كتاب التفسير من صحيح البخاري 5

كتاب التفسير من صحيح البخاري 5

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح باب «وكان عرشه على الماء» وإسناد حديث الإنفاق

يستهل الشيخ بشرح باب البخاري «وكان عرشه على الماء» مستعرضاً إسناد الحديث من أبي اليمان إلى أبي هريرة مع ترجمة مختصرة للرواة ومناقشة وثاقتهم. ثم يعرض متن الحديث القدسي الذي يحث على الإنفاق ويبين سعة يد الله وعظمته، مع الإشارة إلى أن عرشه كان على الماء وبيده الميزان.

أحكام النفقة الواجبة والمستحبة وعظمة عطاء الله

يبين المقطع أنواع النفقة الواجبة ك الزكاة ونفقة العيال والوالدين والبهائم، والنفقة المستحبة كصدقة الأقارب، مع ذكر خلاف فقهي في وجوب النفقة على غير الأصول والفروع والزوجة ورجح شيخ الإسلام وجوبها. كما يشرح حديث «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة» مستدلاً بحديث البذرة على أن عطاء الله لا ينقصه إنفاقه شيئاً، وأن عرشه على الماء دليل قدرته وكرمه.

أسبقية خلق العرش على القلم وتوضيحات لغوية لمصطلحات قرآنية

يستعرض المقطع أدلة السلف على أن العرش مخلوق قبل القلم مستندين إلى أحاديث صحيحة، ويرد رواية أول ما خلق الله القلم بأنها شاذة. ثم ينتقل إلى شرح معاني ألفاظ لغوية وقرآنية مثل: اعتراه، عنيد، الأشهاد، استعمركم، العُمْر، نكرهم، حميد مجيد، وسجيل/سجين مع الاستشهاد بالشعر واللغة.

