الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 74، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح معنى اسمي الله القابض الباسط ودلالتهما على كمال قدرة الله، ويبين أهمية ذكرهما معًا واستدلالات القرآن والسنة عليهما. يُظهر أن هذين الاسمين يدلان على قدرة الله في البسط والقبض.
يشرح أن الله يبسط الرزق ويقبضه بحكمة، وليس ذلك دليلاً على محبته للعبد، وإنما الميزان هو التقوى. يشير إلى أهمية الأخذ بالأسباب مثل صلة الرحم لتحصيل الرزق.
يؤكد على أهمية الإخلاص في الأعمال وجواز طلب الثواب الدنيوي والأخروي، ويشدد على اتباع الأسباب الشرعية لتحصيل الرزق مع عدم التفريط في الواجبات.
يتضمن دعاءً إلى الله لطلب الرزق الحلال الذي يعين على ذكره وشكره وحسن عبادته، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "القابض الباسط". القابض الباسط فالقابض الباسط من أسماء الله جل وعلا، فمن أسمائه جل وعلا القابض، ومن أسمائه جل وعلا الباسط. والأدب في هذين الاسمين أن يذكر معنى، فيقال: الله جل وعلا القابض الباسط. فليس من الأدب أن يذكر القابض وحده، فيقال: الله هو القابض لا، وإنما يقال: القابض الباسط. أشار إلى هذا الزجاج -رحمه الله- في شرحه لأسماء الله الحسنى، وغيره من أهل العلم. وذلك لأن كمال القدرة يكون بذكر هذين الاسمين معًا، كما لو قلت: فلان أمري أو قبضي وبسطي إليه، فهذا فيه الكمال. لكن لو قلت: فلان إليه أمر قبضي، فليس فيه كمال. لكن فلان إليه أمر قبضي وبسطي، ففيه الكمال. ومعنى أن فلانًا أمرك بيده، أي: كل أمرك. والله جل وعلا الذي بيده الأمر كله جل وعلا، فلذلك من الأدب أن يقال: الله جل وعلا القابض الباسط. وليس من الأدب أن تدعوه وتقول: يا قابض، يا قابض كذا وكذا تدعو بشيء، وتقول: يا قابض، لا القابض الباسط. فالقابض من أسماء الله، والباسط من أسماء الله جل وعلا. دل على هذين الاسمين حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- كما عند أصحاب السنن، وهو في المسند بإسناد الإمام أحمد -رحمه الله-. صححه العلامتان الألباني والوادعي -رحمة الله تعالى عليهما- وغيرهما من أهل العلم. قال أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-: "غل السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، لو سعرت؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال". ففي هذا الحديث ذكر النبي عليه الصلاة والسلام القابض الباسط، وهما من أسماء الله جل وعلا. في الحديث كذلك ذكر المسعر، ولذلك أثبته طائفة من العلماء اسمًا لله جل وعلا. ومن المعاصرين العلامة ابن باز -رحمة الله تعالى عليه-، وهكذا شيخ العلامة الوادعي -رحمه الله تعالى-، وطائفة من العلماء. ففي هذا الحديث ذكر النبي عليه الصلاة والسلام القابض الباسط، فالقابض من أسماء الله، وهكذا الباسط. ومعنى القابض الباسط يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى- في كتابه "توضيح الحق المبين في توحيد الأنبياء والمرسلين"، عند قول الإمام المقريزي -رحمه الله تعالى- في نونيته: "هو قابض هو باسط هو خافض هو رافع بالعدل والميزان". قال العلامة السعدي: "القابض: أي القابض للأرزاق وللنفوس والأرواح. الباسط: للأرزاق وللرحمة وللنفوس". فالله جل وعلا هو القابض الباسط، ومن أوصافه القبض والبسط. وإلى الله جاءت آيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا في بيان أنه جل وعلا يقبض ويبسط. