الدرس في شرح العقيدة الواسطية 52، ألقاها
تناول الشارخ الآيات التي تثبت صفة الكلام لله عز وجل، وناقش نزاع الناس حول هذه المسألة ورد على من قال بأن كلام الله مخلوق.
الكلابية والأشعرية يعتقدون أن كلام الله كلام واحد أزلي لا يتعلق بمشيئته، ويقولون إن الحروف والأصوات ليست من كلام الله حقيقة.
كلام الله أزلي باعتبار نوعه، حادث باعتبار أفراده، وتوضيح آراء مختلف الفرق الإسلامية حول هذه العقيدة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام: وقوله «ومن أصدق من الله حديثا» وقوله «ومن أصدق من الله قيل» وقوله «وإذ قال الله يا عيسى» وإذ قال الله يا عيسى بن مريم وقوله «وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا» وقوله «وكلم الله موسى تكليما» وقوله «منهم من كلم الله» وقوله ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ وقوله ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ادْخُلِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وقوله «ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين» وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلك قال الله من قبل واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته. قال الشارح رحمه الله: تضمنت هذه الآيات إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وقد تنازع الناس حول هذه المسألة نزاعا كبيرا، فمنهم من جعل كلامه سبحانه مخلوقا منفصلا منه، وهذا كقول معتزلة والجهمية ومن سار على سيرهم، يقولون إن كلام الله عز وجل مخلوق منفصل عن الله عز وجل، فيقولون إنه مخلوق، ثم احتاروا في هذا الكلام إلى من ينسب، هل هو كلام خلقه الله عز وجل في الهواء أم أن الله عز وجل جعله أو خلق هذا الكلام في شخص ما؟ اختلفوا واضطربوا، وهذا يدل على أنهم لم يوفقوا للصواب في القول في هذه المسألة. إذ أن الكلام إذا كان مضافا إلى ذلك الشيء كان كلاما لذلك الشيء، إذا كان الهواء كان كلام الهواء، إذا فرض فرضا أن الكلام جعله وخلقه الله عز وجل في الهواء هو كلام لذلك الهواء، لكن هم يريدون أن يتخلصوا من ذلك فيقولون: ماذا يقولون؟ خلقه الله في غير محل، خلقه الله عز وجل في غير محل، فيقولون: الكلام ليتكلم الله جل وعلا به حادث، وكل حادث مخلوق، فإذا أضيف الكلام إلى الله عز وجل لزم أن يكون الخالق حادثا، قال: وهذا محال، وإما أن يضاف إلى غير الله عز وجل، فإذا أضيف إلى غير الله عز وجل كان ذاك الكلام وصفا لذلك الغير، وقد وصفهم أو قد أضافه الله عز وجل إلى نفسه، فلا ينبغي أن يضاف إلى غيره. ماذا بقي؟ قالوا: إذن نقول إنه كلام في غير محل، لا في محل، كلام لا في محل، إذن جعلوا هذا الكلام معلقا في ماذا؟ معلقا بشيء عدمي، فإذا كان معلقا بشيء عدمي فهل يكون له حقيقة؟ ليس له حقيقة، وهذا هو حقيقة قولهم، ثم نزعوا فقالوا: ماذا؟ قالوا: هو مخلوق في غير محل، هو مخلوق لا في محل، لا يضاف إلى الله ولا يضاف إلى غير الله، إلى من يضاف؟ لا يضاف إلى شيء، ولكن يقال إنه مخلوق لا في محل. وهذا كما يقال: إذا تصور الإنسان هذا المعنى كفاه الرد والمؤنة في ظهور وبيان بطلانه، وذلك أن الصفة لا تقوم إلا بموصوف، فإما أن تضاف إلى موصوف وإما أن لا يكون هناك صفة، فهم لم يضيفوها إلى موصوف، لم يضيفوها إلى الله ولم يضيفوها إلى شيء من مخلوقاته، ولكن قالوا: مخلوق لا في محل، فجعلوا الصفة من غير موصوف، وهذا حقيقة كما سمعتم، من تصور هذا القول تبين له بيانا واضحا بطلان هذه المقالة وفسادها. قال رحمه الله: فمنهم من جعل كلامه سبحانه مخلوقا منفصلا منه، وقال: إن معنى متكلم خالق للكلام، وهم المعتزلة، وقد نقل غير واحد الإجماع على كفر من قال إن القرآن مخلوق، وهذا مما علم عند علماء السنة بالضرورة لتكاثر الأدلة في ثبوت كلام الله عز وجل وأنه من صفات الله عز وجل. وكما ترون شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أول الكتاب إلى هذا الموضع لم يسرد آيات في مقام أو في صفة كسرده في هذه الصفة، ذكر آيات كثيرة ليبين هذا المعنى، وكما ذكر من ذكر من أهل العلم أن الشريعة من أولها إلى آخرها قائمة على هذه الصفة، إذ أن الرسل بعثوا بتبليغ كلام الله عز وجل، الرسل بعثوا بتبليغ كلام الله، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «من يأويني حتى أبلغ كلام الله؟» فالرسل يبلغون عن ربهم عز وجل كلامه. فمن نفى الكلام قطع هذه الصلة التي بها أرسل الله عز وجل الرسل لأجل أن يبلغوا عنه سبحانه وتعالى مراده، وكما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من اللوازم الفاسدة والباطلة على هذا القول، ذكر لوازم كثيرة منها الطعن في الرسالات من أولها إلى آخرها، لأن مبنى الرسالات على تبليغ كلام الله عز وجل، وكما سمعتم أدلتها أكثر وأظهر وأشهر من أن تذكر، والقرآن من أوله إلى آخره هو من كلام الله عز وجل، وكثير من السنة كذلك جاءت فيها النصوص الواضحة أنها من كلام الله، أي الحديث القدسي، كذلك من كلام الله عز وجل، وكذلك ما كلم الله عز وجل به الرسل كذلك هو من كلام الله عز وجل. فكلام الله عز وجل قد دلت عليه الأدلة الكثيرة التي لا تحد ولا تحصى، لذا قد اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على القول بأن من قال إن القرآن مخلوق فإنه كافر، كما كان هذا ظاهر واشتهر في زمان الإمام أحمد رحمه الله تعالى والأئمة رحمهم الله تعالى حينما أظهرت المعتزلة هذه المقالة الباطلة الفاسدة فردها أئمة الإسلام بالحجة والبرهان. قال: ومنهم من جعله لازما لذاته أزلا وأبدا لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ونفى عنه الحرف والصوت، وقال: إنه معنى واحد في الأزل، وهم الكلابية والأشعرية، هؤلاء الكلابية والأشعرية يقولون في كلام الله عز وجل أنه كلام واحد تكلم الله عز وجل به بالأزل، وهذا بناء على منعهم لكون كلام الله عز وجل يحدثه الله عز وجل متى شاء. هم يقولون: ممنوع أن نقول إن كلام الله عز وجل محدث بمعنى أن الله عز وجل يتكلم به متى شاء، لأنهم كما هي عادتهم اتخذوا ألفاظا مجملة فبنوا عليها دينهم وعقائدهم، أخذوا لفظ المحدث وهو من ألفاظ المجملة، فبنوا عليه هذه العقيدة، قالوا: كل محدث مخلوق، وإذا وصفنا الله عز وجل بأن كلامه محد الله عز وجل لازم أن نقول بأن كلامه مخلوق، والكلام صفة لله عز وجل ليست بمخلوقة، إذن ما هي النتيجة؟ النتيجة إما أن نقول بقول معتزلة وإما أن نفر من قول معتزلة، بقولنا: الكلام المحدث ليس من كلام الله، ولكن كلام الله عز وجل أزلي بأزليته. طيب وكذلك تفطنوا للازم قد يلزمون به، وهو أنهم إذا قيل لهم: إن الله عز وجل تكلم بالقرآن وقبله الإنجيل وقبله التوراة وكلم موسى وكلم قبله آدم وكلم كذلك قبله الملائكة، إذن يلزم من ذلك أن يكون كلام الله عز وجل بعضه قبل بعض، وأن الله عز وجل تكلم في فترات، وهذا هو حقيقة كونه حادثا، فماذا قالوا؟ قالوا: لا، لا نقول بهذا، بل نقول: إن الله عز وجل تكلم بهذا الكلام كله أزلا وأبدا دفعة واحدة. وإنما الكلام كلام الله عز وجل حقيقة إنما هو المعنى، إنما هو معنى في نفس الله عز وجل، لم يتكلم الله عز وجل به حقيقة، وهذه الحروف وهذه الأصوات إنما هي عبارة عن كلام الله عز وجل كما قالت الأشاعرة، أو هو حكاية عن كلام الله عز وجل كما قالت الكلابية، إذن هذا الكلام الذي تكلم الله عز وجل به حقيقة حينما قال للملائكة: «إني خالق في الأرض، إني جاعل في الأرض خليفة»، هذا إنما هو كلام نفساني، الألفاظ والحروف والأصوات ليست من كلام الله عز وجل، إنما هي عبارة عن كلام الله على قول الأشاعرة، وحكاية عن كلام الله كما قالت الكلابية. إذن حقيقة أمرهم ما هو؟ هل الكلام الذي تكلم الله عز وجل حقيقته أنه من كلام الله أو من كلام غيره؟ واضح، لأنهم يقولون: هذه الحروف والأصوات ليست من كلام الله، إذا من كلام من؟ من كلام غيره سبحانه وتعالى، ثم اضطربوا في هذا الغير، فتارة يقولون: إن الله عز وجل قذفهم في نفس جبريل، أو أن جبريل علم ما في نفس الله عز وجل، فعبروا عما في نفس الله، وتارة يقولون: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، فأخذ من اللوح المحفوظ، وتارة في القرآن خاصة يقولون: تارة يقولون: إن نبي رسول الله عليه وسلم هو الذي عبر عن ربه عز وجل مراده من كلامه. هو تارة يقول: جبريل، وتارة يقولون: أخذه من اللوح المحفوظ، والمقصد من ذلك كله أن يقولوا: إن الحرف والصوت ليس من كلام الله، ومع هذا أنكروا على المعتزلة ووافقوا السنة في أن من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، وحقيقة أمرهم ما هو؟ هل يخالفون المعتزلة؟ لا يخالفون المعتزلة، بل حصل منهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا القول كما قال: وكذا تلميذه ابن القيم، قال: وقد تسلط عليهم المعتزلة بسبب هذه المقالة، لماذا تسلط عليهم المعتزلة؟ قال: لأنهم أتوا بقول لم يسبقوا إليه قط، وكذلك هذا القول من تصوره تبين له بطلان ذلك القول. إذ كيف يسمى كلام إلى متكلم ثم يقال: إن هذا المتكلم لم يتكلم به حقيقة لا بصوت ولا بحرف، وإنما هو في نفسه وعبر غيره عن مراده، واضح، ولهم شبه في ذلك، منهم أنهم ينزلون إلى بيت الأخطل: يقولون: «إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا»، فهم يقولون: ماذا؟ إن الكلام لفي ماذا؟ لفي الفؤاد، لفي النفس، وإنما جعل اللسان على ما في الفؤاد دليلا، أرادوا بذلك أن حقيقة الكلام هو فيما في النفس، وأما اللسان فإنما هو دليل على الكلام وليس هو الكلام. أي: لا يكون الكلام باللسان وبالنطق وباللفظ وبالحرف، وهذا أولا القول، وهذا البيت الذي ذكروه بيت حسبك أنه من قول نصراني، أنه من قول الأخطل، ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى كما ذكر ذلك ابن قدامة رحمه الله تعالى وذكر عن شيخه الخشاب وكان من أهل اللغة والنحو، قال: فاطلعت في دواوين الأخطل العتيقة أي القديمة، قال: فلم أر هذا البيت فيها، وذكر الإمام السجزي رحمه الله تعالى أنه قال: يروى هذا البيت بلفظ آخر: وهو «إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا»، إن البيان فرق بين إن الكلام وإن البيان، قال: فحرفه من حرفه. فالحاصل: إنما قالت الأشاعر والكلابية مآلها إلى مقالة المعتزلة، بل قال بعض أهل العلم: إن قول هؤلاء الكلابية والأشاعرة أشبه ما يكون بقول النصارى في عيسى بن مريم، إن النصارى قالوا في عيسى بن مريم أنه مكون من جزئين، أحدهما إلهي والآخر إنساني، وهؤلاء يقولون في كلام الله عز وجل كذلك: يتكون من جزئين، أحدهما إلهي وهو المعنى النفساني، والثاني إنساني وهو الألفاظ والحروف، قالوا: فأشبه النصارى، لذا رد بعض أهل العلم بيت الأخطل النصراني لو ثبت بأنه مبنى على عقيدته الفاسدة. هذا، ثم أمر ثالث ورابع وخامس: كيف يتركون كتاب الله عز وجل؟ وفيه الآيات الواضحات الصريحات في إثبات الكلام لله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كذلك، «من يأويني حتى أبلغ كلمات ربي أو قال: كلام ربي؟» كلام صريح واضح، وإجماع الأمة وسلف هذه الأمة والقرون الثلاثة على هذا المعنى على إثبات الكلام صفة لله جل وعلى، وكما قلنا: سبب ما وقعوا فيه ابتلاؤهم بعلم الكلام وعدم تحقيقهم للألفاظ الشرعية من غير الشرعية. فهم أخذوا بلفظ الحادث فلم يحققوا هذا اللفظ ولم ينزلوا اللفظ على مقامه ومنزلته المرادة، ولفظ الحادث من الألفاظ المجملة الذي يراد بها حقا وباطلا، فتارة يطلق الحادث ويراد به المخلوق، وتارة يطلق الحادث ويراد به المتجدد، واضح، فكلام الله جل وعلا باعتبار كونه حديثا أي: أن الله عز وجل يتكلم به متى شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، هذا الأمر واضح. كما قال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، محدث أي: متجدد، واضح، وعقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب في باب كلام الله عز وجل: أن كلام الله جل وعلا باعتباره الكلام باعتبار نوعه قديم أزلي، ليس بمخلوق، بل الله عز وجل تكلم به بالأزل، الله جل وعلا تكلم بكلامه أزلا سبحانه وتعالى. وباعتبار أفراد الكلام، كلام الله عز وجل حادث، ما معنى حادث؟ أي: يتكلم الله جل وعلا به متى شاء كيف شاء، كلم الله عز وجل الملائكة قبل أن يخلق آدم، ثم لما خلق آدم كلمهم، ثم كلم الملائكة أخرى فأمرهم بالسجود لآدم، ثم كلم آدم بأن يكون على حذر من إبليس، ثم كلم الله عز وجل بعد قرون كلم موسى عليه السلام، وكلم الله موسى تكليما، ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الآية. كذلك كلم ربنا عز وجل بعد ذلك من شاء من خلقه، وكلم محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكلم كذلك من شاء من ملائكته سبحانه وتعالى متى شاء كيف شاء، كما جاءت الأحاديث في ذلك، كما في الصحيح: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه»، فهذا فيه نداء من الله عز وجل لجبريل إذا أحب عبدا، وهذه المحبة مسلمرة لمن شاء الله عز وجل إذا أحب عبدا، والعباد كثيرون الذين يحبهم الله عز وجل في كل زمان وفي كل مكان. واضح هذا، وهذا يدل على تجدد كلام الله عز وجل وأنه