الدرس في قراءة في فتاوى العلامة العثيمين في الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اختلف العلماء في وجوب إمساك الحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء نهار رمضان، حيث ذهب الإمام أحمد في رواية إلى وجوب الإمساك بينما ذهب مالك والشافعي إلى جواز الأكل والشرب. استدل الشيخ العثيمين بفرق بين زوال المانع وتجدد الوجوب لرفض الاستدلال بحديث صوم عاشوراء.
يتناول حكم الإمساك للحائض أو النفساء إذا طهرتا في نهار رمضان وللمسافر إذا قدم في نهار رمضان، حيث يرى الإمام أحمد في إحدى الروايتين عدم وجوب الإمساك وهو مذهب مالك والشافعي، بينما يرى في الرواية الأخرى وجوب الإمساك مع القضاء وهو مذهب أبي حنيفة.
الكدرة البنية بعد الطهر من الحيض لا تعتبر حيضا ولا تفسد الصيام، واستدل بحديث أم عطية رضي الله عنها أنهن كن لا يعدن الكدرة بعد الطهر شيئا. المرأة التي طهرت من حيضها ثم رأت كدرة بنية بعد الاغتسال، صيامها صحيح.
المقطع ينهي الحديث بالاكتفاء بما تمت مناقشته ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويعبر عن الشكر. تم استعراض مختلف الأحكام المتعلقة بحالات خاصة في رمضان.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد فقد قرأنا بالأمس سؤالا ولم نكمل الإجابة عليه من كلام الشيخ رحمه الله، فنعيد قراءة السؤال والإجابة عليه. سئل الشيخ العثيمين رحمه الله: قال السائل: أشرت من قبل إلى الخلاف في إمساك الحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء النهار، فهل من يستدل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوجب صوم عاشوراء أمر من كان أكل بعد أن أصبح بالإمساك، سبيله صحيح؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذكرنا أثناء بحثنا في الصيام أن المرأة إذا كانت حائضا وطهرت في أثناء النهار، فإن العلماء اختلفوا هل يجب عليها أن تمسك بقية اليوم، فلا تأكل ولا تشرب، أو يجوز لها أن تأكل وتشرب بقية اليوم؟ وقلنا: إن في ذلك روايتين عن إمام أحمد رحمه الله. إحداهما، وهي المشهورة من المذهب، أنه يجب عليها الإمساك، فلا تأكل ولا تشرب. والثانية: أنه لا يجب عليها الإمساك، فيجوز لها أن تأكل وتشرب. وقلنا: إن هذه الثانية هي مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى، وإن ذلك هو المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فإنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره». وقلنا: إن الواجب على طالب العلم في مسائل الخلاف، الواجب عليه أن ينظر في الأدلة، وأن يأخذ بما ترجح عنده منها، وأن لا يبالي بخلاف أحد ما دام أن الدليل معه، لأننا نحن مأمورون باتباع الرسل، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. وأما الاحتجاج بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بصيام عاشوراء في أثناء اليوم، فأمسك الناس بقية يومهم، نقول: لا مستند لهم في هذا الحديث، لأن صوم يوم عاشوراء ليس فيه زوال مانع، وإنما فيه تجدد وجوب. وفرق بين زوال المانع وتجدد الوجوب، لأن تجدد الوجوب معناه أن الحكم لم يثبت قبل ذلك، لعدم وجود سببه. وأما زوال المانع، فمعناه أن الحكم ثابت مع المانع، لولا هذا المانع. وما دام هذا المانع موجودا مع وجود سبب الحكم، فمعناه أن هذا المانع يمنع من صحة الفعل لوجوده. ونظير هذه المسألة التي أوردها السائل، نظيرها ما لو أسلم إنسان في أثناء النهار، فإن هذا الذي أسلم تجدد له الوجوب. ونظيرها أيضا ما لو بلغ الصبي في أثناء النهار، وهو مفطر، فإن هذا تجدد له الوجوب. فنقول لمن أسلم في أثناء النهار: يجب عليه الإمساك، ولكن لا يجب عليه القضاء. ونقول للصبي إذا بلغ في أثناء النهار: يجب عليك الإمساك، ولا يجب عليك القضاء، بخلاف الحائض إذا طهرت، فإنه بإجماع أهل العلم يجب عليها القضاء. الحائض التي طهرت أثناء النهار، أجمع العلماء على أنها إن أمسكت بقية اليوم، لا ينفعها هذا الإمساك، ولا يكون صوما، وأن عليها القضاء. وبهذا