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾. قال جل وعلا: ﴿قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾. فالله جل وعلا القابض الباسط الذي بيده القبض والبسط. وقال جل وعلا: ﴿والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون﴾. فهو جل وعلا قابض باسط الذي يقبض ويبسط. وهكذا ثبت بسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام في وصف الرب جل وعلا، وفي وصف يديه سبحانه وتعالى: "بيده القبض والأخرى البسط". وهكذا الخفض والرفع. فالله جل وعلا القابض الباسط الذي بيده القبض والبسط. وقبضه جل وعلا وبسطه القابض الباسط لحكمة وبحكمة. فأفعاله جل وعلا أفعال حكمة. فهو يقبض الرزق ويضيقه على من شاء من عباده لحكمة وبحكمة، ويرزق الرزق لمن يشاء من عباده لحكمة وبحكمة. لأن من الناس من لا ينفعه بسط الرزق، إذا بسط له في رزقه يضره ذلك، ربما يترك الطاعات، ربما يتجبر، ربما يتكبر، ولا يصلحه إلا أن يضيق عليه في رزقه. فإذا ضيق عليه في رزقه أناب وتاب واستغفر. والله جل وعلا أرحم بنا من أنفسنا. فكم من الناس من يظن أن الغنى يصلحه، وأن بسط الرزق أنفع له مما هو عليه من هذا الحال من شيء من التضييق في الرزق. ولا يعلم المسكين أن ذلك فضل الله عليه وعدل الله جل وعلا ورحمته به. لو أنه بسط له الرزق ربما لا يكون على هذا الحال الذي عليه من محافظة على الجماعات في بيوت الله جل وعلا، ومن المحافظة على العلم الشرعي وطلبه، وكذلك المسابقة والمنافسة في الخيرات. فالله جل وعلا هو الذي خلق، وهو الذي يعلم ما يصلح عباده. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ وهكذا من الناس من لا ينفعه الفقر والتضييق في الرزق، ربما والعياذ بالله يجحد، ربما كذلك يكفر. ولذلك من رحمة الله جل وعلا أن بسط له الرزق، وهذا من فضل الله جل وعلا كما هو عدله سبحانه وتعالى. ﴿ذلك فضله يؤتيه من يشاء﴾. إذًا الميزان ليس بالقبض والبسط، ليس الميزان القبض والبسط، فنحكم على من بسط الله جل وعلا عليه في رزقه لأن الله يحبه، ومن ضيق الله جل وعلا عليه في رزقه معناه أن الله جل وعلا لا يحبه، هذا مفهوم خاطئ. الميزان التقوى، الميزان الاستقامة. وقد أراد الله جل وعلا هذا الميزان وهذا المفهوم الخاطئ حيث جعل كثير من الناس الميزان هذا الميزان: من ضيق عليه في رزقه فالله لا يحبه، ومن بسط له في رزقه فالله يحبه. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا﴾. ليس هذا، ليس من بسط الله جل وعلا عليه في الرزق معنى أكرمه ومعنى أحبه، وليس من ضيق الله جل وعلا وابتلاه فقدر عليه رزقه بمعنى ضيقه معنى أنه غير كريم عند الله جل وعلا، وأن الله لا يحبه. لا، الميزان الطاعة والاستقامة والتقوى. كم من الناس من ضيق عليهم في أرزاقهم فكانوا من أول الناس ومن السابقين إلى الجنان وإلى رضوان الله سبحانه وتعالى؟ وكم من الأغنياء من كانوا من أهل النيران؟ وهكذا كم من الأغنياء من أخرتهم أموالهم وحبستهم وجعلتهم متأخرين عن أولئك الفقراء الذين سبقوهم إلى الجنة؟ فالأمر إنما هو بالتقوى. ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وليس معنى هذا أن الإنسان لا يأخذ بأسباب بسط الرزق، فلا يقول الشخص: لا يقول الله جل وعلا القابض الباسط، فمن بسط عليه ومن قبض وضيق عليه فالأمر قد حتم، فلا يحتاج إلى الأخذ بأسباب بسط الرزق. لا، أنت يا عبد الله إلى من تشعر بيديك في رزقك، فلا تجعل ذلك مانعًا من الأخذ بالأخذ بأسباب بسط الرزق. اسعى واطلب بسط الرزق من الباسط جل وعلا، وذلك برقابة الشرع في الأخذ بأسباب بسط الرزق. وذكر الثواب الدنيوي مع الثواب الأخروي فيه كما في حديث أنس المتفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في عمره فليصل رحمه". إذًا أرشد الشرع إلى صلة الرحم، وأخبر أن صلة الرحم سبب لبسط الرزق. إذًا فيه ترغيب، رقب الشرع رقب النبي عليه الصلاة والسلام في تحصيل هذا البسط الرزق بصلة الأرحام. وصلة الأرحام مطلوبة. فمن الناس ربما يقطع أرحامه، لكن إذا علم أن الشرع رغب في هذا الثواب، ليس فقط الأجر في