حلية طالب العلم 47

الدرس في حلية طالب العلم 47، ألقاها

أهمية كبر الهمة في طلب العلم

يُناقش أهمية كبر الهمة في حياة الطالب العلمية، حيث يشير إلى ضرورة أن يكون للطالب همة عالية في طلب العلم ونيل مقصوده. يُستدل على ذلك بآيات قرآنية وأقوال العلماء مثل ابن القيم.

التفريق بين كبر الهمة والكبر

يشرح الفرق بين كبر الهمة والكبر، حيث يُوضح أن كبر الهمة يجعل الإنسان يسعى إلى الفضائل، بينما الكبر هو التعالي على الناس والتجبر عليهم. التفريق بينهما مهم لعدم الخلط بين صفة النفض والتحلي بالفضائل.

علو الهمة في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها

يُبيّن أن الشريعة الإسلامية تحث على علو الهمة وترفعها عن الأمور الدنيوية، ويُدل على ذلك بأمثلة فقهية متعلقة بالوضوء والتيمم وقبول الهبات، مشيرًا إلى تحذير الشرع من بعض السلوكيات التي قد تنال من كرامة الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الفصل الخامس: آداب الطالب في حياته العلمية. آداب الطالب في حياته العلمية، أي في مدة حياته العلمية، ينبغي له أن يتحلى بآداب. فذكر رحمه الله تعالى هاهنا قال: كبر الهمة. كبر الهمة في العلم، بمعنى أن يكون الطالب ذا همة عالية، ذا همة كبيرة لنيل مقصوده. فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. فالإنسان كلما كبرت همته، كلما اشتد سعيه في طلب العلم، وكلما قوي أخذه للعلم. وتأمل في قول الله جل وعلا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، فأخذ العلم يحتاج إلى همة عالية. وتأمل كذلك في قول الله جل وعلا عن إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، هذه همة عالية أن تكون همة العبد أن يكون للمتقين إمامًا، يقتدى به، ويدل الناس إلى الله جل جلاله، ويوصلهم إلى ربه جل وعلا. لذا قال الإمام العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مدارج سالكين»: «وأعلى همة ما اتصلت بالحق سبحانه، طلبًا وقصدًا، وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحًا». وهذه همة الرسل وأتباعهم. قال: «وصحتها بتمييزها من انقسام طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها، بل توحد مطلوبها بالإخلاص، وطلبها بالصدق، وطريقها بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه الله دليلًا، لا من نصبه هو دليلًا لنفسه». قال رحمه الله: «ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها، فمنهم من تكون همته متعلقة بما فوق العرش، وهمة حائمة حول الأنتان والحشوش». قال رحمه الله تعالى: «من تجليات الإسلام التحلي بكبر الهمة». مركز السالب والموجب في شخصك، أي هذه الهمة إما أن تجعلك متقدمًا مسارعًا في الخير وفي العلم وفي الطاعة، وإما أن تكون الهمة سافلة. وبين ذلك مراتب لا يعلمها إلا الله، والناس بحسب همتهم يكونون، أي تكون مراتبهم. فمنهم من تكون همته عالية، ومنهم من يقارب ذلك، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: «كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجدود، أي غير مقطوع، بل متصل لترقى إلى درجات الكمال». والإنسان بطبعه ساع إلى ذلك ممن كمل إيمانه ووفر عقله وسلمت فطرته، يسعى إلى تكميل نفسه وإلى إغلاق أبواب الشر والنقائص التي تعتري الإنسان. قال رحمه الله تعالى: «فيجري في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور». والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، أي يسلب عنك أو منك الأمور الرذيلة والأمور الحقيرة؛ لأن همتك العالية تمنعك وتحول بينك وبين هذه السفاسف وهذه الرذائل. قال: «ويجتث منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة». فكبير الهمة ثابت الجأش لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان الرعديد. تغلق فاه الأشياء التافهة. والناس كما سمعتم بحسب مراتبهم تكون أو بحسب همتهم تكون مراتبهم. قال رحمه الله: «ولا تغلق فتخلط بين كبر الهمة والكبر، فإن بينهما من الفروق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع». أي فرق بين علو الهمة في طلب الفضائل وبين الكبر التي هي صفة في المخلوق من صفات النقص. لذا قال الشيخ رحمه الله: «كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء». وفرق بين هذا وهذا. وهذا من التنبيه المهم في هذا المقام، إذ أن التفريق بين الأمور التي يحتاج إلى التفريق بينها هذا من مطالب الشرع. فلا يخلط الإنسان بين الكبر الذي هو التعالي على الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بطر الحق وغمط الناس»، هذا هو الكبر التعالي والترفع والتجبر على الناس، بخلاف علو الهمة. علو الهمة تجعلك تسعى إلى الفضائل، ومن أعظم الفضائل خفض الجناح لأهل الإيمان ولأهل التقى، والذل للمؤمنين، كما قال الله جل وعلا في حق أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فهكذا ينبغي لمن سار على طريق القوم أن يكون كذلك في هذا الأمر، فلا يخلط بين كبر الهمة وبين الكبر. الكبر مذموم مذمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». بخلاف علو الهمة، فقد دلت الشريعة على أنها مقصودة ومطلوبة. قال رحمه الله تعالى: «فيا طالب العلم، أرسم لنفسك كبر الهمة». وهذا فيه تنبيه لطيف من الشيخ، وهو أن الإنسان ينبغي له أن يرسم لنفسه أمرًا يريده، ثم يسعى جادًا في تحصيل ذلك الأمر. وفي الوصول إلى ذلك الأمر، وفي تشمير ساعد الجد لتحصيل ذلك المراد، لا سيما إن كان ذلك المراد مما يرضي الرب جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ولا تنفلت منهم وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك، لتكون دائمًا على يقظة من اقتنامها». قالوا: منها إباحة التيمم للمكلف عند فضل الماء، وعدم إلزامه بقبوله هبة ثمن الماء للوضوء؛ لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالًا. ومما يدل على هذا المعنى بذلالة لطيفة وإشارة حسنة أن الشرع أوجب على من لم يجد الماء أن يشتري الماء بنقود إنسان ما عنده ماء ولكن عنده نقود. ولا يستطيع أو حضر في الصلاة ويحتاج إلى الوضوء عنده ماء، فيجب عليه شرعًا أن يشتري الماء أن يشتري الماء يتوضأ. إن لم يكن في ذلك إجحافًا عليه أو ضرر. لكن إذا لم يكن عنده مال، هل يجب عليه إن أهدى إليه إنسان هدية مال أن يقبله لأجل أن يتوضأ؟ الجواب: لا يجب عليه أن يقبل الهدية والهبة لأجل أن يشتري به الماء ليتوضأ. وما الفرق بين هذا؟ قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن الأول مال للمال، وأما الثاني فكان فيه صورة المنة بتلك الهبة. فلا يجب عليه أخذ المال لأجل شراء الماء لأجل الوضوء، بخلاف الأول. والحاصل أن هذا المقام فيه إشارة لطيفة إلى هذا المعنى، وكذلك فيه تفصيل. فإن الهبة قد حث عليها الشرع: «تهادوا تحابوا». لكن أراد الشيخ رحمه الله تعالى إشارة إلى أن الهمة العالية تترفع عن الالتفات إلى ما في أيدي الناس، أو الأخذ ممن هو مضنة للمنة. أو أن الإنسان إذا أخذ من أحد شيئًا يخشى أن تكون في تلك العطية منه على ذلك الآخذ. فلذا أخذ الشرع ومنع الشرع من هذا الأمر. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على