عرف الفرق بين تجدد الوجوب وبين زوال المانع، فمسألة الحائض إذا طهرت من باب زوال المانع، ومسألة الصبي إذا بلغ أو الكافر إذا أسلم، مما ذكره السائل من إيجاب صوم يوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، هذا من باب تجدد الوجوب. والله الموفق. فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى على هذا السؤال: أن المرأة النفساء والحائض إذا طهرتا أثناء نهار رمضان، فلا يلزمها الإمساك بقية اليوم. وأما من استدل بحديث الإمساك في صيام يوم عاشوراء، حين علم الناس بذلك فأمرهم بالإمساك، فبين أن هذا فيه فرق بين هذا وبين ذاك، فإمساك أو إفطار المرأة الحائض والنفساء، فهو بسبب مانع، مانع الحيض والنفاس، فهو مانع من الصيام. وأما صيام يوم عاشوراء، فهو تجدد وجوب، تجدد وجوب. فما كان سببه وجود المانع، فهذا لا يصح معه الصيام لوجود المانع من حيض أو نفاس. وأما ما لم يوجد مانع، وإنما هو من باب تجدد الوجوب، كالعلم بأن هذا اليوم من رمضان مثلا، الناس لا يدرون أن هذا اليوم من رمضان، قد أصبحوا في أول النهار، قد أكلوا، ثم علموا أن هذا رمضان، وجب عليهم الإمساك، تجدد وجوب. وهكذا في صيام يوم عاشوراء، علم أن هذا اليوم عاشوراء، وفيه الصيام، فصاموا. وهذا بلغ الصبي، الصبي مثلا إذا بلغ في الظهر، في وسط النهار بلغ، أو المرأة كذلك، فهنا يتجدد وجوب عليه أن يمسك بقية اليوم. الكافر كذلك، أسلم كافر في نهار رمضان، أسلم في نهار رمضان الصباح أو الظهر، أسلم كافر، فهنا يتعين في حقه تجدد وجوب، وعليه أن يمسك من ذلك الوقت الذي أسلم فيه، وتلك الساعة التي أسلم فيها. وهذا الأجاب رحمه الله تعالى عن الفرق بين ما يتعلق بزوال مانع أو بتجدد الوجوب، وأن استدلال من استدل في الإمساك في يوم عاشوراء على أيضا أن الحائض والنفساء تمسك إذا طهرتا في نهار رمضان، استدلال غير صحيح، للفرق بينهما. وفرق بين زوال المانع وبين تجدد الوجوب. سئل رحمه الله تعالى: قال سمعت أنكم أفتيتم للحائض إذا طهرت في نهار رمضان أنها تأكل وتشرب ولا تمسك بقية يومها، وكذلك المسافر إذا قدم للبلد في النهار، فهل هذا صحيح؟ وما مذهب ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ما سمعته من أني ذكرت أن الحائض إذا طهرت في أثناء اليوم، لا يجب عليها الإمساك، وكذلك المسافر إذا قدم، فهذا صحيح عني، وهو إحدى الروايتين عن إمام أحمد رحمه الله، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره». وروي عن جابر بن يزيد، وهو أبو الشعثاء أحد أئمة التابعين الفقيه، أنه قدم من سفر، فوجد امرأته طاهرا من الحيض في ذلك اليوم، فجاء معها. ذكر هذين الأثرين في المغني، ولم يتعقبهما. ولأنه لا فائدة من الإمساك، لأنه لا يصلح صيام ذلك اليوم إلا من الفجر، ولا هؤلاء يباح لهم الفطر أول النهار، ظاهر وباطن، مع علمهم بأنه رمضان. والله إنما أوجب الإمساك من أول النهار، من الفجر. وهؤلاء في ذلك الوقت ليسوا من أهل الوجوب، فلم يكونوا مطالبين بالإمساك المأمور به. ولأن الله إنما أوجب على الحائض، وكذلك المسافر، عدة من أيام أخر، بدلا عما أفطرها. ولأوجبنا عليه الإمساك، لأوجبنا عليه أكثر مما أوجبه الله، لأننا حينئذ أوجبنا إمساك هذا اليوم مع وجوب قضائه، فأوجبنا عليه أمرين، مع أن الواجب أحدهما، وهو القضاء، عدة من أيام أخر. وهذا من أظهر الأدلة على عدم الوجوب. أما الرواية الثانية لإمام أحمد رحمه الله، فيجب عليهما الإمساك والقضاء، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وحجتهم قياس ذلك على ما إذا قامت البينة في أثناء النهار في رمضان، فإنه يجب الإمساك على من كان من أهل الوجوب. وهذا القياس فيه نظر، أولا: لأن من قامت عليه البينة في أثناء النهار، لا يباح له الفطر في أول النهار، لو علم بالهلال، أو لو علم بدخول رمضان، فلم يكن ممن يباح له الفطر ظاهرا وباطنا. وحقيقته أنه يحرم الفطر، لكنه معذور بعدم العلم، فلم يكن عليه حرج في أكله قبل العلم بالهلال، فأشبه الناس. ثانيا: ولأن من قامت