الدرس في كتاب الصلاة 115، ألقاها
صلاة الخوف مشروعة في حالة الجهاد في سبيل الله، ويشترط فيها أن يكون العدو مباح القتال وألا يؤمن هجومه. يُشترط أن يكون سبب الخوف مشروعًا.
يمكن أداء صلاة الخوف بأكثر من طريقة حسب شدة الخوف، بدءًا من الإيماء حتى التكبير فقط في حال اشتداد الخطر. يجوز أداؤها مع العدو في جهة القبلة ويستحب التخفيف فيها.
يتم أداء الصلاة أثناء القتال بالتخفيف والإتيان بالأركان حسب الاستطاعة، مع اختلاف بين العلماء حول جواز أداء صلاة الخوف بأقل من ركعتين. يرى أكثرهم أنها لا تقل عن ركعتين استنادًا إلى الأحاديث النبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فتتمة المسألة الأخيرة التي مرت معنا أمس في ذكر صفات صلاة الخوف. ذكرنا أن القول الصحيح ذهب إليه الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، وأيضًا رجحه الإمام ابن القيم. ونص عبارة البخاري، رحمه الله تعالى، فيما نقله عنه الإمام الترمذي في كتاب «العلل»، قال: «كل الروايات في صلاة الخوف عندي صحيحة، وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف»، إلا حديث مجاهد عن أبي عياش، فإنه يراه مرسلًا. وتقدّم معنا أن أهل العلم اختلفوا في هذا الحديث، فالبخاري يرى إرساله، وأبو حاتم الرازي يرى أنه صحيح. قال الحافظ ابن رجب: «وهذا يدل على أنهم -أي البخاري- على أنه يستعمل كل وجه من الوجوه في صلاة الخوف على قدر ما تقتضيه حال الخوف، ويكون ذلك الوجه أصلح له». وهذا يدل على فقه دقيق من الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، لهذه المسألة. قال: «وروي نحو ذلك عن سليمان بن داود الهاشمي، وحكي عن إسحاق أيضًا، وقاله بعض الحنابلة». قال ابن رجب: «قاله بعض أصحابنا -أي الحنابلة-». وقال الإمام أحمد: «كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز». وقال: «ستة أوجه أو سبعة أوجه نرويها فيها، كلها جائزة». وقال الاثرم: «قلت لأبي عبد الله: أتقول بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن». وهذا يبين لنا أن هذا هو مذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. ورحم الله أئمة السنة أجمعين. المسألة التي تليها: ذكر بعض أهل العلم شروطًا لصلاة الخوف. فالمسألة هي: ما يشترط لجواز صلاة الخوف؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك شروطًا، منها شروط معتبرة، ومنها غير معتبرة. أولًا، قالوا: أن يكون العدو مباح القتال، وألا يؤمن هجومه. هذا الشرط يتضمن أمرين: الأول، أن يكون العدو مباح القتال، أي أن يكون الخوف سببه مشروعًا، كأن يكون جهادًا في سبيل الله للكفرة أو الزنادقة أو ما شابه ذلك. فمثل هذا كله يكون من باب القتال المباح. معنى هذا أن القتال إذا لم يكن مباحًا فإنه لا يشرع فيه صلاة الخوف، كأن يريد قوم أن يعدوا على قوم ظلمًا وعدوانًا. أو يكون مثلًا من القتال بين طائفتين من المسلمين، كقتال الجاهلية، هل للطائفتين أو لإحدى الطائفتين أن تصلي صلاة الخوف؟ الجواب: إن كان من هذا النوع -أي كلاهما عادي وكلاهما باغٍ- فإنه لا تشرع لهم صلاة الخوف؛ لأن صلاة الخوف إنما شرعت للتخفيف، لأجل الحفاظ على ما هو مباح في قتال مباح. قالوا: إنما صليت صلاة الخوف لتحصيل أمر مشروع أو مطلوب، من قتال عدو أو نحوه. أما إذا كان ذلك القتال لأجل تحصيل شيء غير مطلوب شرعًا، فإنه لا يشرع، كما ذكرنا، كقتال الفتنة ونحوها. قالوا: وألا يؤمن هجومه، بمعنى: إن كان هناك عدو، ولكن تأمن هجومه، بأن يكون بينكم وبينهم مسافة كبيرة، تأمن فيها أن تصلي، وما يدركك العدو إلا وقد فرغت من صلاتك. الثاني، قالوا: أن يكون العدو في غير جهة القبلة. بمعنى: إذا كان العدو في جهة القبلة، فإنه لا تشرع صلاة الخوف. وهذا قول مردود، وشرط مردود، بل باطل؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف والعدو بينهم وبين القبلة. الشرط الثالث، قالوا: أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم إلى طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر. قالوا: أما إذا كانوا أقل من ذلك، فإنه لا تشرع صلاة الخوف؛ لأنه ليس فيه معنى الحراسة والصلاة، بأن تصلي طائفة وتحرس الأخرى. قال ابن قدامة، رحمه الله: «والأولى أن لا يشترط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة عدد تصح به الجماعة، فجاز أن يكون