الآخرة، لا، حتى الأجر في الدنيا والثواب العاجل من سعة الرزق وبسط الرزق، وهكذا طول العمر، فيسعى. فإذا فعل ذلك ابتغاء الأجر الدنيوي فقط مع عدم استحضار الثواب الأخروي، فعمله فاسد. ومن أراد الأمرين فذلك جائز. فعندنا من الأعمال ما ذكر الشرع فيها الترغيب بتحصيل الثواب الدنيوي، ومن الأعمال ما لم يذكر فيها الترغيب بتحصيل الثواب الدنيوي. فالأعمال التي لم يذكر فيها الترغيب بحصول الثواب الدنيوي، فالواجب في هذا الإخلاص، وأن يطلب ذلك العمل، يفعل لأجل الثواب الأخروي فقط. فإذا طيب معه الثواب الدنيوي والشرع لم يجعل ذلك، فقد ربح ولم يخلص في عمله. لكن هناك من الأعمال ما ذكر الشرع فيها الترغيب بتحصيل الثواب الأخروي وبتحصيل الثواب الدنيوي، مثل صلة الرحم. رقب الشرع في فعل هذا العمل بذكر ثوابين يحصلان للفاعل: الثواب الأخروي وهو الأجر والثواب من الله عز وجل، والثواب الدنيوي وهو طول العمر وسعة الرزق. إذًا هذا لا بأس به، أن يصل العبد رحمه يريد بذلك الثواب الأخروي والثواب الدنيوي. ولا شك أن من فعل ذلك ارتغاء الثواب الأخروي كان أفضل وأفضل. لكن من حيث الجواز هو جائز، لأن الشرع قد رغب بتحصيل هذا الثواب الدنيوي أيضًا مع تحصيل الثواب الأخروي. فهذا يدلنا على أنه جل وعلا القابض والباسط، ليس معناه أنه لا يحب من عباده أن يأخذ بأسباب بسط الرزق ممن ضيق عليه رزقه، بل اسعى في الهلال، اسعى في بسط رزقك من الباسط جل وعلا، لكن بالأسباب الشرعية. وليس على حساب ترك الواجبات، ترك الفرائض والتقصير في أداء الحقوق والواجبات تجاه أولادك أو تجاه أرحامك أو كذلك تجاه أهلك. لا، ليس شيء يحصل على حساب شيء، بل لأهلك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، ولولدك عليك حقًا، فأعط كل حق حقه، ولربك عليك حق وهو أعظم الحقوق. فبسط الرزق يكون مطلوبًا من العباد تحصيله، لكن ليس على حساب الدين، وليس على حساب التفريط في أمر آخر. فأنت ربما تسعى إلى هذا الأمر الذي هو ليس بفرض عليك أن تحصله، فتترك فرضًا كما هو حال طوائف من الناس اليوم إلا من رحم الله. يسعى في بسط الرزق ويريد أن يعني يحسن من حاله كما يقال: أن يكون له البيت، أن تكون له السيارة، وكل هذه الأشياء مباحة. لكن لا تحصل هذه الأشياء بمقابل التفريط هناك في أمور وواجبات افترضت عليك. إذا استطعت أن تحصلها من غير تضييع ومن غير تفريط فالحمد لله. لكن إذا ستكون على حساب التفريط وعلى حساب التضييع فلا تفعل، وإنما عليك أن تفعل ما تستطيع، فلا تضيع حقًا بتحصيل حق آخر، وربما تضيع ما هو فرض لتحصيل مستحب أو أصل لتحصيل كمال. وكل ذلك ينبغي للعبد أن يتفطن له. وهكذا كذلك عليك أن تأخذ بالأسباب أسباب بسط الرزق: التقوى، التوكل، الإنفاق في سبيل الله، فهذه كلها أسباب ذكرت في كتاب الله، والسنة دالة على بسط الأرزاق. وهكذا الدعاء، تدعو الله جل وعلا، وخاصة إذا حصل عندك ضيق في الرزق. نعم، وتريد البسط في الرزق من الله جل وعلا، تدعو. النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد كما جاء عند الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد من حديث رفاعة الزرقي -رضي الله تعالى عنه- دعا أن يسلم يوم أحد، ثم انكفأ المشركون، فقال لأصحابه: "استووا خلفي حتى أدعو ربي". فكان دعا بدعاء عظيم طويل، ومنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت". ومعنى توسل باسمه جل وعلا القابض الباسط بأن يبسط له الرزق، وللصحابة. ولذلك عليك عبد الله أن تدعو وتتوسل في دعائك لله سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن بسط له رزقه بما يوافق شرعه جل وعلا، وما كان عونًا في ذكره وشكره وحسن عبادته جل وعلا. إنه القابض الباسط. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.