الدرس في كتاب الصلاة 71، ألقاها
تناول المقطع آراء الفقهاء في ما يقوله المسبوق إذا جلس الإمام للتشهد الأخير، حيث اختلفت الآراء بين الاقتصار على التشهد الأول أو وجود سعة في الأمر. كما تطرق إلى مسألة الدعاء في الجلوس.
ناقش المقطع حكم الدعاء في التشهد الأول والأخير، حيث اختلف أهل العلم بين القول بالدعاء في كل جلوس أو قصر الدعاء على التشهد الأخير، واستدل الفريقان بحديث عبد الله بن مسعود.
المقطع يناقش حكم الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير ووجوبه، ويشير إلى أن الجمهور ذهب إلى جوازه وليس بواجب، مع اختلاف الآراء حول وجوب التشهد في الجلستين واستدلالهم بحديث ابن مسعود.
نحن أخذ بقية المسألة المتعلقة بما مر معنا في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. المسألة الثالثة: ما يقول المسبوق إذا جلس الإمام للتشهد الأخير؟ إذا جلس الإمام للتشهد الأخير، بمعنى إذا دخل مسبوق الصلاة وقد فاته مثلا ركعتان أو ثلاث ركعات، فدخل مع الإمام، فقعد الإمام في التشهد الأخير، فقعد المأموم، فماذا يقول؟ قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: لم يزد المأموم على التشهد الأول، بل يقره. نص عليه أحمد فيمن أدرك مع الإمام ركعة، قال: يكرر التشهد، ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدعو بشيء مما يدعى به في التشهد الأخير؛ لأن ذلك إنما يكون في التشهد الذي يسلم عقيبه، وليس هذا كذلك. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ينص وينقل على الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن من أدرك الإمام وقد فاته بعض الركعات، وجلس الإمام في التشهد الأخير، فهل يتابع المأموم الإمام في التشهد الأخير، فيقول التشهد الأخير كتشهد الإمام، أم أنه يقتصر على التشهد الأول؟ نص عن أحمد رحمه الله تعالى أنه يقتصر على التشهد الأول، وذكر عن أحمد أيضا أنه قال كذلك: لا يقول الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدعو بعد ذلك. والظاهر والله أعلم أن الأمر في ذلك فيه سعة؛ بمعنى أن من تابع الإمام أخذاً بعموم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، فلا شيء عليه. ومن اقتصر على التشهد الأول، كذلك الظاهر أنه لا شيء عليه؛ فالأمر في ذلك في سعة لعدم وجود الدليل الواضح المعين للتشهد الخاص في مثل هذا. والله أعلى وأعلم. المسألة الرابعة: في قوله «وليتخير من الدعاء ما شاء». هل هو في كل جلوس أم في الجلوس الأخير؟ في تشهد عبد الله بن مسعود جاء في رواية أخرى أنه قال: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء». هل هذا في كل جلوس يجلسه أم أنه في التشهد الأخير؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقوله في كل جلوس؛ أي أنه يدعو في كل جلوس، أخذا بظاهر حديث عبد الله بن مسعود. وهذا قول الإمام مالك، واختاره من المعاصرين العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فقد قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: «وليس هذا خاصا بتشهد الأخير، كما يظن البعض، بل هو بإطلاقه يشمل الأول أيضا». قال: لما ورد صريحا في رواية أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود مرفوعا بلفظ: «إذا جلستم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله...» ثم ليتخير... الحديث. رواه الطبراني وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الجديد إلى أنه يصلي فيه على النبي، أي أنه يقول التشهد، ويجعل عليه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصلي على الآل. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يقال إلا في التشهد الأخير. قال: والمراد بالتشهد الأخير كل تشهد يسلم منه، سواء كان تشهد آخر أم لا. أي: إذا كانت صلاة ثنائية، فيكون تشهد الأخير في أي ركعة بعد الركعة الثانية، وإذا كانت ثلاثية بعد الركعة الثالثة، وإذا كانت رباعية فبعد الركعة الرابعة، وهكذا. قال الثوري: إن فعل عمدا بطلت صلاته. وهذا يدل على شدة المنع في هذه المسألة. واستدل القائلون بالمنع بحديث عبد الله بن مسعود أيضا، وقالوا: في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا جلستم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله... ثم ليتخير»، أي: في كل ركعتين يسلم بعدها. والذي يظهر والله أعلم أن قول الجمهور أقرب؛ لأنه الذي قد يفهم من حديث عبد الله بن مسعود السابق. وأمر آخر: أن الثوري، وهو من رواة الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول، كان يقول ببطلان صلاة من زاد على الدعاء في التشهد في الجلسة الأولى. وهذا يدل على أن الثوري رحمه الله تعالى فهم من هذا الحديث أن المراد بالدعاء إنما هو في كل ركعتين يسلم بعدهما. وراوي الحديث أفهم للحديث من غيره. والله أعلى وأعلم. وهذا من باب الظهور والأظهر؛ بمعنى أن من قام أو عمل بمقتضى القول الأول استدلالا بحديث عبد الله بن مسعود، فالأمر فيه واسع. وهذا من باب الاجتهاد الذي تختلف فيه الأفهام، ولا يعنف المخالف على قوله. فالأمر كما سمعتم: من حيث العمل بأحد القولين، الأمر فيه سعة. لكن من حيث الأظهر والله أعلى في الاستدلال، أن القول الذي ذهب إليه الجمهور رحمهم الله تعالى أقرب لما تقدم. والله أعلى وأعلم. المسألة الخامسة من مسائل متعلقة بهذا الباب: حكم الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: مشروع بغير خلاف. قال: وحكى ابن المنذر عن الحسن أنه كره الدعاء في المكتوبة، وأباحه في التطوع. قال: ولعله أراد في غير التشهد. وقد دل عليه حديث ابن مسعود هذا. وليس هذا بواجب، كما ذكره البخاري. ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك؛ أي: من أهل العلم من حكى الإجماع على أن الدعاء في آخر الصلاة ليس بواجب. قال: وقول: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»، يستدل به على الجواز؛ لأن قوله «أعجبه» يدل على أنه يدعو بما أعجبه، فإن أعجبه أن يدعو فليدعو، وإن أعجبه أن لا يدعو فلا يدعو؛ فالأمر على التخيير. إذا قال من قال من أهل العلم أن قوله «فليتخير» قالوا: الأمر ها هنا للإباحة والتخير. والله أعلى وأعلم. ذكرنا في الدرس الماضي أن الأقرب في مسألة التشهد: هل هو واجب في الجلستين أم أنه واجب في الجلسة الأولى وفرض في الثاني؟ وقلنا في الدرس الماضي: أن الأظهر أنه فرض في الثاني. والآن نقول: والله أعلم أنه واجب في الأول وواجب في الثاني؛ إذ ليس عندنا دليل واضح صريح يدل على أنه فرض في الثاني. ما عندنا إلا الدليل الذي تقدم معنا في التشهد الأول، وهو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وأيضا أظهر من هذا ما جاء في الصحيح في حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل...». وهذه اللفظة تفيد الوجوب، ولا تفيد الفرضية. هذا الذي يظهر والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك اللهم.