يتكلم متى شاء مع من شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، خاطبا سبحانه وتعالى السماوات عند خلقهم، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، كلم السماوات والأرض حقيقة، كلمهما حقيقة ربنا عز وجل، وكذلك كما قال ربنا عن نفسه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا الأمر مستمر كذلك في كلمات الله عز وجل الكونية إلى ما لا نهاية. مستمر في كلمات الله عز وجل الكونية إلى ما لا نهاية، وهذا كما سمعتم هو فصل الخطاب بين أهل السنة وبين هؤلاء، بقي ما الفرق بين قول الأشاعرة: عبارة عن كلام الله، وقول الكلابية: حكاية عن كلام الله؟ الجواب: أن قول الأشاعرة: أن الكلام عبارة عن كلام الله، وإنما عبر به من عبر عن الله عز وجل المراد به أنهم تكلموا أو نقلوا معنى مراد الله عز وجل، نقلوا معنى مراد الله عز وجل، وكلام الله عز وجل النفساني، نقلوا المعنى. أما قول الكلابية: حكاية، فإنهم نقلوا اللفظ على ما هو عليه، واضح، فمعنى عبارة: أي أن هذا المعبر عبر عن معنى كلام الله، وأما قولهم قول الكلابية: حكاية، أنه نقل اللفظ المراد لله عز وجل على وجهه، اللفظ المراد عن الله عز وجل على وجهه، طيب، ومنهم من زعم أنه حروف وأصوات قديمة لازمة للذات، وقال: إنها مترتبة في الأزل، سبحانه لا يتكلم بها شيئا بعد شيء، وهم بعض الغلاة، وهذا قول السالمية، أتباع ابن سالم. يقولون: إنه حروف وأصوات، أن كلام الله حروف وأصوات، هذا جيد، ولكنهم يقولون: قديمة لازمة للذات، وإذا كانت قديمة لازمة للذات أي: معناه أن الله تكلم بها أزلا وأبدا، ولم يتكلم متى شاء كيف شاء مع من شاء، فالله، قال: ومنهم من جعله حادثا قائما بذاته تعالى ومتعلقا بمشيئته وقدرته، ولكن زعم أن له ابتداء في ذاته، وأن الله لم يكن متكلما في الأزل، وهم الكرامية. وهؤلاء كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: من أقرب الطوائف في هذا الباب، أي في باب كلام الله عز وجل، إذ أنهم أقروا بأن كلام الله عز وجل متعلق بمشيئة الله عز وجل، وأن الله عز وجل تكلم بحرف وصوت، ولكنهم قالوا: إن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلما، واضح، فجعلوا النوع نوع الكلام جعلوا الكلام نوعه وأفراده حادث، نوعه وأفراده حادث، وهذا كما قال شيخ الإسلام: أقرب الطوائف، مع أنهم لم يصيبوا الحق، لكنهم أقرب من غيرهم في هذا الباب. أكمل الله هنا نتوقف، وقال رحمه الله: ويطول بنا القول لو اشتغلنا بمناقشة هذه الأقوال وإفسادها، على أن فسادها بين لكل ذي سليم ونظر مستقيم، طيب، قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة أي لأهل السنة في مسألة كلام الله عز وجل تسعة مذاهب، ذكروا لهم تسعة مذاهب، وقد ذكرها غير واحد من العلماء، ذكرها الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وكذلك نقلها عنهم العلامة ابن أبي العز في شرح الطحاوية، وكذلك نقلناها عنهم في كتابنا «فتح رب العباد» مع ذكر المصادر وذكر ما تعلق في هذه المسألة العظيمة التي هي مسألة كلام الله عز وجل وما ترتب عليها من المسائل واللوازم الفاسدة لمن قال إن الكلام ليس من كلام الله عز وجل. والله أعلم، سبحانك اللهم بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.