الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
الباعث الخامس للخلاص من الذنوب يتمثل في مشاهدة ما يفوت العبد من خير الدنيا والآخرة بسبب المعصية، حيث يفقد الأسماء الممدوحة ويكتسب المذمومة. ويؤكد الحديث أن الزاني يسلب إيمانه ساعة الفعل، فيصبح عارياً من لباس الإيمان كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في التنور.
تؤدي المعاصي إلى حرمان العبد من الخيرات الدنيوية مثل شرح الصدر والبركة، والخيرات الأخروية كدخول الجنة ونيل رضوان الله. كما تعرض المرتكب لألقاب مذمومة تلازمه كزانٍ وسارق ومرتشٍ.
تسلب المعاصي العبد صفات المدح كالأمانة والصدق والوفاء، وتستبدلها بذمائم الأخلاق. وأقل قدر من الإيمان خير من الدنيا وما فيها، ولذة المعصية زائلة تتبعها حسرة وندم طويل.
يعد استحضار مشهد فوات الخير الناتج عن الذنوب من أقوى الدوافع والزواجر التي تمنع المسلم من ارتكاب المحرمات. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة مع بواعث الخلاص من الذنوب من كلام الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى. قال: الخامس: مشاهدة الفوات، مشاهدة الفوات. قال: وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلاً وشرعاً وعرفاً، ونزوله عنه من الأسماء الممدوحة شرعاً وعقلاً وعرفاً. قال: ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان، الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافاً مضاعفة، فكيف ببيعه بشهوة تذهب لذتها وتبقى سوء معيشتها؟ تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزن الزاني حين يزني وهو مؤمن». قال بعض الصحابة: ينزع، أو ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة، فإن تاب رجع إليه. وقال بعض التابعين: ينزع عنه الإيمان كما ينزع عنه القميص، فإن تاب لبسه. ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه الزناة في التنور عُراة، لأنهم تعرّوا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنوراً ظاهراً يُحمى عليه في النار. وهذا أيها الإخوة في الله مشهد عظيم، والمقصود منه وخلاصته أن الشخص إذا وقع في المعصية واقترف الخطيئة ينبغي أن يستشعر الخير الذي سيفوته بسبب ذلك، سواء كان هذا الخير دنيوياً أو كان هذا الخير أخروياً. خير دنيوي: كانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة الجوارح، كالبركة التي يجعلها الله عز وجل في أهل الطاعة من إطالة العمر، والبركة في الزوجة والولد والمال وغير ذلك، هذا من الخير الدنيوي. وأما الخير الأخروي الذي أعده الله عز وجل لمن امتثل الأوامر والواجبات واجتنب الخطايا والمحرمات فهو شيء عظيم، ومن ذلك جنة عرضها السماوات والأرض، وهكذا رضوان من الله أكبر، إلى غير ذلك من هذا الخير الذي قد يفوت كله أو بعضه على من يقترف المعاصي ويتساهل في فعل الخطايا والذنوب. زد على ذلك أن من يقترف هذه الذنوب وهذه المعاصي كم سيسمّى بأسماء مذمومة وقبيحة، فمن وقع في الزنا سيقال له ماذا؟ الذي يقع في الزنا ماذا سيقال له؟ زانٍ. نعم، أحسنت. والذي يقع في السرقة عندك يا محمد ماذا سيقال له؟ سارق. والذي يقع في الرشوة سيعرف عند الناس أنه مرتش، وهكذا غيرها من أصناف المعاصي التي من وقع فيها وعرف بها أصبح ماذا يطلق عليه من هذه الأسماء المذمومة، سواء كان مذموماً شرعاً أو عرفاً أو عقلاً. وتزول عنه الأسماء الممدوحة، فيزول عنه اسم الأمين بسبب خيانته، واسم الصادق بسبب كذبه، وهكذا اسم الوفاء بسبب غدره، وهكذا غيرها من الأسماء الممدوحة التي تزول عنه بسبب هذه الأفعال المذمومة التي يقع فيها. وذكر رحمه الله تعالى أن من أعظم مشاهد الفوت أو الفوات هو أن يفوته ويذهب عنه شيء من الإيمان، ولو كان قليلاً، ولو كان قليلاً. قال رحمه الله تعالى: قال: «مثقال ذرة» أي من الإيمان خير من الدنيا وما فيها أضعافاً مضاعفة، أضعافاً مضاعفة. قال: فكيف بمن يبيعه بشهوة تذهب لذتها وتبقى سوء معيشتها؟ اللذة يا إخوان لا تستمر، التي تكون نتيجة الوقوع في المعاصي قد تستمر دقائق، ربع ساعة، نصف ساعة، قد تستمر ساعة، ساعتين، لكن يعقبها الندم، ويعقبها الضيق والحزن والألم بسبب ماذا؟ بسبب الوقوع في هذه اللذات المحرمة والشهوات، كذلك أيضاً المحرمة، الشهوات المحرمة. فإذن يا إخوان، العاقل واللبيب لا يضيع لذة دائمة بلذة فانية، لا يضيع نعيم الجنة، بل وقبل ذلكم نعيم الدنيا بسبب هذه الملذات وهذه الشهوات المحرمة. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، لم يشربها في الآخرة، وهذا يحمل على ما إذا مات ولم يتب إلى الله عز وجل من ذلك، وهكذا قل في غيرها من المحرمات التي قد يتساهل فيها العبد فيفوته من الخير الكثير أو القليل، سواء كان هذا الخير دنيوياً أو كان هذا الخير أخروياً. فكون المسلم يستحضر ويستشعر ويتذكر هذا المشهد، مشهد فوات الخير بسبب الوقوع في هذه الذنوب وهذه المعاصي، يعتبر من أعظم الدوافع وأبلغ الزواجر التي تجعله يبتعد عن الوقوع في مثل هذه المحرمات. وبهذا نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر