الدرس في كتاب الصلاة 1، ألقاها
تناول المقطع تعريف الصلاة لغة وشرعًا، حيث ذكر عدة أقوال للإمام النووي وابن القيم والزركشي في معنى الصلاة. الصلاة تأتي بمعنى الدعاء وتتضمن دعاء المسألة ودعاء العبادة.
الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد دل عليها القرآن في آيات مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. كما دلت عليها السنة النبوية وأجمعت الأمة على وجوبها.
اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة، فمنهم من قال بكفره، ومنهم من قال بفسقه. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن تارك الصلاة كافر إذا كان لا يصلي أبدًا وأصر على ذلك.
المقطع يبدأ بدعاء يتضمن تمجيد الله والصلاة عليه، ويتضمن دعوة للاشتراك في القناة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، فمواصلة لكتاب «عمدة الأحكام»، ندخل في هذا اليوم بإذن الله عز وجل في كتاب جديد من الكتب التي جمعها الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام». فندخل في هذا اليوم بإذن الله عز وجل في كتاب الصلاة. قال رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: فاختلف في أصل الصلاة، فقيل: هي الدعاء. فقيل: لأنها تسمى طيب. وقيل: أمور أخرى طيب. نذكر الأقوال لا بأس. قال: وقيل: لأنها ثانية، وقيل: لأنها ثانية لشهادة التوحيد، كالمصلى من السابق في خيل الحلبة. وقيل: هي من الصلوين، وهما عرقان من الرجل. وقيل: هما عظمان ينحنيان في الركوع والسجود. وقيل: هي من الرحمة. وقيل: هي من الرحمة، بمعنى أن الصلاة بمعنى الرحمة. وقيل: أصلها الإقبال على الشيء. وقيل: غير ذلك. والله تعالى أعلم. هذه أقوال ذكرها العلامة الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم، في المجلد الرابع صفحة 75. ذكر رحمه الله تعالى عدة معان للصلاة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «بدائع الفوائد» في المجلد الثالث صفحة 2 إلى صفحة 6 كلامًا، فقال رحمه الله تعالى فيه: فهو يدعى -أي ربنا عز وجل- للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة -إلى قوله- وهذا التقرير نافع في مسألة الصلاة، وأنه هل نقلت عن مسألة في اللغة فصارت حقيقة شرعية منقولة، أو استعملت في هذه العبارة مجازًا للعلاقة بينهما؟ العلاقة بينها وبين مسمى أي بينها وبينها طيب. العلاقة بينهما -قال- أو هي باقية على الوضع اللغوي، وضم إليها أركان وشرائط على ما قررناه. قال: وعلى ما قررناه لا حاجة إلى شيء من ذلك، فإن المصل من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء، إما دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داع. فما خرجت الصلاة عن حقيقة الدعاء؟ فتأملهم. فتأملهم. واضح هذا المعنى، حاصله -أي حاصل كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى- أن معنى الصلاة هو معنى الدعاء، وذلك لأن الدعاء على قسمين: دعاء مسألة، وهو دعاء العبد ربه في جلب نفع أو دفع ضر، ودعاء عبادة، وهو التعبد لله عز وجل بالأقوال والأفعال والأحوال. والناظر في الصلاة يرى جليًا أنها لا تخرج عن هذا الأمر، ولا تخرج عن هذا المسمى. فإن المصل إما داع لربه عز وجل دعاء مسألة، يسأل ربه عز وجل المغفرة والتوبة، أو يسأله سبحانه وتعالى من خير الدنيا والآخرة، وإما أن يكون داع لله عز وجل دعاء عبادة، فهو لا يخرج عن هذا المسمى، أي عن كونه إما أن يكون داع دعاء عبادة أو دعاء مسألة. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، أي إن دعاءك. فسرها جماعة كبيرة من أهل العلم بأن معنى «وصلي عليهم» بمعنى أدع لهم. فدل هذا على أن الدعاء -كما سمعتم- أو أن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء. صلاة شرعًا، تعريف الصلاة شرعًا. قال الزركشي رحمه الله تعالى: الصلاة شرعًا عبارة عن هيئة مخصوصة مجتمعة على ركوع وسجود وذكر، وسميت بذلك باجتمالها على الدعاء. انظر شرح الزركشي على مختصر الخرق، المجلد الأول صفحة 460. طيب، قال الزركشي: والصلاة شرعًا عبارة عن هيئة مخصوصة مجتمعة على ركوع وسجود وذكر، وسميت بذلك باجتمالها على الدعاء. فائدة: قال الحافظ رحمه الله تعالى -نقلًا عن شيخه البلقيني-: مناسبة تعقيب الطهارة بالصلاة لتقدم الشرط على المشروط، والوسيلة على المقصود. انظر الفتح، المجلد الأول صفحة 594. معنى هذا الكلام: يقول رحمه الله تعالى: مناسبة تعقيب الطهارة بالصلاة -أي أن الصلاة كانت بعد الطهارة، والطهارة قدمت على الصلاة- قال: لماذا؟ قال: لتقدم الشرط الذي هو الطهارة على المشروط الذي هو الصلاة، والوسيلة على المقصود. الطهارة وسيلة إلى ماذا؟ وسيلة للصلاة، والمقصود هو الصلاة. قال: لذا تجد الفقهاء رحمه الله تعالى في كتب الفقه يقدمون كتاب الطهارة على كتاب الصلاة لهذا المعنى، من باب تقديم الشرط على المشروط، وتقديم الوسيلة على المقصود. مسألة: في حكم الصلاة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. أي ما حكم الصلاة؟ الصلاة واجبة بالكتاب، أي دل عليها الكتاب، ودل عليها السنة، ودل عليها إجماع الأمة. قال: أما الكتاب -أي أما دليل الكتاب- فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. وأما السنة، فما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، الحديث». قال رحمه الله تعالى: وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. وقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن صلاة الظهر أربع ركعات، يخافت فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلسة للتشهد. وأن عدد صلاة العصر أربعًا كصلاة الظهر، لا يجر فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلستين للتشهد. وأن عدد صلاة المغرب ثلاثًا، يجهر في الركعتين الأوليين منها بالقراءة، ويخافت في الثالثة -أي يسر بالثالثة- بالقراءة، ويجلس في الركعتين الأوليين جلسة للتشهد، وفي الآخرة جلسة. وأن عدد صلاة العشاء أربعًا، يجهر في الركعتين الأوليين منها بالقراءة، ويخافت في الأخريين، ويجلس فيها جلستين كل مثنى جلسة للتشهد. وأن عدد صلاة الصبح ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، ويجلس فيها جلسة واحدة للتشهد. قال: هذا فرض المقيم. فأما المسافر، ففرضه ركعتان إلا صلاة المغرب، فإن فرض المسافر في صلاة المغرب كفرض المقيم. ووضح هذا الأمر أم لا؟ انظر للأوسط، المجلس الثالث صفحة 318 إلى 319. مسألة: متى فرضت الصلاة؟ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: والأحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مكة قبل إسراء كثيرة، لكن قد قيل: إنه كان قد فرض عليه ركعتان في أول نهار وركعتان في آخره، ثم افترضت عليه الصلوات الخمس ليلة الإسراء. إلى قوله رحمه الله تعالى: قال: وقد أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فرضت ليلة الإسراء، واختلف في تعيين ليلة الإسراء على أقوال. مسألة أخرى: من جحد وجوب الصلاة كفر. من جحد وجوب الصلاة المفروضة فقد كفر إجماعًا. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب، في المجلد الرابع صفحة 24: إذا ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها، أو جاحد وجوبها ولم يترك فعلها في الصورة، فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين. إذا ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها -هذا الأمر في حقه واضح- يقول: الصلاة ليست واجبة -سَواء قال على الناس أو ليست واجبة عليه، وهو عاقل- ليست بجاهل، هذا يكفر إجماعًا، يكون مرتدًا. أو جاحد وجوبها وإن كان يصليها، يقول: أن أصليها لا أنها واجبة، لكن أصليها على سبيل التطوع، كذلك يكفر، لأنه اعتقد أن هذه الصلاة ليست بواجبة، وهي واجبة، بل هي من الأمور المعلومة بالدين ضرورة، لا يجهلها أحد إلا رجل إن فرض أنه لا يعلمها، فهذا يعلم، فإذا تعلم وجحدها بعد ذلك كفر. طيب، وهذا -كما سمعتم- بإجماع. قال رحمه الله تعالى: فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، ويجب على الإمام قتله بالردة. مسألة أخرى: من ترك الصلاة غير جاحد. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم، مجلد الرابع صفحة 24: من ترك الصلاة غير جاحد. قال: قسمان: أحدهما: تركه لعذر، كنوم ونحوه. قال: فعليه القضاء فقط، ووقته موسع، ولا إثم عليه؛ لأنه معذور من أهل الأعذار. وقد قال نبيه صلى الله عليه وسلم: «من نسي الصلاة أو نام عنها فعليه أن يصليها إذا ذكرها». والثاني: تركه بلا عذر، تكاسلًا وتهاونًا. قال: فيأثم بلا شك، بل الكل متفقون على أنه وقع في كبيرة من الكبائر. قال: ويجب قتله إذا أصر. أي إذا أصر على ترك الصلاة تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها. قال رحمه الله تعالى: وهل يكفر بتركها؟ قال: فيها وجهان حكاهما المصنف وغيره. طيب، مسألة أخرى: من ترك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا، هل يكفر؟ في المسألة خلاف وأقوال. القول الأول: أنه كافر مرتد، أنه كافر مرتد إن مات على ذلك. وهذا قول عامة الصحابة، وحكي فيه الإجماع عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا قول عمر، وعلي، وابن عباس، وجابر، ومعاذ، وابن مسعود، وحذيفة باليمان، وأبي الدرداء، وهو قول النخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل في رواية، وإسحاق. القول الثاني: أو المالكي، والشافعي، والرواية عن أحمد، وأبي حنيفة، والثوري، والمزني، وهو قول مكحول، وحماد بن زيد، ووكيع. وهو قول الزهري أيضًا: أن تارك الصلاة إذا كان معترفًا لوجوبها، ثم تركها متهاونًا متكاسلًا، فلا يكون مرتدًا بذلك. القول الثالث: أنه يحكم بكفره حيث يحكم بقتله، بمعنى أو معنى هذا القول: إذا حكم بقتل تارك الصلاة، فيحكم كذلك بأنه كافر. ذكره القاضي والشيرازي وغيرهما. واحد، وقال الماوردي: وهو مقتضى نص أحمد. وهناك قول رابع، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، واختياره لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وحاصله وخلاصته: أن تارك الصلاة يكون كافرًا في حال، بمعنى: ما هو الضابط في كونه تاركًا؟ ومتى يقال في حقه أنه تارك؟ هل بمجرد ترك صلاة واحدة؟ أم بعض الصلوات؟ أم جميع الصلوات؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إنه لا يقال في حقه أنه تارك إلا حيث كان كذلك، بمعنى أنه لا يصلي. قال: فمن كان هذا حاله، أنه لا يركع لله عز وجل ركعة، فهذا لا شك في أمره بأنه كافر، لا سيما إذا عرض على السيف، واستمر في ذلك وأصر على ذلك -أي على عدم الصلاة- قال: فهذا يكون كافرًا بلا شك. وهذا أيضًا اختيار العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى،، من المعاصرين العلامة ابن عثيمين. ومن المعاصرين العلامة الألباني. والصورة الأخيرة التي إذا عرض على السيف وأصر على ذلك، قال بها كذلك العلامة الألباني. وإن كان العلامة الألباني يقول في المسألة من حيث هو بقول مالك والشافعي وغيرهم، إلا أنه يقول: إذا عرض على السيف وأصر على ذلك -أي على ترك الصلاة- قال: هذا دل على عدم اعتقاده لوجوبها، بل وجاحد لوجوبها، فيكون كافرًا مرتدًا بهذا الاعتقاد. والحاصل -والله أعلم- في هذه المسألة: ما ذهب إليه هؤلاء المحققون: من أن من كان يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، وهكذا، هذا لا يستطاع أن يبزم في حقه بأنه كافر؛ لأن الترك لا يصدق عليه. رجل مثلًا، كحال كثير من عصاة المسلمين في هذه الأيام، وفي غيرها: يصلي مثلًا الظهر، ولا يصلي الفجر، أحيانًا يصلي العصر، ولا يصلي العشاء، وهكذا. أو يصلي يومين وثلاثة أيام، ويقطع، ويوم يصلي، ويومين لا يقطع، ما شابه ذلك. فمثل هذا -على قول هؤلاء المحققين- على قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى -من ذهب إلى قوله-: أنه لا يكون كافرًا، ولكنه يكون فاسقًا من الفسقة، وعاصيًا من العصاة، وعلى خطر عظيم؛ لأن الأمر -كما سمعتم- في هذه المسألة اجتهادي. ربما مجتهد وعالم يقول اليوم بقول بأنه ليس بكافر، وغدًا يظهر له بأنه كافر، والعكس. لا سيما أن في المسألة أحاديث، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وهذا نص في أنه من ترك الصلاة فقد كفر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين العبد وبين الكفر أو الشرك: ترك الصلاة». ترك الصلاة. لكن الخلاف ماذا في ضابط هذا الترك؟ في ضابط هذا الترك؟ متى يكون العبد تاركًا؟ هل بمجرد ترك صلاة واحدة؟ أو صلوات أو ما شبه ذلك؟ أو ترك أحيانًا؟ ولو ترك صلاة واحدة يكون كافرًا؟ على ما تقدم في المسألة. والخلاصة في هذا القول -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن نحى نحوه من أئمة من الأئمة رحمهم الله تعالى. والله أعلم. والمسألة طويلة، وقد أولفت فيها مؤلفات، وفيها ردود وأقوال أهل علم كثيرة. وهذا خلاصتها باختصار -والله أعلم-. إلهنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أصلي عليك وتوب إليك. اشتركوا في القناة.