حلية طالب العلم 52

الدرس في حلية طالب العلم 52، ألقاها

أهمية تعاهد المحفوظات لطالب العلم

ينبغي لطالب العلم تعاهد ما حفظه من العلم بمراجعته وتذكره. العلم الحقيقي هو ما يكون في الصدور وليس ما يكون مكتوبًا.

تعاهد العلم وتثبيته وضبطه

التعاهد يمنع ذهاب العلم، والعلماء كانوا يحفظون ويتعاهدون ما حفظوه. ضبط الأصول واستذكار الفروع جزء من تثبيت العلم.

العلم النافع وعلاقته بالعز

العلم النافع يبدأ بضبط الأصول وفهمها، ويقود إلى الله. العز بدون علم نافع يفتقر إلى الأساس ويتحول إلى ذل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: تعاهد المحفوظات، أي مما ينبغي لطالب العلم أن يتحلى به، وأن يحرص عليه في حياته العلمية، أن يتعاهد المحفوظات، أي يذاكر ما حفظه من العلم، سواء كان ذلك المحفوظ هو كتاب الله جل وعلا، أو ما حفظه من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أو كذلك ما تعلمه ودرسه من العلوم بشتى أنواعها، يذاكر الدروس، يتفقدها بين وقت وآخر، وينظر في تلك الدروس بين وقت وآخر؛ لأن العلم إنما هو ما في الصدور. نعم، قد يحفظ الله جل وعلا العلم لعباده بأمور، ولكن بالنسبة لطالب العلم، لا يكون طالب العلم طالب علم، ولا يكون غدًا -إن من الله جل وعلا عليه وهداه وفقه- عالما إلا بعلم في صدره، لابد أن يكون علمه في صدره، يسير معه حيث سار، ويرحل معه حيث رحل، ويكون معه حيث كان، هذا هو العلم. قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، فالله جل وعلا أثنى على هؤلاء الذين حافظوا العلم، والعالم لا يكون -كما سمعتم- عالما إلا بهذا، لابد أن يكون العلم في صدره، يحتاج إلى تعليم الناس، لا بد أن يكون علمه معه، يحتاج إلى وعظ الناس كذلك، يحتاج إلى إفتاء الناس كذلك، يكون علمه معه حيث كان، وحيث سار. والناظر في الطبقة الأولى من علماء هذه الأمة المحمدية، وهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كان علمهم في صدورهم إلا أفرادًا، إلا أفرادًا يسيرين. والطبقة التي تليها كذلك من طبقة التابعين، الأكثر الأغلب عليهم ذلك. ثم حصل التدوين في آخر زمن التابعين، وفي زمن تابعي التابعين، ثم دونت العلوم والسنة. ومع هذا التدوين، كان هؤلاء أو أولئك العلماء من كبار الحفاظ، رب رجل منهم يحفظ ألف ألف حديث، كما يذكرون ذلك في ترجمة جملة من الأئمة كالإمام أحمد، كالإمام يحيى بن معين، كالإمام أبي زرعة الرازي، وطائفة من هؤلاء الحفاظ يحفظون آلافًا مؤلفة. ويحتاج العالم، وكذا طالب العلم، إلى العلم في أثناء تدريسه، في أثناء وعظه، في أثناء كذلك إن احتيج إلى الإفتاء، إن احتيج إلى غير ذلك من الأمور، لابد أن يكون العلم معه. نعم، طالب العلم بل والعالم ينبغي لهم أن يكونوا على ما ذكر من كثرة التعاهد للعلم. لماذا هذه الكثرة في التعاهد؟ لأجل أن تثبت المعلومات. أين تثبت المعلومات؟ في الكتب أم في الصدور؟ الجواب: أنها تضبط في الكتب وتحفظ في الصدور. قال الشيخ رحمه الله تعالى: تعاهد علمك من وقت إلى آخر، فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان. تعاهد علمك من وقت إلى آخر، انظر فيما تعلمته من علم، راجع الدروس المأخوذة، ما حررته بقلمك أو أخذته عن شيخك ومعلمك، انظر فيه بين وقت وآخر، وتعاهد ذلك النظر بين وقت وآخر، فإنه من أحسن الطرق لتثبيت العلم ولحفظ العلم وللتمكن من العلم. قال رحمه الله تعالى: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة أو المعقلة»، نعم، «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». رواه الشيخان ومالك في الموطأ. والحديث كما ترون هو كالنص في هذه المسألة، بل قل هو نص في هذه المسألة. قال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله تعالى، وكلامه في التمهيد كما ذكر ذلك في الحاشية: «قالوا في هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه ذهب عنه»، أي من كان، أي مهما كان ذلك الإنسان، فإنه يذهب عنه ذلك العلم. قال رحمه الله: لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير، أي علم صدر الأول من هذه الأمة القرآن، يتفقهون عليه ويتعلمونه ويتبينونه. كما جاء هذا المعنى عن جماعة، ومن ذلك ما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «أنهم كانوا يحفظون العشر الآيات، ثم كذلك جاء عن ابن عمر: أنهم يحفظون العشر آيات ويعلمون معانيها، يتفقهون فيها، ثم بعد ذلك يعملون بتلك الآيات التي حفظوها وعلموا معناها، أي تفقهوا فيها، ثم انتقلوا إلى غيرها». فكان علمهم هو القرآن. قال رحمه الله تعالى: وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟! ما ظنك بغير القرآن الميسر، بغير القرآن الميسر من العلوم؟! فإذا كان من وصفه الله جل وعلا بأنه ميسر يتفلت إذا لم يتعاهده صاحبه، فكيف بما لم يتصف بهذا الوصف؟! قال رحمه الله تعالى: وخير العلوم -وهذه فائدة فيها تتمة للفائدة- قال: وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه. فخير العلوم أن يضبط الأصل، ومعنى أن يضبط الأصل: يضبط من جميع الوجوه، من جهة الضبط المعروف، ومن جهة الضبط بمعنى الإتقان، ضبط الأصل بمعنى إتقانه وفهمه فهما صحيحا سديدا على فهم السلف، وعلى ما فهمه العلماء، يكون مبنى علمه على هذا الفهم الصحيح. قال: واستذكر فرعه، أي فرع أو فروع ذلك الأصل، استذكر فروع ذلك الأصل، الأصل فيه كذا وكذا وكذا، إن ضبط معه الأصل طبق عليه الفروع، طبق عليه فروعا، سواء كانت بأدلته الشرعية الظاهرة، أم كان عن طريق الاستنباط. قال: وقاد إلى الله تعالى، جعلك تسير إلى الله جل وعلا. قال: ودل على ما يرضاه، أي على ما يرضاه ربك جل وعلا. هذا هو خير العلم؛ لأنه العلم النافع ضبطا ودلالة، ضبطا باعتبار أنه مضبوط باعتبار الأصول والفروع، ودلالة باعتبار أنه يدلك على ربك جل وعلا وعلى مراضيه، فهذا هو العلم النافع. قال: وقال بعضهم: كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل مصيره، ولا بد من ذلك. كل عز لم يؤكد بعلم، أي لم يكن مؤكدا بذلك العلم، وما بناه على ذلك العلم، أي على العلم النافع المثمر للعبد في دنياه، والنافع المثمر للعبد كذلك في آخراه، فإنه -كما ذكر- فإلى ذل مصيره. والله تعالى أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على