طائفة». وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ها هنا تنبيهات تابع لهذه المسألة. أولها: أن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات، في حق الإمام والمأموم جميعًا. فإذا كان في سفر يبيح القصر، صلى بهم ركعتين، بكل طائفة ركعة، وتتم لأنفسها أخرى، على الصفة المذكورة. الثاني: يستحب أن يخفف بهم الصلاة؛ لأن موضوع صلاة الخوف هو التخفيف. الثالث: أن الطائفة التي تفارق الإمام تصلي لأنفسها تقرأ بسورة خفيفة، إلى جانب سورة الفاتحة. وإن اكتفى بالفاتحة لخوف شديد، فلا بأس في ذلك. ولا تفارقه حتى يستقل قائمًا؛ لأن النهوض يشتركون فيه جميعًا، فلا حاجة إلى مفارقتهم إياه قبله. قالوا: والمفارقة إنما جازت للعذر. ويقرأ الإمام ويتشهد ويطيل في حال الانتظار حتى يدركوه. بمعنى: أن الإمام يقرأ ويتشهد إذا صلت الطائفة الأولى ركعة، فقام، انتقلت الطائفة الأخرى مكان الطائفة الأولى، وجاءت الطائفة الأخرى فصلت الركعة الثانية. المسألة الخامسة: هل تصلى صلاة الخوف أقل من ركعتين عند اشتداد القتال؟ ذهب إلى هذا طائفة من أهل العلم، ورُوي هذا عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، واختاره الثوري وآخرون. بل قال الإمام إسحاق بن راهويه وغيره: «يصلّ ركعتين مع الإمام، فإن اشتد الخوف، لهم أن يصلوا فرادى أو ركبانًا». قال: «فإن اشتد الخوف فيصلوا بما تيسر، يومئون إيماء». قال: «فإن لم يستطيعوا، اشتداد الخوف، قال: يصلون ركعة واحدة». فإن لم يستطيعوا، قال: «يكبرون ويقرؤون». قال: «فإن لم يستطيعوا، قال: يكبرون، ويجزئهم ذلك». وهذا كذلك رواية عن بعض السلف. واستدل هؤلاء بما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وفيه: «فصل بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، ولم يقضوا شيئًا». وجاء كذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «فصل بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة». قال: «فكانت له ركعتان، وكانت لهم ركعة ركعة». فاستدل من استدل بهذين حديثين على جواز أن تصلى صلاة الخوف أقل من ركعتين، ولو أن تصلى ركعة واحدة. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها لا تجوز أن تصلى أقل من ركعتين؛ لأن هذا هو المحفوظ من أحاديث كثيرة متكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأنه صلى ركعتين في حوادث كثيرة. قالوا: لأن الصلاة ركعة لا تشرع ولا تجوز. فقيل لهم: أو أجابوا عن حديث ابن عباس، وقبل ذلك عن حديث حذيفة، بما تقدّم معنا أمس في الدرس الماضي، من أن قول حذيفة رضي الله عنه: «فصل بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، ولم يقضوا شيئًا»، أي: أنهم أتموا لأنفسهم، فكان كل واحد قد صلى صلاة تامة، ولم يقضِ من صلاته شيئًا. فلم يقضوا شيئًا؛ على هذا المعنى: أنهم لم يؤخروا صلاة فيقضوها، وليس معناه أنه ما صلوا إلا ركعة واحدة. وعلى هذا حمل العلماء رحمهم الله تعالى كذلك حديث ابن عباس. من أهل العلم من ضعف هذه الرواية، وقد نص على ضعفها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فقال: «إن هذه الكيفية لا تعرف في كيفيات صلاة الخوف عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». والناظر في طرق الحديث يرى أن ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى معتبر؛ لأن أكثر روايات الحديث جاء فيها إما بالإجمال، وإما بذكر التفصيل، كتفصيل بقية الأحاديث، من أنهم صلوا ركعتين: ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وركعة بأنفسهم. فإذا لا تشرع صلاة الخوف إلا ركعتين، كما هو واضح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الثابتة. إذا اشتد الحرب، اشتد القتال، وانشغل المصلي، يشرع لو أن يؤخر الصلاة إلى وقتها، على قول طائفة من أهل العلم. ذهب إلى هذا القول طائفة من أهل العلم، إنهم أبو حنيفة وغيره. وإن كان كثير من أهل العلم قالوا: يصليها على أي حال، في هذه الحالة، أي في حال المطاعنة، وفي حال المقاتلة، يصليها على أي حال. فهذا المذكور هو الأظهر، والله أعلى وأعلم. أي: أنه له أن يؤخرها إلى أن يفرغ من قتاله، فيصليها بعد ذلك. أو يستطيع في أثناء القتال أن يصليها على ما تيسر من الصلاة، بالتخفيف فيها، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والإتيان بالأركان. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.