلا بعد ذكر المهاجرين ذكر فضل الأنصار: ﴿والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك بعضهم أولياء بعض﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾. فالله جل وعلا أثنى عليهم لأنهم آووا ونصروا رسول الله عليه الصلاة والسلام، تلك المآوى العظيمة، تلك النصرة العظيمة التي قاموا بها، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهذا لحديث سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في فضل الأنصار كثيرة، منها ما ثبت في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعن غيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، في تلك الخطبة العظيمة التي خطبها رسول الله عليه الصلاة والسلام، مثنيا فيها على الأنصار، وداعيا فيها للأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار وموالي الأنصار. فلما وجد الأنصار في أنفسهم شيئا يوم فتح مكة، حين أعطى النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم بعض أهل مكة، فأخذ الأنصار في أنفسهم شيئا، قالوا: إن هذا للعجب، سيوفنا تقطر من دمائهم ويعطيهم الغنائم. فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا الأنصار وقال: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم»، فقالوا: هو ذاك يا رسول الله، وكانوا لا يكذبون رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كما قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في الصحيح. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله عليه الصلاة والسلام؟»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لو سلك الناس شعبا أو واديا لسلكتم شعب الأنصار وواديهم»، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الناس دثار والأنصار شعار»، قال عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الهجرة لكنت امرأ من الأنصار». وهكذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار، وذكرهم بما أنعم الله جل وعلا به عليهم، قال لهم عليه الصلاة والسلام: «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟»، فكلما قال شيئا عليه الصلاة والسلام قالوا: الله ورسوله أمن، ثم دعا النبي عليه الصلاة والسلام لهم بقوله: «اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، وزاد أنس أنه دعا كذلك لموالي الأنصار. وهذا من فضائل الأنصار ما ثبت في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم. وهذا جاء في البخاري ومسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أناسا، قال: «أحسبهم قدموا من عرس»، أحسبهم قدموا من عرس، فقام النبي عليه الصلاة والسلام ممثلا، فقال: «اللهم أنتم أحب الناس إلي»، اللهم أنتم أحب الناس إلي، يعني الأنصار. وهكذا في حديث أبي بكر والعباس، أنهما لما مرا على الأنصار كما في الصحيح أيضا، فوجدا الأنصار يبكون، فقال لهما: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلسنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فدخل أبو بكر والعباس على النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبراه بما رأيا من الأنصار، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، وقد عصب عمامة أو شيئا من برد على رأسه، ثم صعد المنبر عليه الصلاة والسلام، ولم يصعده بعد ذلك، قال الراوي: ولم يصعده بعد ذلك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «الأنصار كرشي وعيبتي»، الأنصار كرشي وعيبتي، أي بطانتي وخاصتي، بطانتي وخاصتي، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإن الأنصار قد أدوا الذي عليهم وقضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم»، وبقي الذي لهم، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. وهكذا ثبت من فضائل الأنصار في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أنس أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الأنصار إنكم ستجدون أثرة بعدي»، إنكم ستجدون أثرة بعدي، أي استئثارا بالأموال، فيوجد ولاة ربما يستأثرون بالأموال لأنفسهم. فقال لهم عليه الصلاة والسلام: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام: «فإن موعدكم الحوض»، فبشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بحوضه، وهذه بشرى لكل صابر، بشرى لكل صابر على ما يحصل من استئثار للأموال من قبل الولاة أو من قبل المسئولين وغيرهم، فإنه لا ينزع يدا من طاعة، وإنما يصبر، فالصبر له الفضائل العظيمة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يوصي الأنصار بالصبر، وأن لهم جزاء ذلك الحوض العظيم يوم القيامة، الذي من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، الحوض الذي طعمه أحلى من العسل، وماؤه أبيض من اللبن، وآنيته عدد نجوم السماء، فهذا فضل عظيم. النبي عليه السلام ذكر الأنصار به، وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»، وهذا في فضل عظيم للأنصار بينه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا الفضائل الكثيرة في الأنصار في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قد دعا لهم كما دعا للمهاجرين، كما في الصحيحين، كان عليه الصلاة والسلام حين يحفر الخندق، وكانوا ينقلون التراب، فكان الأنصار يقولون: نحن الذين بايعنا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا، نحن الذين بايعنا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم فأكرم الأنصار والمهاجرة»، وفي لفظ قال: «اللهم فاغفر للأنصار والمهاجرة»، وفي لفظ قال: «اللهم فاصلح الأنصار والمهاجرة»، وهذا دعاء عظيم من النبي عليه الصلاة والسلام للمهاجرين والأنصار. و فضائل أهل بدر كذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قصة حاطب المشهورة، لما أرسل بشيء إلى كفار مكة من خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا، فقد نافق. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». فالله جل وعلا قد غفر لأهل بدر. وهذا ثبت في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه في فضل أهل الحديبية، فقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر بن عبد الله، وجاء عن غيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا أو الحديبية»، في لفظ: «بايع تحت الشجرة». فقالت حفصة: بلى يا رسول الله. فنهرها النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، إن الله جل وعلا يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾. فقالها النبي عليه الصلاة والسلام: «أو لم يقل جل وعلا: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذروا الظالمين فيها جثيا﴾؟». فهذا فضل عظيم لمن شهد بدرا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لا يدخل النار، ومنهم العشرة وغيرهم، فكيف بعد ذلك في طعن يطعن فيهم أو يطعن في هذه الشهادة والتعديل العظيم من رب العالمين سبحانه وتعالى؟ وهكذا لمن شهد الحديبية، تلك البيعة العظيمة التي بايعها الصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وجاء في البخاري عن جابر قال: «كنا ألفا وأربعمائة»، وفي لفظ: «كنا ألفا وخمسمائة». قال بعض أهل العلم: على قول ألف وأربعمائة ترك الكسر، وعلى قول ألف وخمسمائة جبر الكسر، يعني ألف وأربعمائة وكسر. فهذا يدلنا على فضل هذا الجم الغفير من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه بعض الفضائل التي ذكرت في كتاب الله، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في فضل المهاجرين والأنصار وأهل بدر والحديبية. والوقفة القادمة إن شاء الله تعالى من وقفات العرفان مع صحابة النبي العدنان، مع صديق هذه الأمة أبي بكر بن الصديق، عبد الله بن عثمان بن قحافة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.