الدرس في كتاب الجهاد 3، 5-باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تمني لقاء العدو لما فيه من معاني العجب والاتكال على النفس، وأمر بالصبر عند اللقاء والتوكل على الله. دل على ذلك حديثا أبي هريرة وعبد الله بن أبي أوفى اللذان أخرجهما البخاري في كتاب الجهاد.
كما حصل في غزوة حنين حيث أعجب المسلمون بكثرتهم فابتلاهم الله، يرى العلماء أن هذا النهي يشمل طلب المبارزة في القتال، والأولى للمسلم ألا يطلب ذلك. نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تمني لقاء العدو لما فيه من العجب والغرور.
يتناول فضل الجهاد في سبيل الله، وأهمية الصبر عند لقاء العدو، واستحباب الخروج في أول النهار أو بعد الزوال للقاء العدو. كما يبين أن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن عظم الجزاء يأتي مع عظم البلاء.
القتال في الليل قد يترتب عليه مفاسد مثل وقوع الضرر على من لا يستحق، لكن قد يكون ضروريا في بعض الأحيان إذا كان هناك هدف أعظم. اختلاط جيش المسلمين بجيش الكافرين من المفاسد المحتملة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء. قال: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد، باب لا تمنوا لقاء العدو. قال: حديث عبد الله بن أبي أوفى: كتب إلى عمر بن عبيد الله حين خرج إلى الحرورية: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: «أيها الناس، لا تمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». ثم قال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أهزمهم وانصرنا عليهم». قال: أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب لا تمنوا لقاء العدو. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب في سياق ذكره للأبواب المتعلقة بكتاب الجهاد، فقال: باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء. وعلى قاعدته التبويب على ما بوب على صحيح مسلم. فقوله: باب كراهة تمني لقاء العدو، أي: هذا مدخل في معرفة حكم كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، وهو ظاهر. ثم ذكر الحديثين: حديث أبي هريرة، وابن أبي أوفى، وفيهما دلالة ظاهرة على هذا المعنى. أما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه البخاري في الموضع المشار إليه، فقال -رحمه الله-: وقال أبو عامر: قال حدثنا مغير بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فذكر الحديث بلفظه. وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى، فكذلك أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال -رحمه الله-: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله، قال: أنه كتب كتابًا، فكتب إليه عبد الله بن أبي أوفى، فذكر الحديث بلفظه. وهذا الحديث وما قبله قد تضمن مسائل، من أهمها ما بوب في هذا الباب من كراهة تمني لقاء العدو. وقد ذكر العلماء أن علة ذلك أمور، من أهمها: أن ذلك -أي تمني لقاء العدو- في الغالب يصدر عن معنى من معاني العجب والاتكال على النفس والعز بها، وهذا نوع من أنواع البغي الذي لا ينبغي أن يتصف به المسلم، خصوصًا في مثل هذا الموضع الذي ينبغي أن يكون أكثر فقرًا إلى الله -سبحانه وتعالى- وأكثر التجاًا إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ لأجل أن يتحقق عنده بلسانه وبقلبه وبحاله أنه فقير إلى ربه -جل وعلا- محتاج إلى عونه ونصره. فإن النصر حقيقة ليس بحولنا ولا بقوتنا، ولكنه بحول الله وقوته ونصره وتأييده. فلذلك يترك المسلم في مثل هذا المقام كل معنى قولي أو فعلي ظاهر أو باطن يكون فيه الاتكال على النفس والغرور بها. وتمني لقاء العدو من هذا الباب، فلذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه، حتى ولو كان أراد صاحبه النية الحسنة؛ فلأجل سد هذا الباب ومعناه ومادته نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك. خصوصًا أنه لا يخفى أن هذا الباب لا يطلع عليه إلا رب الأرباب، فحتى لا يبتل القوم بذنوب بعض، ولا تقع المصيبة ببغي بعض، نهينا عن مثل هذا. وفي هذا لمحة وإشارة: إذا كان هذا في مثل هذا المعنى اللطيف الدقيق، فما هو أولى منه من باب أولى؟ ما هو أولى منه من باب أولى؟ كان يحصل الفخر بعدد أو بعدة. ومن ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. قال بعض الصحابة حين رأوا ذلك الجمع الغفير والعدد الكثير بعد عام الفتح، وقد خرجوا إلى هوازن ومن معهم، فقالوا: لن نغلب اليوم من قلة -يعني نحن كثير- فابتلاهم الله -عز وجل-. قال بعض أهل العلم: تأديبًا من الله -سبحانه وتعالى-، تأديبًا من الله -سبحانه وتعالى-. فإذا كان هذا في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- وفي جيش فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- وخيار الناس بعده صحابته الكرام -رضي الله عنهم أرضاهم-، فمن دونهم من باب أولى ألا يحصل منهم أي قول أو فعل يوحي بمثل هذا المعنى. والمعنى الآخر الذي من أجله كان هذا النهي ما ذكره العلماء: أن قائل ذلك قد يكون قد استعجل الشيء قبل أوانه؛ فإنه لا يعلم ما يؤول إليه الأمر من تحقق الصبر عند اللقاء والثبات. فلا يدري المرء ما يكون. ويذكر العلماء في هذا المقام -كما أشار المعلق- أثر أبي بكر -رضي الله عنه أرضاه-: «لئن أعافى فأشكر خير من أن أبتلى فأصبر؛ لأن الشكر مع المعافاة أيسر من الصبر مع الابتلاء، أيسر من الصبر مع الابتلاء». فإن المرء لا يدري هل إذا ابتلي يتحقق له الصبر أو لا يتحقق له الصبر؟ ولا يتمنى الإنسان البلاء، فكذلك لا يتمنى لقاء العدو؛ لأن لقاء العدو من البلاء، وهو بمثابة العافية من الفتن. فإن المسلم يدعو ربه -جل وعلا- أن يجنبه الفتن، حتى لا يعرض نفسه لتلك الفتن. ولكن إذا ابتلي فعليه بالصبر. وهكذا كذلك لقاء العدو: لا يتمنى لقاء العدو، ولكن إذا ابتلي فعليه بالصبر. فإذا كان كذلك، فهذا المعنى اللطيف كذلك يقال مثله فيما هو معناه وأولى منه؛ لأن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. فالأمور المتماثلة يلحق بعضها ببعض، ولو كانت في أبواب مختلفة. فلذلك نص بعض العلماء في هذا الموضع وفي هذا الحديث وشرحه نص على مسألة المبارزة: هل طلب المبارزة في القتال يدخل في هذا الباب في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتمنوا لقاء العدو»؟ ذهب جماعة من أهل العلم أنه منه، وأنه لا يجوز أن يتمنى المسلم لقاء العدو؛ لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر، ولأنه قد يكون فيه معنى من معاني العجب والغرور وغير ذلك. فقالوا: ومنه المبارزة. وذكروا في هذا آثار كثيرة راوية عن جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة تدل على هذا. وقد اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة، والصحيح فيها التفصيل: وهو أن الأحوط والأولى الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم أن لا يطلب ذلك. فإذا وقع فلا يجب. إذا وقع لا يجب يتشجع ويدخل المبارزة، لكن لا يطلبها ابتداء. وراوية عن إمام مالك -رحمه الله- أنه سئل عن ذلك، فقال: «إن أحسن نيته فأرجو أن لا بأس عليه، وإن طلبه أو ابتدره» -ومعناه: وإن ابتدأ طلبه-. ووجهه بعض أهل العلم: أنه إذا كان لمعنى فيه إدخال الرعب في قلوب الأعداء -إدخال الرعب في قلوب الأعداء-، كأن يكون مثلًا عنده علم أن هذا الجيش يتعلق بأميره تعلقًا كبيرًا، فهلاك الأمير زحزحة وكذلك خلخلة للجيش، فبعضهم قال: مثل هذا قد يكون لتضمنه غرض آخر غير غرض المبارزة؛ لتضمنه غرض آخر غير غرض