الدرس في كتاب الطهارة 27، ألقاها
تناول المقطع حديث "من غسل ميتا فليغتسل" وبين ضعف هذا الحديث عند أهل العلم، وذهب إلى أن الأكثرين يرون استحباب الغسل وليس وجوبه.
ناقش المقطع حديث 'لا يمس القرآن إلا طاهر' من كتاب عمرو بن حزم، وشرح معاني 'طاهر' واستدل العلماء به على وجوب الطهارة لمس المصحف.
بين المقطع حكم قراءة القرآن للمحدث ومس المصحف، حيث استدل بالآيات والأحاديث على جواز القراءة بدون مس المصحف للمحدث، واشترط الطهارة لمس المصحف.
أوضح المقطع جواز ذكر الله بدون طهارة كما في حديث عائشة، ورجح أن الأفضل والأكمل أن يكون الذكر على طهارة لتحقيق التوفيق بين النصوص.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أسهل الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب نواقض الوضوء: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه. وقال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء. هذا الحديث، حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». هذا الحديث روي من طريق سهيل، من أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورجح الحفاظ وقفه على أبي هريرة، كأبي حاتم والبخاري ومنهم المنذر. وهكذا أيضا ضعفه الإمام أحمد رحمه الله. والإمام أحمد رحمه الله، كما ذكر الحافظ، يقول: لا يصح في هذا الباب شيء، يعني في الأمر بالغسل من غسل الميت. وعلى هذا، فالحديث لا يصح. وأشار إلى أنه كذلك الإمام الدارقطني رحمه الله، وكذا الحافظ بن حجر رحمه الله. وهذا الحديث إن يدل على الأمر بالغسل من غسل الميت، «من غسل ميتا فليغتسل»، فإن تغسيل الميت فرض كفاية. تغسيل الميت فرض كفاية، إذا قام به البعض، سقط الإثم عن الآخرين. قول النبي عليه الصلاة والسلام في الذي وقصته ناقته وهو محرم: «يغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين». وكذلك أيضا أمر عليه الصلاة والسلام بغسل ابنته زينب لما ماتت، قال: «اغسلوها، اغسلنها ثلاثا أو خمسا» الحديث. فهذا الحديث، «من غسل ميتا فليغتسل»، فيه الأمر بالغسل من غسل الميت، أن من غسل ميتا، فإنه عليه أن يغتسل. لكن كما علمنا، أن الحديث لا يصح. ولهذا ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوب الغسل من غسل الميت، كالإمام مالك والشافعي وأحمد. قالوا بأنه لا يجب الغسل من غسل الميت، وقالوا بالاستحباب، واحتجوا بأثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل. كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل. وهذا الأثر رواه عبد الله عن الإمام أحمد، وأخرجه الدارقطني من طريقه، وهو أثر صحيح. وهذا القول هو الصحيح. وكان ذهب بعض العلماء إلى الوجوب، وذكر هذا القول عن علي وأبي هريرة، ومنهم المسيب والزهري، ومن سيرين. لكن أكثر أهل العلم، كما سمعنا، على أنه لا يجب الغسل من غسل الميت، وهذا هو الصحيح. وعلى هذا، فغسل الميت لا يكون ناقضا من نواقض الوضوء. وهكذا قوله: «ومن حمله فليتوضأ»، أيضا ليس بهذا شيء ثابت، بأمر من حمل الميت أن يتوضأ، لأن هذا الحديث لا يصح. فمن غسل ميتا، فهو بالخيار، إن شاء اغتسل، وإن شاء لم يغتسل، فليس ملزما بالغسل. قال الحافظ رحمه الله: وعن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر». رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول. قوله: «عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه»، والصواب: «عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم». وهو تابعي ثقة. «عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه» الصحابي، والصحيح أنه «عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم». وفي موطأ الإمام مالك ذكر هذا الحديث، وطال: «عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم». ولهذا ذكر بعض العلماء أن صاحب البدر التمام وهم في نسبة «عبد الله بن أبي بكر» إلى أبي بكر الصديق، وأن الصواب «عبد الله