نقل المعاني عن أبي عبيدة معمر بن المثنى وخاتمة الدرس

يُشير المقطع إلى أن الإمام البخاري استقى هذه المعاني اللغوية والتفسيرية من أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن. ثم يُختتم الحديث بالاكتفاء بما ذُكر من فوائد والتسليم لله تعالى في علم الغيب والتفاصيل الدقيقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وكان عرشه على الماء». «وكان عرشه على الماء»؛ هذا جزء من آية بسورة هود. أي: كان عرش الله عز وجل على الماء. قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم ابن نافع الحمصي. الحمصي: أي إلى حمص، أين حمص؟ سوريا. قال: أخبرنا شعيب، هو ابن أبي حمزة، أيضاً حمصي، كان حافظاً من حفاظ الحديث، من أصحاب الزهري. شعيب ابن أبي حمزة؛ إلى أنه كان عسراً في الرواية، ولهذا ضروه أصحابه أن يجيز لهم قبل موته، أن يجيز لهم كتبه. كانت كتبه عند ابنه بشر، فهو أبو بشر، شعيب ابن أبي حمزة. يقال: إن أبا حمزة، أي: أباه، اسمه دينار. قال: حدثنا أبو الزناد، وهو عبد الله ابن ذكوان، أبو عبد الرحمن. له كنيتان: اشتهر بأبي الزناد، ويكنى بأبي عبد الرحمن. ابنه الأكبر عبد الرحمن ابن أبي الزناد، وكان ثقة من أهل المدينة، وقد أكثر عن الأعرج، أكثر عن الأعرج حتى صار حديث الأعرج من الحديث التي قد جاوزت القنطرة، على من الصحاح. حتى قيل لأحمد ابن حنبل رحمه الله: أيهما أفضل، الزهري عن الأعرج، أو أبو الزناد عن الأعرج؟ فقال أحمد رحمه الله: «وماذا وماذا روى الزهري عن الأعرج؟» يعني: روى شيئاً يسيراً، فكيف يقارن بأبي الزناد في الأعرج؟ وهذا الإسناد دائماً تجده في البخاري وفي مسلم: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قال: عن الأعرج، وهو عبد الرحمن ابن هرمز، كان أيضاً من أصحاب أبي هريرة، من أهل المدينة. بالزناد من أهل المدينة، والأعرج كذلك، وأبو هريرة من أهل... من أهل... من أهل... من أهل اليمن، يمن، أصله يمني، أصله يمني، لكنه نزل المدينة وسكنها، فهو يعتبر من أهل المدينة، لكن أصله يمني، دوسي من قبيلة دوس التي كانت تسكن اليمن. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه. فالإسناد الآن أوله شامي وآخره مدني، وهذه نسخة كثيراً ما يذكر البخاري منها حديث. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله عز وجل: أنفق، أنفق عليك. وقال: يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟» وقال: «وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغب ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع». هذا الحديث حديث عظيم، ذكره الإمام البخاري هنا، وهو ليس حديثاً واحداً، بل حديثان ضمهما مع بعض. في الحديث الأول: «يا ابن آدم، أنفق، أنفق عليك». وجاء في رواية مسلم أنه زاد: «ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا ولفلان كذا». وقوله: «أنفق، أنفق عليك»؛ الله عز وجل يجازي العبد بنفقته، إن أنفق أنفق الله عز وجل عليه. والمراد هنا بالنفقة: النفقة الواجبة والنفقة المستحبة. النفقة الواجبة: مثل الزكاة، مثل النفقة على العيال الأولاد، النفقة على الزوجة، النفقة على الوالدين. وأما النفقة المستحبة: كالصدقة على الأهل أو على الأقارب. وأما مسألة الأقارب الذين هم ليسوا من أولي من ذكرناهم كالوالدين والزوجة والأبناء، فالمسألة فيها الخلاف: هل هي من النفقة الواجبة عليهم أم ليست واجبة؟ إنسان مثلاً عنده أخ، ليس عنده شيء، ما عنده عمل، هل يجب عليه أن ينفق وهو عنده ما يكفيه ويكفي عياله ويزيد؟ فهل ينفق عليه أم أنه يستحب فقط وليس بواجب؟ فذهب شيخ الإسلام رحمه الله، وهو قول لأحمد، على أنه واجب؛ لأنه واجب ينفق عليه. وأما أيضاً من النفقة الواجبة: النفقة حتى على البهائم. الإنسان عنده أغنام يجب عليه أن ينفق، إن كان مثلاً أكلهن أو لم يجد أكل لهن، وليس لهن مرعى، فيجب عليه أن يوفر لهن ما يأكل. وكذلك أيضاً من في يده من الرقيق وغيره. وقوله عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة»؛ أنا إذا أنفق الإنسان أنفق الله عز وجل عليه، ونفقة الله عز وجل عظيمة، وهو الكريم سبحانه وتعالى، ومهما أنفق سبحانه جل وعلا، فيده ملأى جل وعلا من الخير ومن العطاء، لا تنقصها هذه النفقات، لا تنقصها هذه النفقات. وهذا مثل ما جاء في حديث بذرة الذي أخرجه الإمام مسلم، حديث عبد الله بن الصامت، أنا بذرة حديثاً قدسياً، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، وسأل كل واحد مسألته، فأعطيته، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذا أدخل... إذا أدخل الإصبع... إلا كما ينقص إذا أدخل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع». إنسان يدخل إصبعه في البحر، يغمس إصبعه في البحر ويرفعه، فلينظر بما يرجع، يرجع بلا شيء، قطرة من بحر عظيم. فقال عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار». أي: العطاء مليئة بالعطاء، السحاء هو العطاء. فقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟» أو: «منذ خلق السماء والأرض وهو ينفق سبحانه وتعالى كل تلك... كل هذه النفقة لم تنقص شيئاً من نفقته جل وعلا، لم يغب ما في يده، فإنه لم يغب ما في يده، وكان عرشه على الماء». وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث: «وكان عرشه على الماء». والعرش من المخلوقات العظيمة والمخلوقات القديمة، وقد ذهب أكثر السلف أن العرش قبل القلم، أن العرش قبل القلم. واستدلوا بحديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله خلق السماوات والأرض... إن الله قدر مقادير الخلق... إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». فدل على أن العرش كان موجوداً قبل تقدير المقادير. إنما القلم خلقه الله عز وجل عندما قدر المقادير، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما كان... ما كان في هذه الدنيا منذ خلقها...» كما جاء أو كما جاء في الحديث. فهنا دل على أن العرش قبل القلم. وعما الرواية التي جاءت بأن أول ما خلق الله القلم، أن أول ما خلقه الله القلم، فهذه الرواية شاذة وليست صحيحة، وإنما الرواية الصحيحة: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب»، أي: أول ما خلقه لهذا الغرض. فلهذا، كما نقل شيخ الإسلام رحمه الله عن عامة السلف وأكثر السلف، أنهم يقولون: إن العرش أقدم من خلق القلم، وأنهم يقولون أيضاً بحوادث لا أول لها، بحوادث لا أول لها. قالوا: «وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع». قالوا: قوله: «اعتراه»؛ افتعلت من عروته، أي: أصابته. ومنه: «يعروه» و«اعتران آخذ بناصيتها»، أي: في ملكه وسلطانه. أنا آخذ، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، أي: داخل في ملكه سبحانه وتعالى وسلطانه. هذه بعض المعاني ذكرها. بعد ذلك: «عنيد» و«عانود» و«عاند» واحد، وهو تأكيد التجبر. أنا عنيد: أي في تجبره. قال: «يقول: الأشهاد»، واحدة: «شاهد»، واحده: «شاهد»، الأشهاد مفرده: «شاهد»، مثل: «صاحب» و«أصحاب». وقول: «استعمركم»، أي: جعلكم عماراً. وقول: «أعمرته الدار فهي عُمْر»، جعلت هالة... قد ذكرنا أحكام العُمْر في فيما سبق عن العُمْر، أي: من الإعمار. إذا قال الإنسان: «أعمر هذه بيتي عُمْراً لك، عُمْراً لك»، أي: أعمرتك إياها فهي له. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه: أعمرتك دار، فهي له ولعقبه»، فهي له ولعقبه. قال: «نكرهم وأنكرهم واستنكرهم واحد»، أنا كل هذه معنى من مشتقات الإنكار. قال: «حميد مجيد»، كأنه فعيل من «ماجد» و«محمود» من «حميد». عن: أنه مصدر. و«سجيل»: الشديد الكبير. قال: «سجيل، سجين واحد، واللام والنون أختان». وقال تميم بن مقبل، وهو من الصحابة: «ورجلة يضربون البيض ضاحية، أي في الضحى، ضرباً تواصى به الأبطال، سجين». فالسجين هو الشديد والكبير، كما قال أبو عبيدة. هذه المعاني أخذها إمام البخاري من أبي عبيدة معمر بن المثنى. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.