الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 243، ألقاها
يتناول تعريف الغيبة وذكر حكمها الشرعي مستندا إلى حديث جابر بن عبد الله وشرح النبي لها، مشيرا إلى أنها محرمة إلا في حالات خاصة. يبين المقطع أيضا عذاب القبر بسبب الغيبة.
ذكر النبي قبرين يعذب صاحبهما بسبب الغيبة وعدم التنزه من البول، مشيرا إلى أن الغيبة والنميمة تشتركان في ذكر المرء بالسوء من ورائه. كما يبين أهمية التنزه من البول لتجنب العذاب.
يشرح الحديث النبوي حول وضع جريدتين على قبرين لتخفيف العذاب، ويبين أن هذا الفعل كان خاصا بالنبي وشفاعته وليس سنة يستحب اتباعها. كما يستدل على تحريم الغيبة وعذاب القبر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، باب الغيبة، وقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. قال: حدثنا محمد بن يوسف، وهو البخاري أبو أحمد البيكندي، قال: حدثنا النضر -هو ابن شميل أبو الحسن النحوي- قال: حدثنا أبو العوام عبد العزيز بن ربيع الباهلي، قال: حدثنا أبو الزبير محمد -ومحمد بن تدرس المكي، وهو مدلس ويروي كثيرا عن جابر بن عبد الله، وصحح العلماء حديثه عن جابر فيما رواه بالعنعنة إذا كان الراوي عنه الليث، إذا كان الراوي عن أبي الزبير الليث بن سعد، لأن الليث روى عنه ما سمعه من الحديث عن جابر رضي الله تعالى عنه- قال: عن جابر بن عبد الله قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى على قبرين يعذبان، فقال: إنهما لا يعذبان في كبير، بلى! أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول». فدعا بجريدة غضة أو بجريدتين، فكسرهما، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبتين، أو لم تيبسا». وأصل الحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فهو حسن أو صحيح، شواهده كذلك. أيضا جاء معناه في الصحيحين من حديث ابن عباس. وفي هذا الحديث يخبر جابر -وقد سبق ذكر البخاري رحمه الله لهذا في أول هذا الباب- قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، أي: نهى الله جل وعلا أن يغتاب المسلم أخاه المسلم. والغيبة كما مر وذكر فيما مضى: أن تذكر أخاك بما يكره في غيبته، كما في شرح النبي عليه الصلاة والسلام في عتاب هجرة في الصحيح حين قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». فالغيبة محرمة، فلا يجوز للمسلم أن يغتاب أخاه المسلم. والواجب على المسلم أن يحسن الظن بأخيه، وأن يحسن ذكره، وأن لا يذكره بما يكره في غيبته. وكذلك لأن الأصل حرمة العرض، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». والغيبة فيها طعن في الأعراض، والكلام فيها بغير حق، فالأجل لذلك كانت محرمة، إلا ما كان فيه مقصد صحيح من المقاصد الشرعية، فإن حينئذ لا تكون محرمة، كالنصح والتحذير وغير ذلك من المقاصد الشرعية. فهي لا تعتبر من الغيبة، ومجموع ذلك في قول القائل: «القدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومحذر، ومجاهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر». فالكلام في مثل هذه الأمور لا يعد من الغيبة، إذا تظلم الإنسان بأنه فلان ظلمه وذكر اسمه، فيعتبر هذا من الغيبة. أو كان باب التحذير، كالتحذير من أهل البدع وأهل الضلال، أو كذلك في جرح الرواة والتمييز بين ضعيفهم وصحيحهم، ومن يقبل روايتهم أو لا تقبل، فهذا لا يعد من الغيبة. أو كان ذكر مجاهر للفسق والمعصية لأجل الحذر منه، فكذلك. أو كذلك باب الاستفتاء، إذا جاء رجل يستفتي فذكر اسم فلان، فهذا لا يعد من الغيبة. أو كذلك في طلب الإعانة في إزالة المنكر، فكل ذلك لا يعد من الغيبة. قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى على قبرين يعذب صاحباهما»، أي: أتى النبي عليه الصلاة والسلام على قبرين، والقبر مدفن للإنسان، الموضع الذي يدفن فيه الإنسان يقال له قبر، والمقبرة موضع القبور. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين يعذب صاحباهما، أي: صاحب هذين القبرين يعذبان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنهما لا يعذبان في كبير»، بلى! يعني: بلى إنه كبير. وقوله: «لا يعذبان في كبير»، يعني: بسبب كبير. بلى! يعني: بلى إنه كبير. ووجه قول النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بتوجيهات، فقيل: بلى إنه كبير، يعني: ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير. ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير، يعني: أنه من الذنوب الكبيرة التي توجب العذاب. وقيل: «لا يعذبان في كبير»، أي: ليس هو من أكبر الكبائر، ليس من الكبائر العظام الموبقات التي تعلمونها، ولكنه يعتبر من الكبائر، إذ أن الكبائر تتفاوت، وهو إن لم يكن من أكبر الكبائر لكنه من الكبائر، وهو من الكبائر التي توجب العذاب. وقيل: ليس بكبير، أو يعذبان في كبير، يعني: في زعمهما، في زعمهما أنه ليس بكبير، ولهذا تساهل في فعله، وهو عند الله جل وعلا كبير، فاستحق العذاب بسبب ذلك. وقيل: «في كبير»، يعني: في كبير تركه عليهما، أي: ليس كبيرا أن يتركه وأن يبتعد عنه، فليس بكبير. وشاق أن يترك الإنسان النميمة والغيبة، أو كذلك ليس بكبير عليه أن يستنزه من البول ويتحرز منه. فكان ذلك معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يعذبان في كبير»، بلى! أي: إنه كبير. قال: «أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن عذاب أحدهما بسبب الغيبة، كان يغتاب الناس، يعني: يتكلم فيهم ويغتابهم ويذكرهم بما يكرهون في غيبتهم، فكان ذلك سببا في عذابه في قبره. وجاء في رواية في الصحيحين أنه كان يمشي بالنميمة، يعني: ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد، فكان ذلك سببا في حصول العذاب له في قبره. قال: «فكان يغتاب الناس». والنميمة والغيبة كلاهما يشتركان في ذكر المرء بالسوء، كلاهما يشتركان في ذكر المرء بالسوء من ورائه. قال: «وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول». ومعنى لا يتأذى من البول، أي: لا يستنزه منه، ولا يزيل الأذى الذي يصيبه من البول في جسده، كما تبينه الروايات الأخرى التي فيها ذكر ذلك. كان لا يستنزه من البول، فمعنى أنه يصيبه البول ولا يتنظف منه، ولا يتحرز منه، فكان ذلك موجبا وسببا لعذابه في قبره. قال: «فدعا بجريدة غضة»، يعني: ما زالت طرية لم تجف، والجريدة العسيب من ورق النخل، يعني: من شجر النخل الذي ليس فيه خوص، فإذا نبت فيه الخوص فهو السعفة. قال: «أو بجريدتين فكسرهما»، يعني: شقهما كما جاء في رواية أخرى، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر، يعني: وضع عليه الصلاة والسلام كل كسر منها على قبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبتين، أو لم تيبسا». أما إنه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبتين، يعني: ما زالتا رطبتين، أو لم تيبسا. وهذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام ليس في كونه تخفيف العذاب يحصل بهذه الجريدة التي وضعها عليه الصلاة والسلام، أو كونها رطبة فإذا يبست لم يحصل لهما التخفيف، وإنما حصول هذا التخفيف هو بدعائه عليه الصلاة والسلام وشفاعته لهما. ويدل على ذلك رواية التي في صحيح الإمام مسلم، فإنه قال عليه الصلاة والسلام: «فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين». فكان تخفيف العذاب عنهما بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام ودعائه لهما. فعلى هذا فلا يستحب أو لا يشرع كذلك وضع الأشجار عند القبور إذا دفن الميت، فلا يشرع أن تأتي بغصن الرطب وتضعه في قبره وتقول: أفعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أطلعه الله جل وعلا على شيء من الغيب، فأخبره بعذاب هذين الرجلين، وأنت لا تعلم هل هذا يعذب في قبره أو ينعم. فدل ذلك على أن هذا الأمر خاص فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع هذين الرجلين، ولهذا لم يفعلوا عليه الصلاة والسلام مع غيرهم، ولم يفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إلا ما روي وصح عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه أنه أوصى إذا مات أن توضع على قبره جريدة، وهذا من فعله رضي الله تعالى عنه، ولم يفعله غيره من الصحابة ممن هو أعلم منه رضي الله تعالى عن صحابة رسول الله أجمعين. وفي هذا الحديث بيان ما أراد أن يستدل به رحمه الله من تحريم الغيبة، وأنها سبب موجب للعذاب، موجب للعذاب والعقوبة في القبر، كما في هذا الحديث، فدل ذلك على تحريمه وأنه من كبائر الذنوب. وكذلك فيه إثبات عذاب القبر، وهو ثابت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وعليه إجماع أهل السنة والجماعة، خلافا لمن خالف من أهل الأهواء والبدع، كبعض المعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم. وفيه كذلك أيضا بيان خطورة عدم الاستنزاه من البول وعدم التحرز منه، فينبغي للمسلم إذا بال أن يتحرز من البول أن يصيب جسده وأن يصيب بدنه، ولا يتساهل في ذلك كما يفعل بعض المسلمين، تجده يبول ربما في الطريق ثم يقوم ولا يتنزه من البول، فيصيب بدنه وثوبه، فيخشى أن يصاب مثل هذا العذاب الذي حصل لهذا الرجل. وكذلك استدل فيه أهل العلم على نجاسة البول، على نجاسة البول، وأن كل بول نجس، كل بول نجس إلا ما دل الدليل على طهارته، كبول الحيوان المأكول، بول الحيوان المأكول طاهر، كما ثبت في الصحيحين في قصة عرنيين حين أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها. استدل به أهل العلم على أن ما يوكل لحمه فبوله طاهر، وأما ما لا يوكل لحمه فهو نجس على الأصل. وهكذا بول الآدمي، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، وكنا ذكره الإمام البخاري رحمه الله ليستدل به على تحريم الغيبة في قوله: «أما أحدهما فكان يغتاب الناس». والله تعالى أعلم.