عليه البينة في أثناء النهار فأمسك، له فائدة من الإمساك، على قول شيخ الإسلام رحمه الله، ومن وافقه، وذلك أن هذا الإمساك يفيده ويسقط عنه القضاء. فلا قضاء عليه على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه معذور بالأكل حيث لم يعلم بالهلال. مع أن الخرقي ذكر رواية: لا يلزمه الإمساك. وقال عطاء من التابعين: فيتبين أنه ليس مع القائلين بوجوب الإمساك على الحائض إذا طهرت، أو المسافر إذا قدم، إلا مجرد القياس على ما إذا قامت البينة في أثناء النهار. وأن هذا القياس فيه نظر، لعدم مساواة الفرع للأصل. إذا تبين ذلك، فالأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب. ولكن ينبغي أن لا يظهر الأكل والشرب علنا إذا كان في ذلك مفسدة. وهذا السؤال كما تقدم في الأسئلة السابقة: أن المرأة الحائض والمرأة النفساء إذا طهرتا في نهار رمضان، لا يلزمها الإمساك بقية اليوم. وأما ما استدل به من قياس، فإنه ليس بصحيح، كما بينا. رحمه الله تعالى، فالأدلة تدل على أنه لا دليل على أن تمسك المرأة إذا حاضت في نهار رمضان، أو إذا طهرت من حيضها، أو إذا طهرت من نفاسها. ولكن كما قال رحمه الله تعالى: أنها تأكل وتشرب، لكن لا تظهر ذلك علنا أمام الناس، فعليها أن تحترم هذا الوقت، فتأكل وتشرب في بيتها، وبعيدا عن أنظار الناس. سئل رحمه الله تعالى: امرأة تقول: جاءها الحيض وتوقف عنها الدم في اليوم السادس، من المغرب حتى الساعة الثانية عشرة ليلا، واغتسلت هذا اليوم، وصامت اليوم الذي بعده، ثم جاءتها كدرة بنية، وصامت هذا اليوم، هل يعتبر هذا من الحيض؟ أم أن عادتها تجلس سبعة أيام؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه الكدرة ليست من الحيض، الكدرة التي تصيب المرأة من بعد طهارتها، ليست بشيء. قالت أم عطية رضي الله تعالى عنها: «كنا لا نعدها شيئا». ولم تذكر بعد الطهر والحيض، دم ليس بكدرة ولا صفرة. وعلى هذا يكون صيام هذه المرأة صحيحا، سواء في اليوم الذي لم تر فيه الكدرة، أو اليوم الذي رأت فيه الكدرة، لأن هذه الكدرة ليست بحيض. أجاب رحمه الله تعالى عن هذا السؤال بما يتعلق بهذه المرأة التي رأت كدرة، رأت كدرة في اليوم السادس من أيام رمضان، من المغرب حتى الساعة الثانية عشرة ليلا، اغتسلت هذا اليوم، وصامت ثم سألت عن أمرها، وأنها جاءتها كدرة بعد هذا الاغتسال، يعني رأت الطهر واغتسلت، لأن الدم توقف عنها، فاغتسلت، ثم بعد أن اغتسلت وقد صامت، رأت كدرة بنية، أي نزل منها كدرة، وما بني هو كدرة. فتسأل عن حكم هذه الكدرة التي نزلت بعد الاغتسال، فهل هذا حيض أو ليس بحيض؟ فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى: أن هذه الكدرة التي نزلت بعد اغتسالها، وبعد طهرها من حيضها، ليست بشيء، لأن الكدرة بعد الطهر لا يعتد بها. فقد ثبت عن أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: «كنا لا نعد الكدرة بعد الطهر شيئا». فهي طهرت المرأة من حيضها، رأت الطهر، ثم اغتسلت، ثم جاءتها كدرة، نزل منها ماء وسخ بني، هل هذا حيض؟ لا، لأنه بعد الطهر. وإنما هذه الكدرة البنية إذا نزلت بعد الدم، يعني كانت حائضا، ثم بعدها توقف الدم، لكن لا زال يستمر خروج ماء بني، كدرة، ماء وسخ، ما حكم هذا الماء الوسخ؟ هذا يعتبر حيضا، فإذا كانت الكدرة بعد الحيض، يعني لم يفصل بينهما طهر، وإنما انقطع الدم، لكن لا زال يخرج وسخ، ماء وسخ، ليس دما، لكن ماء وسخ، فهذا الماء حكمه حكم الحيض. أما إذا انقطع الدم، طهرت، اغتسلت، وبعد ذلك، أي بعد الطهر، نزلت هذه الكدرة، وهذا الماء الوسخ، فهذا لا يعد حيضا، كما جاء عن أم عطية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وكما أخبرت بذلك، أن هذا كان يحدث في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم لا يعدون ذلك شيئا، أي من الحيض، وإنما هو طهر، والمرأة تصوم وتصلي، لأن هذا الذي ينزل من هذه الكدرة بعد الطهر، ليس من الحيض في شيء. ونكتفي بهذا، وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا.