الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 277، ألقاها
يذكر فضل عثمان بن عفان ومنزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويعدد بعض فضائله مثل تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة. كما يشير إلى عموم فضل الصحابة ومكانتهم العظيمة.
يذكر النص تحريم سب الصحابة ومكانتهم العظيمة عند الله تعالى، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية في ذلك. كما يحذر من العواقب الوخيمة لسبهم أو لعنهم.
يشرح المقطع حديثا حول تغيير اسم بشير بن الخصاصية وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من المشي بين القبور بالنعال، ويبين معاني الأسماء وتأثيرها.
يذكر المقطع استثناءات تبيح لبس النعال في حالات الضرورة مثل وجود شوك أو أرض شديدة الحرارة، ويستند إلى القواعد الشرعية التي تنص على أن الضرورات تبيح المحظورات.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمد بن عقبة قال: حدثنا محمد بن إبراهيم اليشكري البصري قال: حدثتني جدتي أم كلثوم بنت ثمامة أنها قدمت حاجة، فإن أخاها المخارق بن ثمامة قال: ادخلي على عائشة وسليها عن عثمان بن عفان، فإن الناس قد أكثروا فيه عندنا. قالت: فدخلت عليها فقلت: بعض بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان. قالت: عليه السلام ورحمة الله. قالت: أما أنا فأشهد على ذلك أني رأيت عثمان في هذا البيت في ليلة قائضة - أي شديدة الحر - ونبي الله صلى الله عليه وسلم وجبريل يوحي إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يضرب كف أو كتف ابن عفان بيده، أكتب عثم، فما كان الله ينزل تلك المنزلة من نبيه صلى الله عليه وسلم إلا رجلا عليه كريما، فمن سب ابن عفان فعليه لعنة الله. ذكر الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب، وهو باب من دعا صاحبه فيختصر وينقص من اسمه شيئا - أي يحدث من اسمه حرفا أو حرفين. والشاهد منه قول عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أكتب عثم، فحذف النبي صلى الله عليه وسلم الألف والنون من اسم عثمان، فيدل ذلك على جواز مثل ذلك، وهو كما قلنا ما يسمى في النحو بالترخيم - ترخيم الإسم - وله قواعد مذكورة في كتب النحو. وهذا الحديث فيه أم كلثوم بنت ثمامة وهي مجهولة، لكن معنى الحديث صحيح من حيث فضل عثمان رضي الله تعالى عنه، وما ثبته من فضائله رضي الله تعالى عنه. وفي هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن عثمان بن عفان، وكان بعض الناس قد تكلم عليه واتهموه باتهامات هو منها بريء رضي الله تعالى عنه، فذكرت أنها رأت موقفا في بيتها أن النبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه، وكان عنده عثمان، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضرب كف أو كتف عثمان بن عفان ويقول: اكتب عثم. قالت: فما كان الله ينزل تلك المنزلة من نبيه صلى الله عليه وسلم إلا رجلا عليه كريما، أي كان لعثمان رضي الله عنه منزلة عظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أحد كتاب الوحي، وفضائله رضي الله تعالى عنه كثيرة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد زوجه بابنتيه، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقال عليه الصلاة والسلام: من يجهز جيش العسرة وله الجنة، فجهزه عثمان رضي الله عنه. وقال: من يشتري بئر رومة ويجعل دلوه مع دلائي المسلمين وله الجنة، فاشتراه عثمان رضي الله تعالى عنه. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تستحي منه حين كان كاشفا عن فخذيه، فدخل عليه أبو بكر ثم عمر وهو على حالته، فلما دخل عثمان غطى عليه الصلاة والسلام فخذيه، فلما سئل عن ذلك قال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة. وفضائله رضي الله تعالى عنه كثيرة. فهذه الفضائل الخاصة وهو داخل في عموم الأدلة التي تدل على فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فالله عز وجل قد رضي عنهم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. وقال عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ إلى آخر الآية. والآيات في هذا كثيرة في ذكر فضائل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فهو من الصحابة الفضلاء وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد كذلك الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقولها: فمن سب ابن عفان فعليه لعنة الله، وذلك أن سب المسلم إذا سب المسلم أخاه أو لعنه ولم يكن أهلا لذلك، فإن السب واللعنة ترجع إلى صاحبها كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: إذا لعن المسلم أخاه صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبواب الأرض دونها، ثم تذهب يمينا وشمالا، فإن كان من سب أهلا لذلك وقعت عليه، وإلا رجعت على صاحبه - أي الذي سب. فمن يسب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أو يلعنهم فإن اللعنة ترجع عليه، لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم قد رضي الله تعالى عنهم وأثنى عليهم، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وقال: لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. لو أنفق من جاء بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم - يعني من كفي أحدهم - بل ولا نصيفه، ولا نصفه. وهذا يدل على عظيم فضلهم رضوان الله تعالى عليهم، فسبهم لا شك أنه من الذنوب العظيمة. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب محبة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والترضي عنهم، وكذلك الكف عن مساوئهم وعدم سبهم أو تنقصهم، وأن من فعل ذلك فهو على غير الصراط المستقيم. والله عز وجل جعل للصحابة رضوان الله تعالى عليهم لعظيم فضلهم من الأمور ما يكون سببا في رفع درجاتهم، واستمرار أجورهم. ومن ذلك ما امتحن الله سبحانه وتعالى به الخلق فيهم، فمن يسبهم أو يطعن فيهم أو يلعنهم فإنه بذلك ينقص من أجوره ويتحمل الآثام والأوزار. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: أتدرون من المفلس؟ قال: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وصدقة، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فحملت عليه، ثم طرح في النار. فهؤلاء يأتون يوم القيامة مفلسين - يأتون مفلسين من الحسنات - ويتحملون السيئات والآثام بسبب هذه الأفعال التي تصدر منهم. والشاهد كما قلنا من هذا الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: أكتب عثم. والحديث إن كان لا يصح، لكن كما قلنا معناه صحيح. وقد صحت أحاديث أخرى كما مر معنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: يا عائش. قال: باب زحم. قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا الأسود بن شيبان قال: حدثنا خالد بن سمير قال: حدثني بشير بن نهيك قال: حدثنا بشير قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك؟ قال: زحم. قال: بل أنت بشير. فبينما أنا أماشي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا بني، الخصاصية - وهي اسم إحدى جداته - قال: ما أصبحت تنقم على الله؟ قال: أصبحت. قال: ما أصبحت تنقم على الله؟ أصبحت تماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: بأبي وأمي، ما أنقم على الله شيئا، كل خير قد أصبت. فأتي على قبور المشركين فقال: قد سبق هؤلاء خيرا كثيرا. ثم أتى على قبور المسلمين فقال: قد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا. فإذا رجل عليه سبتيتان يمشي بين القبور، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك. فخلعهما. قال: وحدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبيد الله بن إياد عن أبيه قال: سمعت ليلى امرأة بشير تحدث عن بشير بن الخصاصية، وكان اسمه زحم، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا. والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقد مر معنا في باب قد مضى برقم الحديث سبعمائة وسبعين. وأسند به الإمام البخاري رحمه الله في ذلك الموضع على جواز قول: ويحك. وهنا ذكره رحمه الله في بيان تغيير اسم زحم. وزحم كما مر معنا أنه مأخوذ من المزاحمة، مأخوذ من المزاحمة، فيه معنى الزحام والمزاحمة. وهذا معنى فيه استكراه، فالشخص يكره الضيق والزحام. فلما كان اسمه كذلك كرهه النبي عليه الصلاة والسلام إلى بشير. وقال: بل أنت بشير. وبشير فيه معنى البشارة، وهو وصف من الأوصاف التي تصف بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. فسماه النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا. وقوله عليه الصلاة والسلام: ما أصبحت تنقم على الله؟ أصبحت تماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسليه، لأنه ترك أهله وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربما وجد في نفسه بسبب تركه لأهله ومقامه عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة التي هو فيها - أصبح يماشي النبي صلى الله عليه وسلم ويصاحبه - فقال رضي الله عنه: قلت بأبي وأمي، ما أنقم على الله شيئا، كل خير قد أصبت - أي أصبت كل خير بالمجيء إليك وصحبتك والجلوس عندك - فإنه يجد بذلك كل خير. ومعنى ذلك أن الإنسان يجد الخير كله بالتمسك بهذا الدين، والتفقه في دين الله، وتعلم أحكامه، فإنه لا يفوته بإذن الله شيء من الخير، وإن ترك أهله وترك بلاده وترك وطنه لله سبحانه وتعالى، فإنه بإذن الله يدرك الخير كله. وبقية الحديث كالذي مر الكلام عليه فيما قد سبق في قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى على قبور المشركين: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا - عن إفلاتهم خيرا كثيرا - فات المشركون خيرا كثيرا بسبب شركهم وكفرهم. ومن أعظم الخير الفوز بالجنة والنجاة من النار. ولما مر بقبور المسلمين قال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا - أي بسبب إيمانهم وإسلامهم - وأعظم الخير دخول الجنة والنجاة من النار. ثم رأى رجلا عليه سبتيتان - يعني نعلا سبتيتين - وهي تصنع من جلود البقر - يمشي بين القبور، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك. أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يخلعهما، فلا يجوز للمسلم أن يمشي بين القبور بنعليه، لأن هذا مما يتأذى منه الأموات، فينبغي عدم فعل ذلك إلا للضرورة. فقد أجاز العلماء النعال للضرورة، كأن تكون هناك شوك أو الأرض شديدة الحرارة، فلا يتحمل أن يمشي بلا نعال، فلا بأس حينئذ للضرورة. والضرورات تبيح المحظورات. والله تعالى أعلم.