التعليقات على كتاب الأدب المفرد 212

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 212، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استعاذة النبي من الهم والحزن والعجز والكسل

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث استعاذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل، ويوضح معاني هذه المصطلحات. كان النبي يستعيذ بالله من هذه الصفات المذمومة التي تحول دون فعل الطاعات.

معاني العجز والكسل والجبن والبخل

كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من العجز والكسل والجبن والبخل. العجز هو عدم القدرة، والكسل هو التكاسل عن فعل الشيء مع القدرة، والجبن هو ضد الشجاعة، والبخل هو إمساك المال فيما يجب إخراجه.

الاستعاذة من غلبة الدين وتسلط الرجال

النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من غلبة الدين وثقله، ومن غلبة الرجال وتسلطهم على الإنسان بسبب الدين. ينبغي للإنسان أن يتجنب الدين إلا عند الضرورة وأن ينوي أداءه لصاحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا المكي، وهو ابن إبراهيم التميمي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، وهو الفزاري، عن عمر بن أبي عمر، وهو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال». وهذا الحديث بهذا السند حسن، لأن الفزاري صدوق، قال الحافظ: صدوق، ربما وهم. والحديث في صحيح الإمام البخاري، فهو صحيح. وفي هذا الحديث أن استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأشياء، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن». الهم والحزن أي من وقوع ما يسوء المرء ويكرهه، فالهم لما سيقع في المستقبل لتوقع ما يقع في المستقبل، والحزن على ما وقع. كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله عز وجل من الهم والحزن، أن يصيبه الهم أو ما يسوءه أو ما يتوقع حصوله في المستقبل، مما يصيبه به الهم من فقدان حبيب، مثلا كولد أو أهل أو ذهاب مال أو غير ذلك، أو كذلك اعتداء عدو أو غير ذلك. وهكذا الحزن على ما قد وقع. قال: والعجز والكسل. العجز والكسل ذكرنا بالأمس الفرق بين العجز والكسل. العجز عدم القدرة، والكسل ترك الشيء مع القدرة. الكسل ترك الشيء مع القدرة على فعله، والعجز عدم القدرة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله عز وجل من كلا الأمرين، من العجز وهو عدم القدرة، والكسل وهو التكاسل عن فعل الشيء مع القدرة. وهذا في سائر الأشياء، في باب الطاعات والعبادات، كعجز الإنسان مثلا عن فعل الطاعة. وإذا كان ذلك في الفرائض فلا شك أن هذا أمر عظيم، وإذا كان في النوافل فهو أخف من ذلك. وكذلك أمر مذموم أن يكون الإنسان عاجزا، ما يستطيع أن يصلي النوافل، ما عنده قدرة، يرى أنه عاجز عن فعل هذه النوافل كالصلوات أو نوافل الرواتب أو كذلك قيام الليل أو الوتر أو غير ذلك من نوافل الطاعة. وهذا الكسل أن يكون متكاسلا، مستطيعا لكنه يتثاقل عن فعل ما ينبغي فعله، فيتركه مع قدرته على فعله، هذا كذلك مذموم. وهكذا كذلك ربما يكون في باب العلم، ربما يعجز أن يحضر مجلس علم يتفقه فيه ويتعلم فيه أمور دينه، فيكون عاجزا، أو كذلك يتكاسل، عنده القدرة لكنه يتثاقل عن ذلك ويتكاسل عن حضور مجالس العلم، هذا مذموم. قال: والجبن والبخل. كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الجبن والبخل. والجبن كما ذكرنا أنه ضد الشجاعة، وهي شح النفس. الشح بالنفس أن يكون شحيحا على نفسه، لا يريد أن يقدمها في فعل الخيرات وفي فعل الطاعات. وهكذا البخل وهو إمساك المال فيما يجب إخراج المال فيه أو ما يستحب، فكلاهما مذموم. والجبن والبخل سبب لتكاسل المرء عن فعل الخير، أو ربما عن فعل ما يجب. ربما يترك الإنكار بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب الجبن، لأنه في موضع يحتاج إلى شجاعة أن يتكلم بالحق على حسب ضوابط الشرع، فيجب عليه التكلم بالحق وعن إنكار المنكر. وهكذا كذلك البخل ربما يبخل بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه من زكاة المال، وهذا لا شك أنه كبير من كبائر الذنوب. قال: وغلبة الدين وغلبة الرجال. كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من غلبة الدين وغلبة الرجال. والمراد بغلبة الدين الشدة في الدين وثقله. شدة الدين وثقله، الدين ثقيل على الإنسان لأنه يتحمل أموال الناس فيأخذها، فربما يأتي أصحاب الأموال فيطالبونه بهذه الأموال فلا يجد ما يسدد به الدين، فيصير الدين عليه ثقيلا، فيصيبه الهم. وكذلك تضيق عليه الدنيا بسبب ما أخذه من أموال الناس، ولذلك قال بعض السلف: ما دخل الدين قلب رجل إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه. يعني من شدة ثقل الدين الذي يصيب الإنسان من التفكير والهم، ما ربما يذهب عليه شيء من عقله لأنه أمر عظيم. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أوصى وحث من أخذ دينا أن يكون في نيته أنه يرده لصاحبه. وإذا كان ذلك نيته أعانه الله سبحانه وتعالى. من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله. ومع ذلك فهو أمر عظيم، ولذلك لا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى الدين إلا إذا اضطر أو احتاج إلى ذلك، ولا يتساهل في أمر الدين. قال: وغلبة الرجال، أي تسلطهم على الإنسان. ومن ذلك ما يكون من أخذه لأموال الناس، فيأتي أصحاب الأموال يطالبونه فلا يجد ما يسدد، فيتسلط عليه أصحاب الأموال ويغلبوه، ويغلبوه لأن لهم حقا، فربما أدخلوه المحاكم أو سجنوه أو كذلك آذوه، فيصيبه الضعف والوهن بسبب ذلك. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله عز وجل من ذلك، من غلبة الدين وغلبة الرجال. فهذه الأمور مما كان يستعيذ منها النبي عليه الصلاة والسلام: الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وغلبة الرجال. إلى هنا والله تعالى أعلم.