الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 245، ألقاها
كان المسلمون الأوائل يتعاونون ويتبادلون الطعام ويكرمون الضيف، مما يدل على الأخلاق الفاضلة في الإسلام. هذه العادات كانت متأصلة فيهم كما يظهر من الأثر الصحيح الذي رواه محمد بن زياد.
يروي الحديث قصة رجل من الأنصار هو أبو طلحة وزوجته أم سليم اللذين آثروا ضيف النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم رغم جوعهم. نزلت الآية ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ في مدح فعلهم.
تظهر قصة أبي هريرة مع ضيفه فضل إكرام الضيف والإيثار، حيث قدم أبو هريرة وزوجته الطعام للضيف رغم جوعهما، مما أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. يدل الحديث على جزاء من يقوم بهذه الأفعال الفاضلة.
ينبغي على المضيف أن يخدم ضيفه بنفسه ويقرب له الطعام لإكرامه، مما يعبر عن حسن الضيافة. هذا العمل من باب إكرام الضيف ويعكس الأخلاق الإسلامية الفاضلة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب دلالة أهل الإسلام بعضهم على بعض. قال: حدثنا عبده بن عبد الرحيم، وابن حسان، أبو سعيد المروزي، صدوق. قال: حدثنا بقية بن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، حتى قال بعض أهل العلم: أحاديثه ليست نقية، فكن منها على تقية. ولهذا إذا روى بالعنعنة لا يقبل حديثه حتى يصرِّح بالتحديث. قال: حدثنا محمد بن زياد، وهو الألهاني، ووثقه. قال: أدركت السلف، وإنهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم، فربما نزل على بعضهم الضيف، وقدر أحدهم على النار، فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، فيفقد القدر صاحبها، فيقول: من أخذ القدر؟ فيقول صاحب الضيف: نحن أخذناها لضيفنا. فيقول صاحب القدر: بارك الله لكم فيها، أو كلمة نحوها. قال بقية: وقال محمد: والخبز إذا خبزوا مثل ذلك، وليس بينهم إلا جدر القصب. قال بقية: وأدركت أنا ذلك محمد بن زياد وأصحابه. وهذا الأثر صحيح، فبقية هنا قد صرح بالتحديث. وفي هذا الأثر بيان ما كان عليه السلف من تعاون بعضهم مع بعض، وتكاتفهم، وكذلك إيثار بعضهم على بعض فيما يحتاجه أخوه المسلم، فيؤثره على حاجة نفسه. ومن ذلك أنهم يكونون في المنزل الواحد، كلٌّ بأهله، وكلٌّ كذلك يأكل لوحده، وتكون بينهم الفواصل الخفيفة. فإذا أتى إلى أحدهم الضيف فنزل به في وقت لم يكن فيه مستعدًّا، فيأخذ قدر صاحبه وجاره، يأخذه ويقدمه للضيف. فيسأل صاحب القدر: من أخذها؟ فيقولون: فلان نزل عليه الضيف فأخذها، فيدعو له بالبركة: بارك الله لكم فيها. وهذا من عظيم التعاون الذي بينهم، وهكذا أيضًا حسن التعامل فيما بينهم، فيأخذ أحدهم متاع أخيه، وكذلك أيضًا يأخذ طعامه إذا احتاج إليه لإكرام ضيفه، ولا يجد صاحب الطعام في نفسه من ذلك حرجًا، بل يدعو له بالبركة. فهذا اليوم ينزل عنده، وفي اليوم الثاني يكون العكس، يأتي الضيف عند الآخر، فيأخذ طعام صاحبه. وهكذا يحصل بينهم التداول والتعاون في مثل هذا الأمر. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم عنده مثل هذا المعنى في التعاون والترابط والتكاتف، وإيثار صاحبه وجاره على نفسه عند الحاجة، فإن ذلك من الأخلاق الفاضلة والكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم. قال: باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه، فقلنا: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضم أو يضيف هذا؟» فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان. فقال: هئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاءً. فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها، ونومت صبيانها. ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته. وجعل يريانه أنهما يأكلان، وباتا طاويين. فلما أصبح، غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد ضحك الله أو عجب من فعالكما». وأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. والحديث في الصحيحين. في هذا الحديث بيان مكانة النبي عليه الصلاة والسلام من الفقر والزهد في هذه الدنيا، وقلة ذات اليد. فيأتي هذا الرجل يسأله طعامًا. وجاء في رواية: أنه قال: النبي عليه الصلاة والسلام: «إني قد بلغ بي الجهد مبلغًا» - يعني الجوع وشدة الجوع - فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى نسائه - يعني إلى بيوتهن - فكلما أرسل إلى واحدة قالت: ما معنا إلا ما بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خير الخلق عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك بيوته فاضية، ليس فيها من الطعام شيء إلا الماء. فقلنا: ما معنا إلا الماء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يضيف هذا؟» - يعني رغب عليه الصلاة والسلام في تضييف هذا الرجل والقيام بطعامه - وفي هذا كما قال أهل العلم: أنه ينبغي للرجل الفاضل أن يكون هو من يقوم بهذا الأمر أولاً - يعني بإكرام الضيف بما تيسر من ماله وبما عنده - فإن لم يستطع، فبعد ذلك ينظر إلى غيره ممن يقوم بضيافته. فالنبي عليه الصلاة والسلام أولاً أراد ضيافته، لكن ما عنده شيء عليه الصلاة والسلام، فلذلك رغب بعد ذلك غيره في القيام بضيافته. فقال رجل من الأنصار: أنا. وجاء في رواية عند الإمام مسلم: أنه أبو طلحة رضي الله تعالى عنه - زوج أم سليم - فقال: فانطلق به إلى امرأته - يعني أخذ هذا الضيف - فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان - يعني طعام الصبية الصغار - قال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاءً - يعني تنومهم وتلهيهم بشيء حتى ينامون. وهذا كما قال أهل العلم: كونه قدم هذا الضيف على طعام الصبيان، هذا يحمل على أنه لم يكن الصبيان بحاجة إلى هذا الطعام حاجة ضرورية حتى يتضرروا بتركه، وإلا لو كان كذلك لو لم يعطوا هذا الطعام تضرروا، وهنا يقدموا الضيف على أنفسهم ولا يجوز أن يتركوا من غير طعام. لكن لما لم تكن حاجتهم تلك الحاجة، قدموا الضيف ونوموهم من غير طعام، وأثنى الله جل وعلا على فعلهم. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن هذا الفعل صحيح. قال: فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته - أطفأته حتى لا يرى الضيف ما يفعلان، لأن الطعام قليل، ولو أكل معه لما شبع - فأطفأت السراج، وجعل يريانه أنهما يأكلان - يعني كأنهما يأكلان وهما لا يأكلان شيء - وباتا طاويين - يعني جائعين ما أكل شيء من الطعام - وترك هذا الطعام للضيف. وفعل هذا الفعل حيلة تحايل على الضيف لأجل إكرامه، لأنهما لو لم يفعل ذلك لم أكل الضيف، لو رأى الطعام قليل فربما ترك الأكل منه. لكن لما فعل هذا الأمر وأظهر أنهما يأكلان أكل فبات طاويين وأكل الضيف. فلما أصبح غدا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد ضحك الله أو عجب من فعالكما» - يعني من هذا الفعل وتقديمكم للضيف على أنفسكم وعلى أولادكم والقيام بإكرامه - وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد ضحك الله أو عجب من فعالكما»، إثبات صفة الضحك لله جل وعلا، وهي من الصفات الفعلية الثابتة لله جل وعلا، وليس صفاته جل وعلا تشابه صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أنزل الله جل وعلا هذه الآية في الثناء على هذا الفعل من إيثار المرء غيره على نفسه مع حاجته، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة - يعني ولو كان بهم احتياج وحاجة - فيؤثر غيره على نفسه، وهذا من كمال الأخلاق، وكذلك كمال الصفات. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ - من يوق شح النفس وبخلها - فأولئك هم المفلحون - يعني من يحصل لهم الفلاح بالفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. فدل هذا الحديث على فضل إكرام الضيف وعظيم الأجر والثواب الذي يتحصل عليه المسلم بقيامه بهذا الأمر. وهكذا أيضًا فضل الإيثار بأن يؤثر غيره على نفسه مع حاجته، فإن ذلك كذلك من الصفات الفاضلة والأعمال الحميدة. قال: باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه - يعني خدمة الضيف أن يقوم المضيف بخدمة ضيفه بنفسه، يقرب له الطعام ويهيئ له أمور الضيافة، فإن هذا مما ينبغي أن يقوم به المضيف لإكرام ضيفه.