الدرس في شرح العقيدة الواسطية 20، ألقاها
يفسر هذا الفصل معاني أسماء الله الحسنى الأربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن، ويبين دلالتها على إحاطة الله تعالى بالزمان والمكان. يشير إلى عظمة الله وعلوه المطلق فوق جميع خلقه.
يشرح هذا الفصل إحاطة علم الله تعالى بكل شيء من حيث الزمان والمكان والأمور الواجبة والمستحيلة والممكنة. يشير إلى شمول علم الله للعالم العلوي والسفلي وكل ما فيه من أمور ماضية وحاضرة ومستقبلة.
يتناول هذا الفصل حكم استعمال الواو بين الصفات ويبين أنه يفيد التقرير والتأكيد، ويأتي ذلك في سياق أوصاف متقابلة قد يستبعد الذهن اتصالها جميعا بالموصوف.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله: «هو الأول»، الجملة «هو الأول» معرفة الطرفين، فهي تفيد اقتصاصه سبحانه بهذه الأسماء الأربعة ومعانيها على ما يليق بجلاله وعظمته، فلا يثبت لغيره من ذلك شيء. أي: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قال الشيخ الهرات رحمه الله تعالى: في قوله «هو الأول»، قال: الجملة هنا «هو الأول» معرفة الطرفين، والجملة كما يذكر علماء المعاني إذا جاءت معرفة الطرفين أفادت الحصر، أفادت الحصر والاختصاص، أي اختصاص ذلك الشيء بذلك الوصف. كما يقال: «زيد العالم» أو «هو العالم» أو ما شابه ذلك، أي: أنه مختص بالعلم، فهكذا في قول الله عز وجل: «هو الأول والآخر»، كذلك «والظاهر والباطن»، فالآيات فيها دلالة على أن الله عز وجل مختص بهذه الأوصاف. قال رحمه الله تعالى: وقد اضطربت عبارات المتكلمين في تفسير هذه الأسماء؛ لأن المتكلمين لا يستقون مذهبهم من كتاب الله عز وجل ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يستقونهم من مذاهبهم الفلسفية الكلامية. لذا تجد كثيرا في كلامهم الاضطراب والاختلاف والتناقض، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنت الأول فليس قبلك شيء»، فما هو الأول؟ هو الأول الذي ليس قبله شيء، «وأنت الآخر فليس بعدك شيء»، فليس بعدك شيء، «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء»، «وأنت الباطن فليس دونك شيء»، اقض عني الدين واغنني من الفقر. قال رحمه الله تعالى: فهذا تفسير واضح جامع يدل على كمال عظمته سبحانه، وأنه محيط بالأشياء من كل وجه، فالأول والآخر بيان لإحاطته الزمانية، فالله عز وجل قبل كل شيء وبعد كل شيء سبحانه وتعالى. والظاهر والباطن بيان لإحاطته المكانية، فكذلك الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهذا فيه إشارة ودليل على علو الله جل وعلا، وعلى معنى العلو الذي يثبته أهل السنة والجماعة من أنه علو مطلق ليس فوقه شيء. قال رحمه الله تعالى: كما أن اسمه الظاهر يدل على أنه العلي فوق جميع خلقه، فلا شيء منها فوقه، وهذا ظاهر جلي من اسم الله عز وجل الظاهر. فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، على إحاطة الله عز وجل الزمانية وعلى إحاطته المكانية، وهذا يدلنا على عظمة الرب جل وعلا وأنه أحاط بكل شيء زمانا ومكانا. قال رحمه الله تعالى: فأحاطت أولويته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاط ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فاسمه الأول دال على قدمه وأزليته، واسمه الآخر دال على بقائه وأبديته. ثم ختمت الآية بما يفيد إحاطة علمه بكل شيء من الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وشيء يدل على العموم، على عموم علمه سبحانه وتعالى لكل شيء. قال رحمه الله تعالى: ومن العالم العلوي والسفلي، فعلم الله عز وجل أحاط بكل شيء مكانا وأحاط بكل شيء زمانا سبحانه وتعالى، وهذا فيه دلالة على سعة علم الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ومن الواجبات والجائزات والمستحيلات، فلا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، قوله رحمه الله تعالى: ومن الواجبات، الواجبات التي لا يمكن ذهابها وفناؤها، فالله عز وجل أحاط علمه بالواجبات. قال رحمه الله تعالى: والجائزات والمستحيلات، والمستحيلات هي التي يستحال وجودها، وقسم بعض أهل العلم المستحيل لقسمين: إلى مستحيل لذاته وإلى مستحيل لغيره. فالعوالم كلها في قبضة يده كخردلة في يد العبد، لا يفوته منها شيء، يدل على هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. قال رحمه الله تعالى: وإنما أتى بين هذه الصفات بالواو مع أنها جارية على موصوف واحد لزيادة التقرير والتأكيد؛ لأن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم وتقريره، وحسن ذلك لمجيئها بين أوصاف متقابلة قد يسبق إلى الوهم استبعاد الاتصال بها جميعا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.