الدرس في قبس من السيرة النبوية 31، تابع الحوادث التي تتعلق ببعثته عليه الصلاة . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بدأ الوحي برؤيا صالحة في المنام ثم نزل جبريل على النبي في غار حراء. تلى ذلك ردة فعل النبي وخديجة وورقة بن نوفل عند سماعهم للخبر.
استمرت الرؤيا الصالحة ستة أشهر لتُمهد النبي لاستقبال الوحي، وكان النبي يعتكف في غار حراء للتفكير في ملكوت السماوات والأرض. هذه الفترة كانت بمثابة تهيئة للنبي لاستقبال الرسالة.
يُشدد الإسلام على أهمية العلم، حيث كانت أول كلمة نزلت على النبي "اقرأ". يُقارن ذلك بالكنيسة في العصور الوسطى التي كانت تحارب العلم وتُحارب العلماء.
يتضمن المقطع الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُظهر التوجه الديني والالتزام بالتقوى. يُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَاسْتِئْنَافًا إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِلدُّرُوسِ، وَخُصُوصًا مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ دُرُوسِ السِّيرَةِ، وَالَّتِي كَانَ الْكَلَامُ فِيهَا حَوْلَ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ آخِرُ مَا تَوَقَّفْنَا عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي غَارِ حِرَاءٍ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ عَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمُفَادُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي أَنَّ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلَ مَا بَدَأَ بِهِ الْوَحْيُ كَانَ عَنْ طَرِيقِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، فَكَانَ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَأْتِي مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَانَ يَخْتَلِي فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَكَانَ يَذْهَبُ إلَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا، أَيْ بِالزَّادِ، ثُمَّ يَخْتَلِي فِي غَارِ حِرَاءِ اللَيَالِي ذَوَاتِ الْعَدَدِ. وَأَخَذَ نَبِيُّنَا فَتْرَةً مِنْ الزَّمَنِ عَلَى هَذَا الْحَالِ، حَتَّى فِي فَتْرَةٍ مِنْ الْفَتَرَاتِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَهُوَ نُزُولُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ فِي الْغَارِ، فَقَامَ جِبْرِيلُ وَأَمَرَ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ، وَنَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَقْرَأُ الْمَكْتُوبَ، مَا كَانَ يَقْرَأُ الْمَكْتُوبَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَقَامَ جِبْرِيلُ وَضَمَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَيْهِ ضَمًّا شَدِيدًا، فَصَنَعَ فِيهِ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، ثُمَّ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ الثَالِثَةِ، ثُمَّ قَالَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، الْآيَاتِ الْخَمْسِ الْأُولَى. ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْغَارِ وَهُوَ يَرْتَعِدُ فُؤَادُهُ، حَتَّى دَخَلَ إلَى خَدِيجَةَ، يَقُولُ لَهَا وَقَائِلًا لَهَا: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي. فَقَامَتْ خَدِيجَةُ، وَهِيَ الزَوْجَةُ الْمُطِيعَةُ الْعَاقِلَةُ، فَطَمَأَنَتْ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِعِبَارَاتٍ جَمِيلَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ: كَلَا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، كَلَا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا. ثُمَّ قَامَتْ خَدِيجَةُ وَأَخَذَتْ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى ابْنِ عَمِّهَا، وَهُوَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَوَرَقَةُ كَانَ رَجُلًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، وَقَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَةِ، فَكَانَ عَلَى دِينِ النَّصَارَى، وَكَانَ عَلَى عِلْمٍ بِعِلْمِ الْأَدْيَانِ. فَقَامَتْ خَدِيجَةُ وَذَكَرَتْ لِابْنِ عَمِّهَا مَا وَقَعَ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْغَارِ، فَعَلِمَ وَرَقَةُ مُفَادَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نُزُولِ الْمَلَكِ، فَقَالَ: ذَلِكَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ أَوْ يُؤْفِي عَلَى مُوسَى. وَأَخْبَرُوا أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّ قَوْمَهُ سَيُعَادُونَهُ، بَلْ وَسَيُخْرِجُونَهُ مِنْ بَلَدِهِ. ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: قَالَ فَمَا نَشِبَ أَنْ تُوُفِّيَ وَرَقَةُ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ. هَذَا الْحَدِيثُ بِخُلَاصَةٍ قَدْ تَمَّ قِرَاءَتُهُ فِي دَرَسِ الْأَخِيرِ، مَعَ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَالْأَلْفَاظِ فِي الصِّحَاحِ. وَهَمُّنَا الْآنَ أَنْ نُسَلِّطَ الْأَضْوَاءَ عَلَى أَهَمِّ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ وَالْوَاقِعَةِ مِنْهَا. أَوَّلًا: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَهِيَ تُسَمَّى أَيْضًا بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ، فَهِيَ رُؤْيَا جَمِيلَةٌ كَمَا يُفَسِّرُهَا الْعُلَمَاءُ، رُؤْيَا جَمِيلَةٌ يَنْشَرِحُ لَهَا الصَّدْرُ، يَنْشَرِحُ لَهَا الصَّدْرُ. فَكَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلَ مَا بَدَأَ بِهِ الْوَحْيُ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، يَرَى الرُّؤْيَا الْجَمِيلَةَ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَانْفَتَحَتْ نَفْسُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَانَ كُلُّ مَا يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ يَرَاهُ فِي الْوَاقِعِ عِيَانًا ظَاهِرًا، لَا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ أَبَدًا، مَا يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ يَرَاهُ قَضَّةَ الْقَذَّةِ وَالْحَبَّةَ بِالْحَبَّةِ، لَا يَخْتَلِفُ شَيْءٌ وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَمَّا رَآهُ فِي الْمَنَامِ. وَلِهَذَا عَبَّرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِقَوْلِهَا: فَكَانَ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَأْتِي كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَاضِحَةً جِدًّا، لَيْسَ هُنَاكَ اخْتِلَالٌ أَوْ اخْتِلَافٌ مَا رَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَالَ عُلَمَاءُ: مَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ الْوَحْيَ أَوَّلَ مَا بَدَأَ بِنَبِيِّنَا عَنْ طَرِيقِ الْمَنَامِ؟ قَالُوا: لَعَلَّ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّدْرِيبِ، وَأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّأْهِيلِ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالُوا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ مُبَاشَرَةً نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ الْعَيْنِيَةِ، لَرُبَّمَا اسْتَطَاعَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ شَيْئًا لِشِدَّةِ فَزَعِهِ وَخَوْفِهِ وَقَلَقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. لَكِنَّ جَاءَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مِنْ رُؤْيَا الصَّالِحَةِ تَمْهَدُ، تَمْهَدُ، تَمْهَدُ، حَتَّى جَاءَ هَذَا النُّزُولُ الْمَلَائِكِيُّ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا خَفَّفَ الْوَطْءَ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْهِيلِ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مُدَّةَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ اسْتَمَرَّتْ مَعَ نَبِيِّنَا إلَى نُزُولِ جِبْرِيلَ، لِمُدَّةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَانَتْ تُنْتَابُهُ هَذِهِ الْحَالَةُ، يَرَى الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ وَالرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ، حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَمِمَّا يُسْتَفَادُ كَذَلِكَ فَائِدَةٌ، ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْمَنَامِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ الْوَحْيِ، لَكِنَّ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي مَنَامِهِ قَطُّ. وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقْظَةً، الْقُرْآنُ بِرَمْتِهِ نَزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: رَبَّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ نَبِيُّنَا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَمِيلُ إلَى الْخَلْوَةِ، يُرِيدُ أَنْ يَخْتَلِيَ بِنَفْسِهِ. فَاتَّخَذَ مِنْ غَارِ حِرَاءٍ مَعْبَدًا لَهُ، يَذْهَبُ إلَى غَارِ حِرَاءٍ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَرَاضِي وَإِلَى الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ يَرَى، وَقَدْ عَلِمَ وَنَظَرَ إلَى هَيْئَةِ الْغَارِ، فَهُوَ فِي مُنَأَى عَنْ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ فِي بُعْدٍ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ أَهْلِهَا. فَكَانَ نَبِيُّنَا يَتَزَوَّدُ لِهَذِهِ الْخَلْوَةِ، فَيَبْقَى فِيهَا الْأَيَّامَ وَاللَيَالِي فِي دَاخِلِ الْغَارِ. وَقَالَ عُلَمَاءُ: وَالْخَلْوَةُ لَهَا فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِنْ ذَلِكُمْ أَنَّهُ يَنْشَغِلُ أَوْ يَنْقَطِعُ عَنْ مُشَاغِلِ الْحَيَاةِ وَعَنْ مُشَاغِلِ الدُّنْيَا وَعَنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ. فَلَا إشْكَالَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُخَالَطَةَ بِكَثْرَةٍ لِلنَّاسِ إنْ تَفْسِدُ تَفْسِدُ الْقَلْبَ، الْمُخَالَطَةُ بِكَثْرَةٍ تُفْسِدُ الْقَلْبَ. وَالْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَثْرَةُ الْإِخْوَانِ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ. لِأَنَّ كُلَّمَا صَاحَبْتَ إنْسَانًا أَوْ أَخِيتَ أَخًا فِي اللَّهِ أَوْ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ اللَّهِ، اتِّخَاذُ الْإِخْوَانِ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ تَسْتَجِبُ عَلَيْكَ الْكَثِيرُ مِنْ الْحُقُوقِ. إنْ ذَاكَ مَرِضَ تَعُودُهُ، ذَاكَ مَا تَشَيِّعُ جَنَازَتَهُ، ذَاكَ وَقَعَ فِي مُضِيقٍ تُسَاعِدُهُ، تَآنَسُهُ، فَتَتَرَتَّبُ الْحُقُوقُ عَلَيْكَ، فَمَا يَبْقَى شَيْءٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلِهَذَا فَالتَّقْلِيلُ مِنْ الْإِخْوَةِ هَذَا الْأَصْلُ، يُجْعَلُ لَكَ الْقِلَّةُ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِمْ، مَاذَا تَكُونُ بَيْنَكَ الْإِخْوَةُ صَادِقًا؟ أَمَّا تَتَوَسَّعُ فِي مُخَالَطَةِ النَّاسِ فَهَذَا مَذْمُومٌ. وَعَلَى هَذَا فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. فَكَانَ نَبِيُّنَا مِنْ خَلْوَتِهِ الِانْقِطَاعُ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ: فِي الْخَلْوَةِ كَذَلِكَ فِيهَا تَفْرِيغُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالنَّفْسِ، وَفِيهَا كَذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. يَنْظُرُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي خَلْقِ السَّمَاءِ، فِي خَلْقِ الْأَرْضِ، فِي خَلْقِ الْجِبَالِ، وَهَذَا مِمَّا يُعِينُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى مَا ذَاعَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ جَلَ وَعَلَا. وَكَمِيَّةُ الَْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُثَبِّتُ الْإِيمَانَ وَيُقَوِّي الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ. وَكَذَلِكَ فِي الْخَلْوَةِ وَالِاخْتِلَامِ تَجْمِيعٌ لِلْقُوَّةِ الْعَقْلِيَةِ وَالْفِكْرِيَةِ وَالْبَشَرِيَةِ إلَى آخِرِ ذَلِكَ. فَالْخَلْوَةُ عِبَادَ اللَّهِ مِنْ الْأُمُورِ النَّافِعَةِ لِلْمُؤْمِنِ. وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاءُ: وَمِنْ هُنَا شُرِعَ الْاعْتِكَافُ، شُرِعَ الْاعْتِكَافُ. لِأَنَّكَ تَخْتَلِي بِنَفْسِكَ، تَخْتَلِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ جَلَّ وَعَلَا، بِمُنَاجَاتِهِ، بِالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، بِالتَّأَمُّلِ فِي خَلْقِهِ جَلَّ وَعَلَا، بِالتَّنَظُّرِ فِي نَفْسِكَ وَفِي عُيُوبِكَ وَهَكَذَا. وَمِنْ هُنَا كَذَلِكَ جَنَحَ أَهْلُ السُّلُوكِ إلَى اسْتِحْبَابِ الْخَلْوَةِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَلِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْتَقِيَ مِرْتَقًى صَعْبًا فِيمَا تَأْذِيبِ الْأَرْوَاحِ، الْخَلْوَةُ وَالِاخْتِلَاءُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَالشَّاهِدُ: نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَذَلِكَ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَوْ فِي قِصَّةِ الْغَارِ فِيهَا نُزُولُ تِلْكَ الْآيَاتِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ هِيَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا كَمَا فَهِمَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَجَاءَ كَذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ آيَاتٍ نُزُولًا عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوَّلُ نُزُولًا عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ: اقْرَأْ، فِيهَا فَضْلُ الْعِلْمِ، أَوَّلُ كَلِمَةٍ سَمِعَهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اقْرَأْ. الْقِرَاءَةُ وَالْقِرَاءَةُ مِنْ أَوَّلِ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ، الْقِرَاءَةُ أَوَّلُ مَرَاتِبِ مِنْ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ. فَالْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ يَدْعُو، يَأْمُرُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَكُونَ قَارِئًا، بِأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّمًا، بِأَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مُتَفَقِّهًا، يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ وَيَتَعَلَّمُ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو، يَأْمُرُ بِخِلَافِ الْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ، الْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ، الْأَدْيَانِ الْمَاضِيَةِ. كَانَتْ تُحَارِبُ بِالْعِلْمِ، الْكَنِيسَةُ، وَمَنْ دَرَسَ، وَمَنْ قَرَأَ فِي تَعَالِيمِ الْمَسِيحِ الْمُشَوَّهَةِ عِنْدَ النَّصَارَى الْمُنْحَرِفَةِ. كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ أَلَدَّ عَدُوٍّ لِلْكَنِيسَةِ وَالْمَسِيحِيَةِ الْعِلْمُ. فَكَانُوا يُحَارِبُونَ الْعِلْمَ وَيُحَارِبُونَ الْعُلَمَاءَ، بَلْ كَانَتْ تُقَامُ الْمَجَاذِرُ وَتُقَامُ الْمَذَابِحُ وَتُقَامُ الْمَحَاكِمُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَنِ النَّصَارَى. إنْ وُجِدَ رَجُلٌ أَتَى بِفِكْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ تُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْإِنْجِيلُ، كَانَ يُذْبَحُ. وَلَهُ تَخَيُّلٌ: إذَا كَانَتْ الْكَنِيسَةُ تُحَارِبُ الْعِلْمَ، إذَا مَاذَا بَقِيَ لَهَا؟ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ فِي الزَّمَنِ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ، وَفِي الْقَرْنِ الْعَاشِرِ، وَفِي الْقَرْنِ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَفِي الْقَرْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ. كَانَ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْ الشَّعْبِ النَّصْرَانِيِّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ، يَعْنِي تَخَيَّلَ الْأُمَّةَ تَعُمُّ بِالْجَهْلِ. لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْعِلْمَ مَضِرَّةً عَلَى الْكَنِيسَةِ. فَكَانَ الْقِسِّيسُونَ يُحَارِبُونَ الْعِلْمَ، فَلَا أَحَدَ يَقْرَأُ. بَلْ كَانَ حَتَّى فِي الْكَنِيسَةِ، ذَكَرَتْ صَاحِبَةُ كِتَابٍ الْمُسْتَشْرِقَةُ الْأَلْمَانِيَةُ، أَلَفَتْ كِتَابًا بِاسْمِ: شَمْسُ الْعَرَبِ تَسْطَعُ عَلَى الْغَرْبِ، شَمْسُ الْعَرَبِ تَسْطِعُ عَلَى الْغَرْبِ. ذَكَرَتْ فَضْلَ الْإِسْلَامِ وَفَضْلَ الْعِلْمِ، وَكَانَتْ تُقَارِنُ بَيْنَ حَالِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حَالِ النَّصَارَى، وَدَغَتْ فِي بَابِ الْعِلْمِ. ثُمَّ قَارَنَتْ، قَالَتْ: إنَّ فِي ذَاكَ الزَّمَنِ كَانَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ فِي الْكَنِيسَةِ، كَانَ مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ الْخَطَّ، مَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ كِتَابًا، رِسَالَةً، كُلُّهُمْ يَقْرَأُ: هَلْ تَقْرَأُ؟ مَا أَعْرِفُ أَقْرَأُ، مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْقِرَاءَةَ أَبَدًا. قَادَ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ وَفِي نَفْسِ الزَّمَنِ، كَانَ الصِّغَارُ، صِغَارُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكُتَّابِ يَقْرَأُونَ وَيَكْتُبُونَ وَيَحْفَظُونَ. انْظُرْ، انْظُرْ الْفَرْقَ. لِأَنَّ الْكَنِيسَةَ حَارَبَتْ الْعِلْمَ، بَيْنَمَا الْإِسْلَامُ قَدْ عَظَّمَ الْعِلْمَ. أَوَّلُ آيَةٍ نُزُولًا عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. فَفِيهَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فَضْلُ الْعِلْمِ. وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ مَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ فَوَائِدَ وَعِبَرٍ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.