الدرس في حلية طالب العلم 79، ألقاها
يُناقش كيفية تعامل طالب العلم مع أخطاء العلماء السابقين بأدب واحترام، مع تصحيح الخطأ دون الحط من قدر العالم المخطئ. يجب التمييز بين المخطئين وأهل الأهواء والبدع في التعامل.
يجب التمييز بين المخطئين وأهل الأهواء والبدع، فيعذر أهل العلم الذين يخطئون بسبب التأويل السائغ بينما يرد قول أهل الأهواء ويحذر منهم. على طالب العلم تجنب إثارة الشبهات والمحافظة على سلامة قلبه.
يُنبه إلى خطورة الاستماع للشبهات ويحذر من الانجراف وراءها، مستشهداً بوصية الإمام ابن تيمية لابن القيم بعدم جعل القلب كالسفنجة التي تمتص كل شيء. يُبين خطورة الشبهات على القلوب الضعيفة ويطلب العصمة من الفتن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو في آخر فصل من فصول هذا الكتاب: «موقفك من وهم من سبقك»، أي ما هو الموقف الذي ينبغي أن يتحلى به الطالب إذا وقف على وهم لمن سبقه من العلماء. يقول رحمه الله: «إذا ضفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام، لا سيما المكثرين منهم». قال: «وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص إلا متعالم يريد أن يطب زكامًا فيحدث به جذامًا». قال: «نعم، ينبه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه والحط عليه، فيغتر به من هو مثله». معنى كلام الشيخ رحمه الله هو في موقف طالب العلم من خطأ من سبقه، بمعنى أن طالب العلم إذا وقف على خطأ لعالم من العلماء أو لإمام من الأئمة، سواء كان في مسألة عقدية أو مسألة فقهية أو مسألة لغوية أو ما شابه ذلك من المسائل، كيف يتعامل معها؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: إنه ينبغي أن يفرح من جهة، ولكن هذا الفرح لا يكون سببًا للحط من ذلك العالم أو ذلك الإمام، فيفرح أن الله جل وعلا بصره بالحق وعلم الصواب ووقف على الخطأ فتنبه له، هذه نعمة وهذا فضل من الله جل وعلا أن يبصر الإنسان بالخطأ فيعلم أنه خطأ، هذه نعمة. لكن كيف تتعامل مع المخطئ؟ فنبه الشارح رحمه الله تعالى أنه ينبغي أن يتعامل معه بالأدب، لا سيما إن كان من علماء الأمة. ومنها هنا نعلم أن نظر الناظر إلى الخطأ يكون باعتبارين: الاعتبار الأول باعتبار ذلك الخطأ، فإن كان خطأً، سواء كان في المسائل العلمية أو كان في المسائل العملية، سواء كان في المسائل العقدية أو المسائل الفقهية، الخطأ خطأ مردود لا يقبل ممن كان. لكن كما سمعتم، هذا يكون باعتبار ماذا؟ باعتبار الخطأ، بغض النظر عمن صدر عنه ذلك الخطأ. ثم الاعتبار الثاني وهو الاعتبار بالنظر إلى ذلك المخطئ، فالمخطئ إن كان من أهل العلم والسنة، فيتأدب معه ويذكر بالجميل والسناء الحسن، فيقال: «إن كان ولابد، العالم الفلاني أو الإمام الفلاني في هذه المسألة أخطأ، والصواب في المسألة كذا وكذا، والدليل عليه كذا وكذا من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا الإمام مجتهد هو مأجور بين الأجر والأجرين». هذا بالنسبة لمن كان من أهل العلم والسنة. وأما إن كان من أهل الأهواء والبدع، فهؤلاء يرد عليهم قولهم ولا يحترمون؛ لأنهم ليسوا أهلًا للإحترام والتوقير، بل يحذر من قولهم ويحذر منهم إن استطاع ذلك، ولم يترتب على ذلك التحذير مفسدة، ولم يترتب على ذلك التحذير مفسدة أعظم وأجل أو أجل -يعني أعظم وأكبر- من المصلحة المرجوة في ذكرهم هذا. كما يقال: جواب إجمالًا عن هذه المسألة. وإلا فإن الخطأ قد يكون خطأ لا يحتمل، يعني قد يكون خطأ في المسائل -سواء كان العلمية أو العملية- لا يحتمل، أي ليس لهم مسوغ خطأ واضح جلي. بل إن كان الخطأ مما يقدح في عقيدة ذلك الشخص، فقد يتعامل معه معاملة أخرى، يتعامل مع المخطئ معاملة أخرى تليق بذلك الخطأ. ومع هذا، عندنا أصل عام، وهو أن من كان من أهل العلم والسنة ممن يحبون الله ورسوله ويذبون عن دين الله جل وعلا وينافحون عن دين الله جل وعلا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، كالأعلام رحمهم الله تعالى ممن عرف بالإمامة في الدين، فخطأ هؤلاء، وإن كان قد يكون فيه المسائل التي لا يسوغ فيها السكوت، فمثل هؤلاء كذلك يعذرون باعتبار أنهم وقع منهم ما وقع عن تأويل، وقع منهم ما وقع عن تأويل سائغ، وإن كان القول قد يكون مخالفًا لأصل من أصول أهل السنة والجماعة، ولكن باعتبار ما علم من حالهم رحمهم الله تعالى ونصرتهم للحق والسنة، فيعاملون بمعاملة تليق بمكانتهم في الإسلام. مثلًا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، والحافظ الإمام النووي رحمهم الله تعالى، ما شابه هؤلاء، هؤلاء عندهم من الخير والنصح لله ولدينه ولأمة المسلمين ولكتاب الله جل وعلا إلى غير ذلك، وعندهم من الذب عن هذا الدين والنصرة والتأييد لهذا الدين ما استطاعوا، ولكن زلت أقدامهم في بعض مسائل الاعتقاد، فهم يحترمون رحمهم الله تعالى لأجل هذا المعنى. والخطأ لا يسكت عليه، يقال: «هم في باب الأسماء والصفات زلت أقدامهم، سلك مسلك الأشاعرة في هذا الباب»، لكنهم رحمهم الله تعالى لهم قدم صدق في الإسلام ولهم مكانة، فلا تحط مكانتهم، فلا تحط مكانة مثل هؤلاء الأعلام رحمهم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «دفع الشبهات». قال: «لا تجعل قلبك كسفنجة تتلقى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإرادها على نفسك أو غيرك؛ فالشبه خطافة والقلوب ضعيفة، وأكثر ما يلقيها حملة الحطب المبتدعة، فتوقهم». هذا كذلك تنبيه من الشيخ رحمه الله تعالى لطالب العلم، يعني مما ينبغي أن ينتبه له ويحرص عليه طالب العلم أن يبقى على السلامة، لا يكون كما يقال واللاجئ خراجًا في البدع والشبهات وإثارة المسائل الغريبة التي تعصف به وربما عصفت كذلك بغيره، وأدخلت فيه الشكوك وأدخلت في غيره الشكوك، كما هو حاصل في بعض الناس. بعض الناس كما يقال حالهم إلى الشذوذ أقرب، يدورون مع أي مسألة غريبة وأي مسألة نادرة، تجدهم يبحثون عنها ثم شبه، ثم لا يستطيعون أن يدفعوا تلك الشبه. وهناك كلام طيب للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في «مفتاح دار السعادة»، يعني ذكر كلامًا معناه -فيما يحضرني الآن- أنه ذكر قال: «كنت أورد على شيخنا تقي الدين -شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية- الشبه بعض الشبه، قال فيجيب عنها، وأورد له شبه أخرى». قال: «فلما كان ذات يوم، قال لي: لا تجعل قلبك كالسفنجة، لا تجعل قلبك كالسفنجة تقبل كل شيء، السفنجة معروفة إذا وضعتها في الماء -ما شاء الله- إذا وضعتها في أي شيء على طول من أوساخ أو من غيرها». فيقول له: «لا تجعل قلبك كذلك، ولكن اجعله كالزجاجة، كالزجاجة يقول: تمر به الشبه فيراها ولا تؤثر عليه لشفافية ماذا؟ الزجاجة ولصلابتها»، يعني انظر. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فما نفعني الله جل وعلا بشيء في هذا الباب مثل هذه الوصية»، أي لا يكون إنسان سماعًا للشبه يريد أن يفتح باب الشبه وإثارة أمور وكذا؛ لأن كثيرًا من الناس ممن فتح هذا الباب ربما قويت عليه الشبهة فكانت سببًا لإضلاله. يذكرون عن الجهم بن صفوان -وذكر هذا بإسناد صحيح أو حسن عبد الله بن أحمد في «السنة» وذكره كذلك غيره- أنه كان يناظر طائفة يقال لها السمنية، فأثناء المناظرة رجل ما عنده ذاك العلم، وفتح باب الشبه والمناظرات وما شابه ذلك، فأوردوا عليه إشكالًا، قال له: «أنت تقول بأن ربك جل وعلا موجود؟ قال: نعم. قال له: هل يشم؟ هل يذاق؟ هل يرى؟ هل يسمع؟ هل يحس؟ قال: لا. قال: إذن ربك غير موجود؛ لأنه لا يدرك». يقول: «ما كان كذلك فإذن لا يدرك؛ ما لم يدرك بالحواس إذن لا يدرك». يقول: «فبقي الجهم بن صفوان أربعين يومًا لا يعرف ربه ولا يصلي لله جل وعلا ركعة». ما سبب ذلك؟ الشبه، فتح الآذان والإصغاء للشبه، فكان إلى ما صار إليه من الضلال والانحراف بل الكفر والعياذ بالله. فالحاصل أنه ينبغي لطالب العلم أن ينتبه غاية الانتباه، ولا يفتح أذنيه للمناظرات أو لذكر الشبه أو لقراءة في كتب مبتدعة، وهو لم يقوَ عوده. بعض الناس ربما قرأ في بعض كتب المبتدعة، يقول: «الحمد لله قد درست كذا وكذا»، فيفتح يقرأ في بعض الشبه، فما يدرى بهذا الرجل إلا وقد دخل فيها. تعرفون نحن في هذا العصر -يعني كما يقال- التكفيريون نشطوا، تكفيريون نشطوا، من هؤلاء السرورية ونحوهم، ما شاء الله كل يوم عندهم شبه جديدة وكل يوم عندهم فكرة جديدة وما شابه ذلك. لو تابعهم الإنسان قال: «أنا أسمع شبههم حتى أرد عليهم»، ما يدرى بنفسه إلا وقد انجر إليهم تارة بالإرجاء، تارة بالغلو في التكفير وما شابه ذلك. ما السبب؟ فتح باب استماع الشبه، تقوى الشبه ولا يستطيع دفعها. وكان مما ذكره الشيخ -رحمه الله تعالى- عن الرازي -فيما أذكر- أو عن ابن سينا الضار عن الرازي أو الغزالي، والظاهر أنه الغزالي، قال في كلام له: «أنه كان إذا ذكر شبه المخالفين، قال: استوفاها، أي ذكر الشبه على وجهها». قال: «فإذا أراد أن يرد عليها ضعف عن الرد»، فكانت كتبه في الحقيقة خادمة له -أو لغيره- هيا جماعة، كتبه تكون خادمة له للمنهج الذي أراده، أم خادمة لمنهج من ذكرهم أو من ذكر عنهم من شبه من ذكر عنهم من شبه؟ إذن الشبه خطافة كما قيل، والقلوب ضعيفة. فنسأل الله جل وعلا أن يعصمنا وأن يعيدنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين، والحمد لله رب العالمين.