الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 244، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحريم الغيبة وخطورتها من خلال الأحاديث النبوية وأثر الصحابة، حيث يشبه النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة بأكل لحم الميت. ويستدل على خطورة الغيبة من خلال أقوال الصحابة والتوجيهات النبوية.
يناقش هذا الفصل صحة الأحاديث المتعلقة بالغيبة، مثل حديث ماعز بن مالك، ويفند بعض الزيادات الضعيفة في هذه الأحاديث. كما يستدل على تحريم الغيبة للميت من خلال أحاديث نبوية تشمل النهي عن ذكر الأموات إلا بخير.
يتناول هذا الفصل ضوابط التعامل مع الأحياء والأموات، حيث يشرح الإمام البخاري لحديث أبي اليسر بن عمر واستدلاله على جواز مس رأس الصبي والتبريك عليه في حضرة أبيه. كما ينصح بعدم ذكر الموتى إلا بخير ويوضح أن بعض الألفاظ قد تكون محل شك وتحتاج إلى تحقق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا إسحاق بن منصور ومحمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثني أبي أو عبد الله بن نمير، قال الحافظ: ثقة، صاحب حديث من أهل السنة، قال: حدثنا إسماعيل أو أبي خالد، عن قيس أو أبي حازم، قال: كان عمرو بن العاص يسير مع نفر من أصحابه، فمر على بغل ميت قد انتفخ، فقال: والله لأن يأكل أحدكم هذا حتى يملأ بطنه خير من أن يأكل لحم مسلم. والأثر صحيح. ففي هذا الأثر أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه كان يسير مع نفر من أصحابه، فمر على بغل ميت، والبغل هو حيوان متولد من الحمار والفرس، فمروا على هذا البغل الميت قد انتفخ، فقال: والله لن يأكل أحدكم هذا حتى يملأ بطنه خير من أن يأكل لحم مسلم. يبين رضي الله تعالى عنه حرمة الغيبة، وأن أكل الإنسان من مثل هذه الميتة وهذه الجيفة التي تتقذرها النفوس وتكرهها فهو أيسر عليه من أكله لحم المسلم، يعني بغيبته والكلام في عرضه، فإن ذلك أشد. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾. فكما يكره المسلم أن يأكل لحم أخيه الميت، فكذلك ينبغي أن يكره أكل لحمه بغيبته والكلام في عرضه، فكما كرهتم ذلك فكذلك يكره غيبته والكلام في عرضه، فإن ذلك كذلك مما يحرم وينبغي للمسلم أن يجتنبه. قال: باب الغيبة للميت. قال: حدثنا عمر بن خالد، وهو من فروع التميمي فقيه، قال: حدثنا محمد بن سلمة، وهو المراد، ثقة ثبت، عن أبي عبد الرحيم، وهو خالد بن يزيد الحراني، وهو كذلك ثقة، عن زيد بن أبي أنيسة، وهو الجزري، وهو كذلك ثقة، عن أبي الزبير، ما اسمه أبي الزبير؟ ما اسمه أبي الزبير؟ ما اسمه أبي الزبير؟ مرة معنا بالأمس من يذكر؟ من يذكر؟ محمد، محمد من؟ محمد بن تدرس المكي، وهو مدلس، عن عبد الرحمن بن الهضهاض الدوسي، وعبد الرحمن بن الهضهاض الدوسي مجهول، كما قال البخاري والذهبي وغيرهم، عن أبي هريرة، قال: جاء ماعز بن مالك الأسلمي فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم عند الرابعة. يعني لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأقر على نفسه بالزنا فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم عند الرابعة، يعني حين شهد على نفسه أربع شهادات أنه زنا. فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه، فقال رجلان منهم: إن هذا الخائن أتى النبي صلى الله عليه وسلم مرارا كل ذلك يرده، ثم قتل كما يقتل الكلب. فسكت عنهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر بجيفة حمار شائلة رجله، فقال: «كلا من هذا». قال: من جيفة حمار يا رسول الله؟ قال: «فالذي نلتما من عرض أخيكما آنفا أكثر، والذي نفس محمد بيده فإنه في نهر من أنهار الجنة يتغمس». والحديث ضعيف. ففيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، وكذلك أيضا عبد الرحمن بن الهضهاض مجهول. وأصل الحديث في الصحيحين في قصة ماعز ورجم النبي صلى الله عليه وسلم له ثابت، لكن ذكر هذه الزيادة في كلام هؤلاء الصحابة عليه إلى آخره فهذا لم يصح، بل ذكر ذلك منكر، لأنه مما تفرد به عبد الرحمن بن الهضهاض، وهو ضعيف، فيكون في هذه الزيادة منكرة. وأصل الحديث كما سمعنا في الصحيحين، وكذلك أيضا قوله: «والذي نفس محمد بيده فإنه في نهر من أنهار الجنة يتغمس»، كذلك لم يصح. فقد جاء نحوه عند ابن حبان، لكن فيها عنعنة أبي الزبير، وإنما صح في صحيح الإمام مسلم من حديث بريدة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمته لو وسعتهم». لقد تاب توبة لو قسمت بين أمته لو وسعتهم. هذا الذي ثبت وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام في ثنائه على ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله تعالى عنه. والإمام البخاري رحمه الله أراد أن يستدل به على تحريم الغيبة للميت، والحديث وإن كان ضعيفا، لكن عموم الأدلة في تحريم الغيبة والنهي عنها يشمل الحي والميت، تشمل الحي والميت. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يذكر الأموات إلا بخير، في صحيح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير». لا تذكروا موتاكم إلا بخير. وفي الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا». لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. فلا يجوز للمسلم أن يغتاب أخاه المسلم ولو كان ميتا، فالغيبة محرمة سواء كانت على الحي أو كذلك أيضا على الميت. فالميت قد انقضى عمله وانتهى أجله، فيذكر بالخير، يعني لا يذكر إلا بخير. وإن كان في أعماله شيء من الشر، وأريد ذكره بشيء لقضي مصلحة من مصالح الشرعية كالتحذير أو نحو ذلك، فهذا يرجع إلى ما ذكره في المواضع التي يجوز فيها الغيبة، ولا تعد ذلك من الغيبة المحرمة. أما إن كان الغرض من ذلك غير المقاصد الشرعية، فلا يجوز. قال: باب من مس رأس صبي مع أبيه وبرك عليه. قال: حدثنا إسحاق، وهو ابن إبراهيم الحنظلي، المعروف إسحاق بن رهويه، وهو إمام من أئمة الحديث، قال: أخبرنا حنظلة بن عمر الزرقي المدني، وهو صدوق، قال: حدثني أبو حزرة، وهو يعقوب بن مجاهد، قال: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وهو ثقة، قال: خرجت مع أبي، وهو الوليد بن عبادة، وهو كذلك ثقة، قالوا: أنا غلام شاب، فنلقى شيخا، قلت: أي عم ما منعك أن تعطي غلامك هذه النمرة وتأخذ البردة فتكون عليك بردتان وعليه نمرة؟ والنمرة قيل: هي شملة مخططة من مآزر العرب كانوا يلبسونها، والبردة كساء مخطط يلتحف به، يعني يلف به الجسم. قال: فتكون عليك بردتان وعليه نمرة. فأقبل على أبي، فقال: أبنك هذا؟ قال: نعم. قال: فمسح على رأسي، وقال: بارك الله فيك. أشهد لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تكتسون». يا بن أخي، ذهاب متاع الدنيا أحب إلي من أن يأخذ من متاع الآخرة. قلت: أي أبتاه من هذا الرجل؟ قال: أبو اليسر بن عمر، شهده بدر، وهو ابن عشرين سنة، وهو آخر من توفي من أهل بدر، آخر من توفي من أهل بدر رضي الله تعالى عنهم. وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على جواز مس رأس الصبي مع أبيه والتبريك عليه، يعني أن يقال: بارك الله فيك، يمسح رأس الصبي ويقول: بارك الله فيك، كما فعل أبو اليسر رضي الله تعالى عنه مع عبادة بن الوليد بحضرة أبيه، فإن ذلك جائز. فمس رأس الصبي والتبريك عليه لا بأس به، وهذا كما ذكر رحمه الله إذا قصد به هذا المعنى، يعني من باب الرحمة والشفقة، وفي حضرة أبيه فلا بأس. أما أن يكون غير هذا المقصد أو كذلك في غير حضرة أبيه، فإن الأولى عدم ذلك. وإذا كان له مقصد آخر كأن يكون يفعل ذلك شهوة أو غير ذلك من المعاني المذمومة، فإنه يحرم. فإن مس الأمرد لشهوة كمس المرأة لا يجوز، لا يجوز مس الأمرد لشهوة كما أنه لا يجوز مس المرأة، كما نص على ذلك العلماء رحمهم الله. والفتنة بالأمرد أشد من الفتنة بالمرأة، الفتنة به أشد. ولهذا نص أهل العلم أنه لا يجوز النظر إليه بشهوة، ولا مسه بشهوة، ولا الخلوة به لقصد التعليم، فكل ذلك لا يجوز. أما إذا كان لقصد الترحم والشفقة، وخاصة كذلك إذا كان بحضرة أحد من محارمه كأبيه ونحوه، فلا بأس بذلك. وكذلك في هذا الحديث أن أبا اليسر رضي الله تعالى عنه كان له غلام، وقد ألبس هذا الغلام مثل ما لبس، عليه بردة وعلى غلامه نمرة. وفي رواية مسلم: كان عليه بردة ومعافر، يعني لباس تنسج ببلاد معافر، وعلى غلامه مثلها. فذكر له الوليد بن عبادة أو عبادة بن الوليد لماذا جعل ثيابه كثياب هذا الغلام؟ لماذا لم يفضل نفسه عليه لكونه سيده؟ فتكون عليه بردتان وعليه نمرة؟ فأخبره بما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تكتسون»، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالإحسان إلى المماليك، أوصى بالإحسان إلى المماليك. فمن كان عنده أملاك وعنده غلمان، فينبغي أن يحسن إليهم في طعامهم وفي كسوتهم. فلأجل ذلك كساه رضي الله تعالى عنه بمثل ما كسى نفسه. ثم قال: ذهاب متاع الدنيا أحب إلي من أن يأخذ من متاع الآخرة، يعني إذا أعطيته شيئا من متاع الدنيا من مال أو ثياب أو غير ذلك، فهذا أخف من أن أظلمه فيأتي يوم القيامة فيأخذ شيئا من حسناتي. هو المراد بقوله من متاع الآخرة، ما هو متاع الآخرة؟ هي الحسنات. المرء يحشر يوم القيامة ليس معه إلا حسناته أو سيئاته، فيخشى إن أساء إليه في المعاملة أو ظلمه أن يأتي يوم القيامة فيأخذ من حسناته. فقال: ذهاب شيء من متاع الدنيا أحب إلي من أن يأتي يوم القيامة ويأخذ شيئا من حسناتي، فيكون في ذلك الخسارة، وكذلك أيضا حصول الهوان على الله سبحانه وتعالى. والشاهد منه كما ذكرنا أراد أن يستدل به رحمه الله على جواز مس رأس الصبي والتبريك عليه في حضرة أبيه. هل اذكروا محاسن موتاكم؟ هل صح بهذا اللفظ؟ الذي أعرف هذا لذكرته: لا تذكروا موتاكم إلا بخير. أما بهذا اللفظ الله أعلم. والله تعالى أعلم.