الدرس في كتاب الصلاة 33، ألقاها
يشرح المقطع الأول أعضاء السجود السبعة بناءً على حديث نبوي، ويبين دلالة الأمر بالسجود عليها. كما يتناول روايات مختلفة للحديث وشرحها.
يتناول المقطع الثاني مسائل فقهية مستنبطة من حديث العباس في صفة السجود، ويبحث في حكم السجود على أعضاء معينة، ويعرض آراء الفقهاء في ذلك.
يتناول المقطع الثالث آراء الفقهاء في حكم السجود على الأنف مع الجبهة، واختلافهم بين الاستحباب والوجوب، كما يبحث في الحد المعتبر في السجود على الأعضاء.
يشترط المقطع الرابع السجود على كامل الجبهة دون أي جزء منها، ويستثنى حالات العذر، ويبين أن السجود على الجبهة تاماً يعد من تمام الصلاة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين". هذا الحديث ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أعضاء السجود التي يَسْجُد عليها العبد. وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت"، وفيه دلالة على أن الآمر له ربه عز وجل؛ لأنه لا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا الله عز وجل. قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت" يدل على هذا المعنى، يدل على أن الله عز وجل هو الذي أمره بذلك. وجاءت فيه رواية أخرى: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم"، وهذا أيضًا يدل على المعنى السابق، أن الله عز وجل هو الذي أمره صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرنا". قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرنا" يدل على أنه أمر له ولأمته، وهذا هو الصحيح. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "الفتح": وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، أصحها حديث ابن عباس هذا. وقد روى عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه". قال: وقد عزاه غير واحد من الحفاظ إلى صحيح مسلم، وقال الحافظ ابن الرجب: ولم نجده فيه، وصححه الترمذي وأبو حاتم الرازي. وقد روي هذا المعنى عن عمر وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة من قولهم. حديث العباس هذا جماعة من أهل العلم عزوه إلى مسلم من الحفاظ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى في "صفة الصلاة" أيضًا عزاه إلى صحيح مسلم، وعزاه منه إلى شرح النووي على صحيح مسلم. فالحاصل أن الحديث صحيح، سواء رواه مسلم أم لم يروه؛ صحيح وعلى شرط مسلم. الإمام الزبير رحمه الله تعالى في "نصب الراية" كذلك لم يعزه إلى مسلم، إنما عزاه إلى الأربعة. وحيث أخرجه الخمسة -يعني أحمد وأصحاب السنن الأربعة- والحديث يدل على أن القول "أمرت" وأمرنا يدل على أن المراد به جميع الساجدين. في الحديث مسائل: الأولى حكم السجود على هذه الأعضاء. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ولا خلاف في أن السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل. واختلفوا في الواجب من ذلك. فقال طائفة: يجب السجود على جميعها، وهو أحد القولين للشافعي، ورجحه كثير من أصحابه، وهو الصحيح المشهور عن أحمد، وعليه أصحابه، وهو قول مالك وإسحاق وزفر. القول الثاني: إنما يجب بالجبهة فقط، ولا يجب بغيرها، وهو القول الثاني للشافعي، وحكي رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة وصاحبه. والراجح الأول لما تقدم من الأدلة. المسألة الثانية: حكم السجود على الجبهة، هل هو واجب أو ليس بواجب أن يسجد الإنسان على الجبهة؟ فيه خلاف. فالجمهور على وجوب السجود عليها، وأن الأنف لا يجزئه منها. واستدلوا بالأحاديث السابقة. وقال أبو حنيفة: هو مخير بينها وبين الأنف، وله الاقتصار على أحدهما. واستدل أبو حنيفة بحديث ابن عباس أيضًا، وفيه قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار إلى أنفه". فقالوا: هذا يدل على أنه إذا سجد على الجبهة أجزأه، وإذا سجد على الأنف كذلك أجزأه. الراجح الأول: أنه قال "على الجبهة وأشار إلى أنفه"، فهذا فيه دلالة على أنه إن سجد على الأنف فقد سجد على الجبهة، فيجزئ أن يسجد على الجبهة، ويجزئ أن يسجد على الأنف، هو مخير بينهما. والجمهور يقول: لا بد من الجبهة، وإنما ذكر الأنف تبعًا للجبهة. المسألة الثالثة: حكم السجود على الأنف، فيه خلاف. فذهب الشافعية إلى الاستحباب. وحكاه ابن المنذر عن طاوس وعطاء وعكرمة والحسن وابن سيرين والثوري وأبي يوسف وغيرهم. واستدل هؤلاء بما سبق، وأن الأنف تابع للجبهة. فإذا سجد على الجبهة هذا هو الواجب، وأما وضع الأنف فهو على الاستحباب إتماما للسجود. وقال سعيد بن جبير والنخعي وإسحاق: يجب السجود على الأنف مع الجبهة. وعن مالك وأحمد روايتين كالمذهبين -رواية بالاستحباب ورواية بالوجوب-. واستدلوا بحديث ابن عباس وفيه: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة وأشار إلى أنفه". ففيه دلالة على أنه مأمور بالسجود على الأنف كما أنه مأمور بالسجود على الجبهة، وهذا هو الراجح. المسألة الرابعة: ما هو الحد المعتبر في السجود على هذه الأعضاء؟ فيه خلاف. فرواية عن أحمد -أو نقل عن أحمد- فيمن سجد ورفع أطراف أصابع قدميه من الأرض أنه ناقص الصلاة. وتوقف في الإعادة على من صلى وسجد وقد رفع إحدى رجليه. وروي عنه أنه كان إذا صلى إمامًا أحمد وسجد وضع ثلاث أصابع رجليه على الأرض. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا أنه يجزئه أن يضع بعض أصابع رجليه. وأيضًا جاء عن أحمد أنه قال: إذا وضع من يديه على الأرض قدر الجبهة أجزأه. قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحاب أحمد: وكلامنا في الرجلين كذلك. قال القاضي أبو يعلى: يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئًا وإن قل. كلهم يحكون أنه وضع شيء من الجبهة -ولو شيء يسير- أجزأه صلاته. ولو وضع شيء يسير من اليد من الكفين أجزأه. قال ابن الرجب: ومن أصحابه من حكى الإجماع على ذلك. قال: وهذا مخالف لرواية الشافعي؛ الإجماع على أن مذهب أحمد هذا القول، وليس إجماعًا على علماء كافة. قال: وحكي عن ابن حامد من أصحابنا أنه يجب استيعاب الكفين في السجود عليهما. قال: وهو قول أبي خيثمة ابن حرب. قال: وقال داود الظاهري: إذا وضع أكثر كفيه أجزأه. ومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه -ورجحه في "الأم"- أنه لو سجد على بعض جبهته كره وأجزأه. ولأصحابه وجه: لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة، وهذا هو الظاهر والله أعلم من الأحاديث السابقة: أنه عليه أن يسجد على الأعضاء تامة إلا لعذر. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.