الدرس في كتاب الطهارة 32، ألقاها
يشرح المقطع حديث أبي هريرة حول وجوب الغسل بعد الجماع ويتناول اختلاف العلماء في تفسير ألفاظ الحديث. كما يتناول حكم من جامع ولم ينزل وآراء الصحابة في ذلك.
تناول المقطع اختلاف الصحابة في وجوب الغسل عند التقاء الختانين بدون إنزال، واستقرار عمل المسلمين على وجوب الغسل في هذه الحالة لثبوت الأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
شرح المقطع حديث جابر بن عبد الله عن كمية الماء في الغسل، مبينا أن العبرة بسريان الماء على جميع أعضاء البدن وليس بكميته.
تم ختام باب الوضوء وسيبدأ باب التيمم مع الدعاء بالاستغفار والتسبيح.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد. مضى معنا في الدارة السابقة كلام على حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وذكرنا هناك بعض المسائل منها أن المني القول الصحيح من أقوال أهل العلم أنه طاهر، فنأخذ اليوم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، وفي لفظ لمسلم: «وإن لم ينزل». طيب قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس بين شعبها الأربع»، اختلف العلماء في المراد به، فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: الرجلان والفخذان، وقيل: الرجلان والشفرتان، وقيل: غير ذلك. والشعب والشعب: النواحي، واحدتها شعبة. قال: طيب قوله: «جهدها»، وقوله: «جهدها» بلغ مشقتها. قال القاضي: الأولى أن يكون جهدها بمعنى بلغ جهده في العمل فيها. في الحديث مسألة مشهورة، وهي حكم من جامع ولم ينزل. قال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال. وعلى وجوبه بالإنزال. وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم. والظاهر أن كلهم رجعوا، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي. كان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم. والحافظ ابن رجب قال: والظاهر أنهم كلهم رجعوا. وعلى رأس هؤلاء ممن رجع عثمان بن عفان من المهاجرين، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت من الأنصار؛ لأن هؤلاء كانوا يقولون: بأن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل أنه يغسل ذكره ويتوضأ، ولا يجب عليه الغسل. لكن قد ثبت رجوعهم. وقد وقع خلاف أيضا شاذ من بعد هؤلاء، وهم محجوجون بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: اختلف طائفة من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. فقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك. قال: فاستأذنت على عائشة، فذكر قصة روي فيها أنها قالت: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل». قال الشافعي: معنى مس الختان: أي دخول الحشفة في فرج المرأة، قال: بأن تغيب حشفة الرجل في فرج المرأة. وذكر النووي أنه ليس المراد بالمس ممسة على ظاهرها؛ لأن الرجل إذا مس ختان المرأة لا يجب الغسل، وإنما يجب الغسل إذا غابت حشفة الرجل في فرج المرأة. هذا هو الذي يوجد الغسل. فقوله رضي الله عنها وأرضاها: «ومس الختان الختان» معناه: عن إيلاج الختان في الختان حتى يغيب. وقد روى أحمد بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب نحوه، أي: نحو حديث عائشة. وفي قصة وهو أن عمر جمع الصحابة، فقالوا: ما تقولون في الرجل يجامع أهله ثم يفصل أو ثم ينزل؟ أل عليه الغسل أم لا؟ كلهم قالوا: ليس عليه الغسل إلا إذا أنزل. وزيد بن ثابت قال: بل إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. ثم قال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي. ثم أرسل إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت عائشة: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل». وقولها: «إذا جاوز» يبين أن معنى قولها في الحلقة الأولى: «إذا مس» أي: المجاوزة بأن تغيب حشفة الرجل بفرج المرأة. فقال عمر: أو تغيض عمر. ثم قال: فتغيب. ثم قال: لا يبلغني عن أحد علم ولم يغتسل إلا أنفته عقوبة. بمعنى أنه قد كان وقع خلاف بين الصحابة في أول الأمر، فلما رأى عمر الخلاف جمع الصحابة وسألهم واستشارهم، فاقتضى في ذلك. فأرسلوا إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاءهم الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل بالتقاء الختانين وإن لم يحصل إنزال، أجاب عمر عليهم وقال لهم: من علمت عنه أنه يفعل ذلك - أي: جامع أهله ثم يكسل فلا ينزل ولا يغتسل بل يتوضأ - لا نهكنه، ماذا؟ عقوبة. أي: سيضربه عمر ضرب تأديب لمخالفة السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك ثبت في مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليه الغسل؟ قالت عائشة: وعائشة جالسة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأفعل ذلك أنا وهذه» وأشار إلى عائشة، قال: «ثم نغتسل». واضح هذا الأمر أم لا؟ ففي دلالة على أن من حصل منه هذا وجب عليه الغسل. قال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: وهذا القول هو الذي استقر عليه عمل المسلمين. وقد خالف فيه شرذمة من المتقدمين، ثم ذكرهم. ثم قال: وقال ابن عبد البر: اختلف أصحاب داود في هذه المسألة. وقال ابن المنذر: لا أعلم اليوم بين أهل العلم في ذلك خلافا. هو كذلك، فهذا الأمر مما استقر عليه أمر الأمة وعمل علماء الأمة على أن من أتى أهله ثم لم ينزل فوجب عليه وعلى أهله الغسل. بصريح هذه الأحاديث: «إذا جهدها» «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، وفي حديث عائشة: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، وفي حديث الآخر: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل»، وفي حديث الرجل السائل قال: نعم، إني أفعله أنا وهذه ثم نغتسل. ما يدل على وجوب الغسل لمن جامع أهله ولم ينزل. قال رحمه الله تعالى: أخذ حديث الثاني عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي رضي الله عنهم أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وعنده قوم، فسألوه عن الغسل، فقال: «يكفيك صاع». فقال رجل: ما يكفيني. فقال جابر: «كان يكفي من هو أوفى منك شعرا وخيرا منك» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أمن في ثوب. وفي لفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء على رأسه ثلاثا». قال: الرجل الذي قال: ما يكفيني هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبوه محمد بن الحنفية. في هذا الحديث الأخير في قوله أولا: «فسألوه عن الغسل، فقال: يكفيك صاع». الصاع أربعة أمداد، والمد ملء كف الإنسان المعتدل إذا ملأه ماء. طيب قوله صلى الله عليه وسلم: «قال له قول جابر بن عبد الله عنده قوم فسألوا عن غسل، قال: يكفيك صاع»، يكفيك أي: يجزئك أن تغتسل بصاع. قال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: وهذا مما يدل على أن تقدير الماء في الغسل ليس هو على وجه التحديد، بل هو على وجه التقريب. وقال هذا قبله الإمام ابن دقيق العيد. واضح هذا الأمر أن هذا - أي: صاع - ليس على وجه التحديد، بل هو على وجه التقريب، وقد يزيد وقد ينقص. قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وقد يزيد هذا المقدار وقد ينقص. قال: واستوى في ذلك اختلاف الأحوال والأزمان. ويدل عليه أيضا ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد. والفرق: ثلاثة آصع. ومعنى ثلاثة آصع أنه يزيد على الواحد منهم عن غسل بالصاع الواحد؛ لأنه ثلاثة آصع وهم اثنان، سيكون نصيب الواحد كم؟ تقريبا صاع ونصف. واضح. وقد ثبت أيضا في مسلم من حديث أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». وكما مر معنا أن الصاع كم أمداد؟ أربعة. فقول: «إلى خمسة أمداد» يدل على أن الصاع هذا ليس على وجه التحديد، ولكن على وجه التقريب. وكما قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يختلف هذا باختلاف الأحوال والأوقات والأزمان والأمكنة. فرب حال يكون الماء قليل يحتاج إلى قلة، وأحيانا يكون الماء متوفر فيزيد في ذلك لا بأس به، ما لم ينته إلى حد الإسراف. وأحيانا كذلك يكون في السفر فيحتاج إلى الاحتفاظ بالماء فيقل. وأحيانا يكون في حضر والماء متوفر كما سمعتم فيزيد في القصر. فالإنسان ينظر ويجتهد في ذلك ويتحرى عدم الإسراف. وفي قوله: «وفي لفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء على رأسه ثلاثا»، قال علماء: فيه أن الإنسان يجزئه إفراغ الماء إفراغا ولو لم يدلك أعضاءه. أي: ما يشترط ذلك في الغسل. بل فيه أن يفرغ الماء إفراغا، والعبرة في ذلك بسريان الماء على الأعضاء. بسريان الماء على جميع أعضاء البدن. واضح هذا الأمر أم لا؟ العبرة بسريان الماء على جميع البدن؛ لأن هذا هو الغسل. الغسل هو سريان الماء على العضو المغسول. وفي الغسل اشتراط تعميم جميع الجسد. فاشتراط أن يسيل الماء على جميع الجسد. وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب إن شاء الله تعالى، وغدا ندخل في باب التيمم إن شاء الله تعالى. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.