المبارزة. فالمهم نعلم أن الأصل هو عدم استحباب ابتدار ذلك. فالبعض من أهل العلم ذهب إلى منعه وحرمته، وأنه إذا وقع على معنى ليس فيه ذلك فهو جائز، وقد يكون فيه شيء من الاستحباب. ومن مسائل هذا الباب في هذا الحديث -حديث أبي هريرة وما بعده- الأمر بالصبر عند اللقاء؛ ففيه تأكيد أمر الصبر عند لقاء العدو، وذلك لأن لقاء العدو يحتاج إلى صبر حتى يثبت ويؤسر الله -عز وجل- له بالنصر. وبه يعلم أن من أسباب النصر ومن أسباب عون الله -عز وجل- الصبر؛ فإنه من أعظم ما يستعين به المقاتل في سبيل الله. فإن النصر مع الصبر عمومًا، وفي هذا الموضع خصوصًا. ولهذا أتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله في الحديث الثاني: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» -أن الجنة تحت ظلال السيوف-؛ تأكيد على الصبر والثبات، وإن وقعت شدة. فإن الجنة تحت ظلال السيوف، والمراد بالسيوف: سيوف الأعداء -سيوف الأعداء-؛ فإن ذلك موذن بابتلاء ومحنة. فلذلك ينبغي أن يوطن المجاهد نفسه على الصبر وعدم الخوف والجزع. وفيه كذلك فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ فمن فضائله أنه من أعظم أسباب دخول الجنة، كما في هذا الحديث وأحاديث أخرى. وفيه كذلك أن عظم الجزاء ما عظم البلاء، وهذا يفهم من قوله: «تحت ظلال السيوف». وفيه كذلك -كما قال بعض أهل العلم- الإشارة إلى حث المقاتلين على القرب من الأعداء؛ فإن القرب منهم بالضوابط الشرعية وبكذلك الخبرات المعروفة عند أهلها مما يكون به التنكيل بالعدو. ويفهم ذلك من قوله: «تحت ظلال السيوف»؛ فيكون في ذلك تشجيع للمقاتلين في سبيل الله أن لا يحصل منهم شيء من الضعف والخوف الذي يكون به الابتعاد، بل القرب الذي يكون بإذن الله به النصر. وهذا شيء مجرب؛ فإن العدو إذا رآك متشجعا ومقبلًا غير مدبر أصابه الرعب والخوف، لكن إذا رآك ضعيفًا وجبانًا ومتأخرًا فإنه يتشجع عليك. حتى الحيوان -حتى الحيوان- يجد هذا؛ فكيف بالإنسان؟ رب كلب مثلًا ينبح عليك، فإذا وجدك مقبلًا عليه فر، لكن إذا رآك رجعت إلى الوراء تشجع وكر عليك، تشجع وكر عليك. والإنسان من باب أولى. وهذا معنى لطيف أشار إليه بعض الشراح. وفيه من المسائل كذلك استحباب الخروج في أول النهار، فإن لم يكن فبعد الزوال. وكان هذا هدي نبينا -عليه الصلاة والسلام-: كان يخرج في أول النهار، فإذا لم يكن خرج بعد زوال الشمس. قال العلماء: وهذا مع ما فيه من الدليل ومتابعة السنة، فيه كذلك معنى آخر من معاني الخبرة في الحرب؛ وذلك أن وقت النهار في الغالب هو وقت البغتة -بغتة الناس- يعني في أول النهار، وكذلك وقت الظهيرة بعد الزوال الغالب أنه وقت راحة الناس. فكونه يكون في مثل هذا الوقت، فإنه مطلوب. قد يقول قائل: في الليل أفضل؟ الجواب: قد فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كما مر معنا في أحاديث؛ فإنه ماذا أتى على بعض المشركين وفي البيات -كما وقع لخزاعة في غزوة المريسيع- وهكذا كذلك في غيرها، كما رواه جماعة من الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. لكن لم يكن هذا هو الغالب لعموم لأمور؛ وذلك لأنه في هذا الوقت في الغالب قد يحصل فيه من الضرر على من لا يستحق الضرر، بخلاف ما يكون إذا كان هناك ضوء النهار. وكذلك قد يحصل من الاختلاط بعدم التميز -تميز جيش المسلمين من جيش الكافرين-، وهذه مفاسد متوقعة. لكن إذا كان أمامها شيء أعظم، فإنه قد يحتاج إليه. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أتى خزاعة؛ لأنهم كانوا قد بيتوا المجيء إليه -عليه الصلاة والسلام-، فلما علم باجتماعهم وما يريدون سبقهم -عليه الصلاة والسلام- في ذلك. **تنبيه هام**: النص السابق هو النص الأصلي المصحح والمنسق، بدون أي مقدمات أو تعليقات إضافية.