بن أبي بكر بن حزم». والإمام الصنعاني رحمه الله تبعه في هذا الوهم. فعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم تابعي، روى عن أبيه أبي بكر بن محمد وغيره، وروى عنه الزهري ومالك وهشام بن عروة. وهذا الحديث، كما قال الحافظ رحمه الله، رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي، يعني في سننه. إلا أن في سنده ضعف، لأنه من طريق سليمان بن أرقم. رواه من طريق سليمان بن أرقم، ومن طريق سليمان بن داود. سليمان بن داود ثقة، وسليمان بن أرقم متروك. سليمان بن أرقم متروك. وقد رجح الإمام النسائي رحمه الله أن الرواية الصحيحة من طريق سليمان بن أرقم. وهكذا أيضا رجح ذلك غيره من الحفاظ، كأبي حاتم وأبي زرعة وابن منده، أن الحديث من رواية سليمان بن أرقم، وهو المتروك. لهذا قال الحافظ: وهو معلول، يعني هذا الحديث فيه علة، فهو علة بالإرسال الصحيح، بأنه مرسل، والموصول لا يصح. إلا أن هذا الحديث تلقاه العلماء بالقبول. تلقاه العلماء بالقبول. وفي هذا الكتاب جملة من الأحكام، وقد عمل بها أهل العلم. قال الإمام عبد البر رحمه الله: وهو كتاب مشهور عند أهل العلم، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفته تستغني بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا كتاب مشهور، مستفيض عند أهل العلم، وهو عندهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم. وهذا الحديث من جملة ما فيه. هذا الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم، وهو عمرو بن حزم ابن زيد الخزرجي، صحابي شهد الخندق مع النبي عليه الصلاة والسلام، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة. كتب له عليه الصلاة والسلام كتابا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات، وهو هذا الكتاب المشهور: كتاب عمرو بن حزم. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر». لا يمس القرآن إلا طاهر. فاستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمسلم أن يمس القرآن إلا على طهارة. لا يمس القرآن إلا على طهارة. وذلك أن لفظ «طاهر» لفظ مشترك، له عدة معاني. له عدة معاني، منها الطهارة، أن يراد بها الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك، فالمشرك نجس، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، فالمسلم طاهر، أي من الشرك والكفر. وهي أيضا من معانيه كذلك الطهارة الحسية، الطهارة الحسية، وهي الطهارة من النجاسات والقاذورات. وهكذا أيضا الطهارة من الحدث الأكبر والحدث الأصغر. فجميع هذه المعاني محتملة في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، يعني مسلم. وهكذا أيضا طاهر من الحدث الأصغر أو الأكبر. وإن كان الغالب أنه يحمل هذا اللفظ على الطهارة من الحدث، لأن غالب ما يطلق لفظ الطهارة في الشرع، ويراد به الطهارة من الأحداث، يراد به الطهارة من الأحداث، كالحدث الأكبر وما يوجب الغسل، أو الحدث الأصغر، وهما يوجب الوضوء. فقوله: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، يعني متطاهر من الأحداث، من الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر. وبهذا قال جمهور أهل العلم. قال جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة. وصح كذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعن سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، القول بوجوب الطهارة لمس المصحف. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة. لا يعرف لهم مخالف من الصحابة. فعلى هذا، فلا يمس القرآن إلا من كان متطهرا. هذا القول هو الصحيح، قول جمهور أهل العلم. وخالف داود الظاهري، خالف الظاهرية، وتبعهم بعض أهل العلم، كالإمام الشوكاني رحمه الله، وغيره من علماء المعاصرين. والأظهر هو قول الجمهور، أنه لا يمس القرآن إلا طاهر. أما الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فهذه لا يصح بها الاستدلال على منع المحدث من مس المصحف، لأن المراد بهم الملائكة. المراد بهم الملائكة. ويدل على ذلك، كما ذكر الإمام مالك رحمه الله في موطائه، أن المراد بهم الملائكة. وهكذا الإمام ابن القيم رحمه الله ذكر أن المراد بهم الملائكة. فالله عز وجل يقول في كتابه المكنون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وهذا الوصف وصف الملائكة، كما أخبر الله عز وجل عنهم في سورة عبس. ولو أراد الله عز وجل الطهارة من الحدث، لقال: «لا يمسه إلا المتطهرون». قال: «لا يمسه إلا المطهرون». فلما قال: «لا يمسه إلا المطهرون»، دل هذا على أن المراد بهم الملائكة. لكن شيخ الإسلام رحمه الله استدل بالآية، بهذه الآية. قال: فيها إشارة إلى أنه كذلك لا يمس القرآن إلا طاهر ومتطهر. قال: إذا كانت القرآن في اللوح المحفوظ لا يمسه إلا المطهرون في السماء، فكذلك الصحف في الأرض لا يمسها إلا المتطهرون. كذلك لا يمسها إلا المتطهرون. فعلى هذا، إذا أراد الإنسان أن يمس المصحف، إنه يتطهر، يتوضأ إن كان محدثا حدثا أصغر، ويغتسل إذا كان محدثا حدثا أكبر، ثم يمس المصحف. قال رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». رواه مسلم، وعلقه البخاري. هذا الحديث رواه مسلم بصحيحه، وعلقه البخاري، يعني ذكره معلقا، لأنه ليس على شرطه، كما ذكر الحافظ رحمه الله. وهو الحديث المعلق، أن يسقط المصنف شيخه فمن فوقه. لكن الحديث صحيح، فهو موصول عند الإمام مسلم. وهذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله على كل أحيانه. فقوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يدل على الدوام والاستمرار، أن هذا كان أكثر أحواله عليه الصلاة والسلام، أنه يذكر الله. وذكر الله يشمل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وقراءة القرآن وقراءة القرآن. وقوله: «على كل أحيانه»، يعني في كل أحيانه، أو غالب أحيانه، يذكر الله، وهو قائم، وهو قاعد، وهو مضطجع، وهو على طهارة، وهو محدث. فيدل الحديث على جواز قراءة القرآن للمحدث، إذا كان الإنسان محدثا، وسيقرأ القرآن من حفظه، فلا بأس. يجوز له ذلك. وإنما الممنوع أن يمس المصحف وهو محدث. أما قراءته من غير مس، فلا بأس. لعموم هذا الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». فهذا الحديث يدل على أن ذكر الله جل وعلا لا يشترط له الطهارة. ذكر الله جل وعلا لا يشترط له الطهارة. وإن كانت الطهارة أكمل وأفضل. وإن كانت الطهارة أكمل وأفضل، كما سيأتي. وهذا الحديث مع عمومه، فهو مخصوص ببعض الأحوال التي يقرأ فيها ذكر الله، كحال قضاء الحاجة. إذا كان الإنسان يقضي حاجته، يبول أو يتغوط، فإنه في مثل هذه الحالة لا يشرع له ذكر الله، ولا يستحب له، بل يكره أن يذكر الله عز وجل في مثل هذه الحال. وقولنا بأنه الأفضل والأكمل أن يذكر الله على طهارة، لورود بعض الأحاديث الدالة على ذلك، كحديث أبي الجهم الحارث بن الصمة في الصحيحين، أنه قال: أقبل النبي عليه الصلاة والسلام من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، حتى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الجدار، فمسح يديه ووجهه، ثم رد عليه السلام. وجاء عند أبي داود والنسائي وابن ماجة، عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه، أنه قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، حتى توضأ، ثم رد عليه، واعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر». وفي رواية: «إلا على طهارة». فهنا كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر الله من غير طهارة. فهذه الأحاديث تحمل على الأكمل والأفضل، أن الأكمل والأفضل للمسلم أن يذكر الله على طهارة. وحديث عائشة يحمل على الجواز، يجوز أن يذكر الله على غير طهارة، لكن الأكمل والأفضل أن تذكر الله عز وجل وأنت على طهارة، جمعا بين الأحاديث. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.