الدرس في كتاب الطهارة 8، ألقاها
الدرس يتناول شرح حديث أبي هريرة مع التركيز على غريب الحديث مثل 'ينتثر' و'الاستجمار'. يُفصّل الشرح معاني هذه الألفاظ من خلال اللغة العربية وتوضيح المراد من 'النثر' و'الاستنثار' في الوضوء.
المقطع يتناول مسائل فقهية متعلقة بالاستنجاء والاستجمار، مع آراء الفقهاء المختلفة حول وجوب الاستنجاء أو الاستجمار وعدد الأحجار المستخدمة في الاستجمار.
المقطع يتناول حكم غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم، مع مناقشة آراء الفقهاء حول استحباب أو وجوب غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء، وتوضيح العلة من وراء هذا الحكم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، ندخل في درسنا هذا اليوم بإذن الله عز وجل. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليرسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخره من الماء». وفي لفظ: «من توضأ فليستنشق». حديث أبي هريرة الذي بين أيدينا فيه أحكام كثيرة ومسائل كثيرة، نقتصر على بعضها في هذا الدرس؛ لأن بعضها سيأتي معنا في الأبواب القادمة بإذن الله عز وجل. فنبدأ أول ما نبدأ به في الكلام على ألفاظ الحديث هو غريب الحديث. قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر»، ما معنى «ينتثر»؟ ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى -علماء اللغة منهم ابن فارس رحمه الله تعالى- أن حرف النون والثاء والراء، أي مادة «نثر»، أصل صحيح يدل على إلقاء شيء متفرق. قال: «ونثرت الشاة طرحت من أنفها الأذى»، وسمي الأنف «النترة» من هذا؛ لأنه ينثر ما فيه من الأذى. قال الإمام الفيروزآبادي رحمه الله تعالى: «إذا توضأت فانثر»، قال في المصباح: وتكسر الثاء وتضم، أي «فانثر» و«فانثر»، لغتان. قال: «وفي حديث آخر فاستنثر، وفي آخر: من توضأ فلينثر»، وفي آخر: «كان يستنشق ثلاثًا في كل مرة يستنثر». قال: «نثر ينثر بالكسر إذا امتخط»، واستنثر: استفعل من أي استنشق الماء ثم استخرج ما في أنفه فينثره. قيل: هو تحريك النثرة وهي طرف الأنف. يسمى هذا «النثر». فالحاصل أن «النثر» أو «استنثر» معناه إخراج الماء بعد استنشاقه. لذا جاء في بعض الألفاظ -كما في صحيح مسلم-: «فليستنشق بمنخره من الماء ثم لينتثر». قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن استجمر فليوتر»، الاستجمار معناه التمسح بالحجارة، وهي الحجارة الصغار. ما معنى «الجمار»؟ الحجارة الصغار. قال: ومنه سميت «جمار الحج» للحصى التي يرمى بها. والحديث إجمالًا معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في هذا الحديث أن من توضأ فعليه أن يستنثر، ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق؛ لأن الاستنشاق قذف الماء بالأنف إلى خياشيمه، والاستنثار يخرج ذلك الماء. ولا بد أن يخرج معه بعض الأذى الذي هو موجود في الأنف. ومن استجمر: الاستجمار هو مسح القبل أو الدبر من الغائط أو البول ونحوهما. وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليرسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، معناه أن من قام من نومه فعليه أن يغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء. وفي الحديث مسائل: المسألة الأولى حكم الاستنشاق والاستنثار في الوضوء. لأنه قال: «وإذا توضأت فاستنثر»، وفي الرواية: «فاستنشق». وهذه المسألة نؤجل الكلام فيها إلى حين الكلام على مسائله الوضوء؛ لأن ذكرها هناك أنسب. المسألة الثانية: حكم الاستنجاء أو الاستجمار. وصورة المسألة: من بال أو تغوط، هل يجب عليه الاستجمار بالحجارة أو الاستنجاء بالماء؟ أم لا يجب عليه ذلك؟ إنما هو من باب الآداب ومن باب التنظيف. فذهب الجمهور إلى وجوب ذلك، أي وجوب الاستنجاء والاستجمار من البول أو الغائط ونحوهما. واستدلوا بأحاديث كثيرة في هذا الباب، منها حديث الباب، وفيه: «ومن استجمر فليوتر». وجاء في حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، ثم قال: «أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول». وفي رواية: «لا يستنزه»، معناه أنه لا يتطهر منهما. وذهب أبو حنيفة، وهي رواية عن مالك، واختارها المزني من الشافعية، إلى أن الاستجمار ليس بواجب. واستدل بحديث أبي هريرة عند أبي داود وفيه: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج». قالوا: فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لم يفعل فلا حرج»، فدل على رفع الحرج على من لم يستجمر. والصحيح في المسألة القول الأول؛ لما تقدم من أدلة، وغيرها من مسائل ذكرها في أثناء المسألة بإذن الله عز وجل. وأيضًا لاتفاقهم على أن النجاسة يجب إزالتها، والبول والغائط يجب إزالته. المسألة الأخرى: حكم الثلاث الأحجار في الاستجمار، هل هي واجبة أم لا؟ وصورة المسألة: من استجمر بحجر مثلًا فذهبت عين النجاسة بالمسحة الأولى أو بالمسحة الثانية، هل يجب عليه أن يأتي بحجر ثالث؟ أم لا يجب عليه؟ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر إلى أنه لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار. واستدلوا بأحاديث كثيرة، منها أولًا حديث الباب: «ومن استجمر فليوتر». واستدلوا أيضًا بحديث سلمان الفارسي عند مسلم وفيه: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول أو غائط... وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار». والقول الثاني: قول مالك وأبي حنيفة وداود الظاهري وطائفة، ذهب هؤلاء إلى أن الواجب الإنقاء. قالوا: فإن حصل الإنقاء بحجر أجزأ ذلك. واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة السابق وفيه: «من استجمر فليوتر، من فعل ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج». وهذا حديث ضعيف كما مر معنا. والصحيح في المسألة القول الأول؛ لضواهر الأحاديث السابقة ولصراحتها أن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار. «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا»، وكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكان يأمرنا بثلاثة أحجار»، فهذه نصوص من رسول الله صلى الله عليه وسلم توجب الأخذ بها. مسألة أخرى: من استجمر بثلاثة أحجار ومع هذا لم ينق الموضع، فهل يوتر بعد الثلاث؟ أم لا يجب عليه الإيتار؟ فذهب الجمهور إلى استحباب الإيتار بعد الثلاث. واستدلوا بالعموم: «ومن استجمر فليوتر». وهناك وجه للشافعية إلى أن الإيتار بخامس واجب لمن أنقى بأربع. مسألة أخرى: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثًا قبل أن يغمس يديه في الإناء»، ما حكم غسل اليدين لمن استيقظ من نومه؟ وما المراد بالنوم؟ ذهب الجمهور إلى عموم النوم، بمعنى أن النوم يدخل فيه نوم الليل ونوم النهار. فكل نوم ينامه الإنسان إذا استيقظ وأراد استخدام الماء الذي في الإناء، يقولون: يغسل يديه ثلاثًا. وهل هذا على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب؟ الجمهور يقولون بالاستحباب؛ لأن هذا من باب الآداب. وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن المراد بالنوم هاهنا نوم الليل، بمعنى أن من نام في النهار فليس عليه أن يرسل يديه ثلاثًا. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، قال: لأن «البيتوتة» لا تكون إلا من الليل. وأيضًا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى وجوب غسل اليدين ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء؛ لظاهر الحديث ولعدم الصارف له. أما من حيث الوجوب فهو ظاهر الحديث. وأيضًا من حيث «البيتوتة» وعدمها، قول إمام أحمد رحمه الله تعالى كذلك أقرب. فالحاصل من هذا أن من نام -من الليل- ثم استيقظ وأراد استخدام الماء في الإناء، فعليه أن يغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء. وهل الحكمة في هذا الأمر معلومة؟ أو العلة معلومة؟ ما السبب في هذا الأمر؟ قيل: إن العلة هي ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، قالوا: لأن عادة العرب كانوا إذا تغوطوا استخدموا الحجارة، فربما ناموا فيحصل أن ينام الإنسان ويعبث بقبله أو بدبره، فتتنجس يده. فإذا وضع يده في الماء تنجس الماء. وهذا منهي عنه. أي إدخء نجاسة في الماء. وهذا قول بعض أهل العلم. بينما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن العلة هي ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، قال: ربما تبيت يده فيعبث بها الشيطان. كما يدل عليه الحديث الآخر: «فليستنشق من منخر الماء ثلاثًا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه». فالعلّة كما يقال: العلّة هي ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم. سواء ربط يديك أم فتحته، ماء أم إلى آخره. إذا قمت من نوم الليل وأردت استخدام الماء في الإناء، فواجب عليك أن تغسل يديك ثلاثًا قبل أن تدخلهما في الإناء. إلى هنا نكتفي بهذا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.