شرح الجوهرة الفريدة 45

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 45، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

رؤية النبي لربه يوم القيامة وتفسيرها

اختلف السلف في رؤية النبي لربه يوم القيامة، والصحيح أنه لم ير ربه بعينه بل بفؤاده استنادا إلى رواية ابن عباس في صحيح مسلم. رؤية الله في الدنيا مستحيلة حتى للأنبياء.

رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة وتوضيحها

النبي لم ير ربه ليلة الإسراء والمعراج، ورؤية المؤمن لربه في المنام ممكنة إذا كان إيمانه صحيحا. رؤية الرب في الدنيا غير ممكنة عموما، وإنما رأى آيات ربه الكبرى.

الإيمان بالقدر خيره وشره وأدلته

الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، ويعني تقدير الله للأشياء في الأزل. الأدلة من القرآن والسنة تؤكد وجوب الإيمان بالقدر ومشيئته النافذة.

أدلة السنة ومراتب القدر والختام

سيتم ذكر أدلة من سنة رسول الله ومراتب القدر ومن ضل في هذا الباب. الختام كان بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه مع التعليق على الأبيات اللاحقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمما يتعلق بمبحث الرؤية، أي رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة، ما حصل من خلاف بين السلف رحمهم الله تعالى في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لربه بعينه، هل رأى النبي عليه الصلاة والسلام ربه أم لم يره؟ والصحيح في هذا أن الثابت ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه بفؤاده، بقلبه. فرؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه كانت رؤية قلبية، رؤية بالفؤاد، ليست رؤية بالبصر. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه مرتين، مرة بفؤاده ومرة بعينه، لكن هذا لم يثبت عن ابن عباس، فالأول في صحيح الإمام مسلم، وهو صحيح. وأما هذا الذي جاء عن ابن عباس فهو ضعيف، ففي إسناده مجالد بن سعيد، ومجالد بن سعيد وهو ضعيف، وهكذا في بعض طرقه ابن جريج، وهو مدلس، وفيه علل أخرى. فإذا نتثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بفؤاده، فهذا ثابت صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأما الرواية الأخرى عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه، فهذه رواية ضعيفة، ليست بصحيحة. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى أيضا عن عائشة، لما سألها مسروق، سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه؟ قالت: قف شعري مما قلت، لقد قف شعري مما قلت، من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب، ومعناه أنه عليه الصلاة والسلام لم ير ربه بعينه. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لم يثبت عن الصحابة أو عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه. وقال هذا ابن كثير رحمه الله في تفسيره: لم يقل أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن أو إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه بعينه، وإنما الروايات جاءت مطلقة عن ابن عباس، وكذلك جاءت مطلقة، وجاء في بعضها كما سمعتم أنه قال: بفؤاده، وهي الرواية الثابتة الصحيحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فإذا الصحيح في هذه المسألة أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه بعينه حين عرج به؛ لأنه لا يرى أحد ربه جل وعلا في الدنيا، لا الأنبياء ولا غير الأنبياء. وقد قال جل وعلا لموسى: لن تراني. وقد قال عليه الصلاة والسلام: اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا. ولما سئل عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم، قال: سأل النبي عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ قال عليه الصلاة والسلام: نور، أنى أرى نور، يعني هو نور، كيف أرى؟ فأن بمعنى كيف، يعني أنه جل وعلا نور، لا يمكن أن يراه أحد، فنفى النبي عليه الصلاة والسلام رؤيته لربه بهذا. وهناك رواية أخرى: رأيت نورا، أيضا هي في مسلم، لكن بعض العلماء انتقدها. وحديث آخر: حيث بموسى الأشعري، قال عليه الصلاة والسلام أيضا، وهو في الصحيح، في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. فإذا هذه الأحاديث تدل بوضوح على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه ليلة أعرج به، وإنما رأى من آيات ربه الكبرى، رأى آيات عظيمة حين عرج به عليه الصلاة والسلام، وليس من ذلك أنه رأى ربه جل وعلا؛ لأنه حين سئل قال: رأيت، قال: نور أن أراه، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه جل وعلا ليلة أعرج به عليه الصلاة والسلام، لا كان أولى أن تذكر؛ لأنه من أعظم الآيات. إذا كان بسلم رأى ربه ليلة أعرج به، لكانت أعظم الآيات التي رأاها النبي عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج هي رؤية الرب الكريم سبحانه وتعالى، ومع هذا لم تذكر، وإنما ذكرت آيات أخرى: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، فلو كانت الرؤية مما رأى، لا كان من باب أولى أن تذكر؛ لأنها من أعظم الآيات، تكون بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان قد رأى ربه ليلة أعرج به، لا جاء ذلك مذكورا في كتاب الله جل وعلا؛ لأنه يكون من أعظم الآيات التي رأاها، لكن لم يذكر، فدل على أنه رأى من آيات ربه الكبرى، وليس من ذلك رؤيته جل وعلا لربه بعينه. وإنما رأى النبي عليه الصلاة والسلام ربه بفؤاده وبقلبه، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بل وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث حسنه بعض العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وشيخ الإسلام قبله ابن تيمية، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: رأيت ربي ليلة البارحة في أحسن صورة، رأيت ربي ليلة البارحة في أحسن صورة. فهذه الرؤية التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام لربه هي رؤية بقلبه عليه الصلاة والسلام، وبفؤاده، وليست بعينيه. وإنما الرؤية التي تكون بالعينين إنما تكون يوم القيامة، إنما تكون يوم القيامة، ولا تكون في الدنيا. ومن مسائل مبحث الرؤية كذلك ما يتعلق بمسألة: وهي هل يرى المؤمن ربه جل وعلا في المنام؟ هل هذا ممكن أن يرى العبد ربه جل وعلا رؤية منامية أم لا يمكن ذلك؟ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى ذكر إمكان ذلك، قال: ممكن للمؤمن أن يرى ربه جل وعلا في المنام إذا كان إيمانه صحيحا، إذا كان إيمانه صحيحا واعتقاده صحيحا سليما، يمكن أن يرى ربه رؤية منامية في صورة حسنة بقدر إيمانه، بقدر إيمانه. ومن العلماء من قال: لا يمكن ذلك. ولعل الصحيح - الله أعلم - أن عموم النفي في قوله عليه الصلاة والسلام: اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، أن الله جل وعلا لا يرى، لا رؤية منامية ولا رؤية يقظة. ولكن هذا اجتهاد من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، نظر في بعض النصوص فقال بذلك، وإلا فالنصوص وعموم النصوص تدل على أن رؤية الرب جل وعلا لا غير ممكنة، غير ممكنة في الدنيا، ومنها كذلك الرؤية بالقلب، باستثناء النبي عليه الصلاة والسلام لورود الدليل الخاص به. فدلت الدلة على خصوصية النبي عليه الصلاة والسلام، فهو عليه الصلاة والسلام رأى ربه بفؤاده، فهل نقول: كل مؤمن إذن يمكن أن يرى ربه بفؤاده؟ نقول: لا، هذا الباب توقيفي، فعندنا نصوص عامة تنفي رؤية أحد لربه، وهي شاملة للرؤية بالقلب والرؤية بالعين، لكن دلت أدلة ثابتة صحيحة عن نبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى ربه، أنه رأى ربه عليه الصلاة والسلام بفؤاده، كما قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكما قال نبي عليه الصلاة والسلام: رأيت ربي ليلة البارحة في أحسن صورة، فيكون هذا خاصا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يقال لغيره من المخلوقين ومن الناس. فهذا هو خلاصة هذه المسألة فيما يتعلق بهل ممكن أن يرى المؤمن ربه في المنام أم لا؟ وإما يدل على ذلك أيضا قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهذا أيضا نص قد يستدل به أيضا في هذا؛ لأن العبد مهما رأى في منامه فإن الله جل وعلا ليس كمثله شيء. قال رحمه الله تعالى: فصل باب الإيمان بالقدر خيره وشره، قال رحمه الله تعالى: كذلك بالقدر المقدور نؤمن من خير وشر، وذا في ديننا عمد، ولا منافات بين الشرع والقدر المحتوم، لكن أولو الأهواء قد مرد، فإن الإيمان بالأقدار مرتبط بالشرع دون هذا ليس ينعقد إيمانه، نعبد إذعانا لشرعته، بالنهي منزجرين، الأمر نعتمد، ونستعين على كل الأمور به، إذ كلها قدر من عنده، ترد، أحاط علما بها ربي وقدرها، دقا وجلا، ومن يشقى ومن سعد من قبل إيجادها حقا، وسطرها في اللوح جفت بها الأقلام والمدد، كيفية وزمان والمكان، فلا يعد أمرء ما قضاه الواحد الصمد، بقول كن ما يشاء، أنظى بقدرته بالخلق والأمر، رب العرش منفرد، وقدرة العبد حقا مع مشيئته، لكن لما شاء منه الله نعتقد، إذ كان ذاتا وفعلا كله عدم، إلا إذا جاءه من ربه المدد، من يهده الله فهو المهتدي، وكذا من شاء إضلاله أن له الرشد. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع، بعد أن تكلم عن الإيمان باليوم الآخر، وما يتقدمه من الأشراط، وما يكون كذلك في اليوم الآخر من أمور، من موازين وصراط وحساب وشفاعة ورؤية رب العالمين جل وعلا، أشار بعد ذلك إلى الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره. فالإيمان بالقدر خيره وشره هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق الإيمان إلا بها، فمن آمن بالأركان الخمسة ولم يؤمن بالإيمان ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، فلا ينفعه إيمانه، بل لابد من الإيمان بهذه الأركان الستة، ومنها الإيمان بالقدر خيره وشره. والقدر لغة هو التقدير، ويقال كذلك هو ترتيب الشيء مع الشيء على وفق ما، فإذا رتب الشخص شيئا بعد شيء قدر ذلك، معناه قدر ذلك. وأما المراد به في الاصطلاح فهو تقدير الله جل وعلا للأشياء في الأزل، تقدير الله جل وعلا للأشياء في الأزل، وعلمه بها سبحانه وتعالى قبل وقوعها، وكتابته لها، ومشيئته النافذة التي لابد من وقوعها، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه جل وعلا خالق الأشياء. فالقدر معناه ما قدر الله سبحانه وتعالى في الأزل، علمه وكتبه وشاءه وخلقه. ودلة الأدلة الكثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام على وجوب الإيمان بالقدر، فالقرآن فيه يقول جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وقال جل وعلا أيضا في كتابه الكريم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾، يعني مجيئك إنما كان بقدر سابق قد قدر. وهكذا الآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا في وجوب الإيمان بالقدر، وهكذا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، من ذلك ما جاء في صحيح مسلم، وهو عند البخاري كذلك في حديث جبريل الطويل، حيث سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». وسنذكر الأدلة أيضا الأخرى من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا، ومراتب القدر، ومن ضل في هذا الباب، ونعلق على الأبيات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى - باقي المقام لذكرها - إن شاء الله في درسنا اللاحق، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.