الدرس في كتاب الجنائز 13، ألقاها
تطرق الدرس إلى أحكام صلاة الجنازة مثل عدم التحرك حتى ترفع الجنازة ورفع اليدين في التكبيرات وأركان الصلاة. يُستحب البقاء في مكان الصلاة حتى ترفع الجنازة.
ناقش المقطع آراء الفقهاء حول الصلاة على الجنازة في المسجد والمقبرة، حيث أجاز البعض الصلاة في المسجد إذا لم يكن هناك ما يلوثه واستدل بفعل النبي وأزواجه. كما أجاز البعض الصلاة في المقبرة واستدل بفعل بعض الصحابة.
تطرق النص إلى حكم صلاة الجنازة في المقبرة مع الكراهة واستدل بحديث ضعيف. كما ناقش حكم إدراك المسبوق للإمام في صلاة الجنازة واختلاف العلماء حول إكمال التكبيرات الفائتة.
المقطع يشير إلى أن الحكم المذكور ينطبق على جميع الصلوات بدون استثناء، مؤكداً عمومية هذا الحكم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، كان آخر مسألة مرت معنا في الدرس الماضي المسألة السابعة، وهي أنه بعد أن يكبر التكبيرات، ثم بعد ذلك يسلم، وهذا التسليم كما ذكرنا من واجباتها كبقية الصلوات. وذكرنا أن التسليم منهم من قال: تسليما واحدة، ومنهم من قال: تسليمتين. وأكثر أهل العلم على أنها تسليما واحدة، ومن سلم تسليمتين كذلك فلا بأس، لعموم الأدلة في ذلك. بقي هنا تنبيه، وهو تابع لهذه المسألة. رويا عن مجاهد أنه قال: إذا صليت فلا تبرح مصلاك حتى ترتفع. قال: ورأيت عبد الله بن عمر لا يبرح مصلاه إذا صلى على جنازة حتى يراها على أيدي الرجال. قال الأوزاعي: لا تنقض الصفوف حتى ترتفع الجنازة. واضح هذا، جماعة. أملا بمعنى أننا إذا صلينا على جنازة وفرغنا من الصلاة وسلمنا، ينبغي للمصلين أن يتأنوا، الإمام والمصلون أن يتأنوا في أماكنهم حتى ترفع الجنازة. فإذا رفعت الجنازة، إن شاء تبع الناس الجنازة، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف. واضح يا جماعة. أملا هذه من آداب الصلاة على الجنازة. وكما ترون، مجاهد يحكي هذا القول أو يقول هذا القول، ويرويه عن عبد الله بن عمر بن خطاب رضي الله عنهما أنه رآه يصنع هذا الفعل. وهذا كما ترون فيه أدب في هذه الصلاة، أنه لا يتحرك ويتنقل يمينا وشمالا حتى ترتفع الجنازة التي لأجلها قد جاء. وهذا الأدب يكاد يكون مفقودا في هذه الأزمنة، فكثير من الناس ما أن يسلم الإمام حتى تجدهم قد انطلقوا يمينا وشمالا. المسألة الثامنة: هل يرفع يديه في كل تكبيرة؟ الجواب: أجمع أهل العلم على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها، هذا بإجماع. ثم اختلفوا فيما سوى ذلك. فكان ابن عمر رضي الله عنهما يرفع يديه في كل تكبيرة، وهذا ثابت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وبه قال سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وقيس بن أبي حازم، والزهري، وإسحاق بن المنذر، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد. أي أن هذا القول هو قول أكثر أهل العلم. وقال مالك والثوري وأبو حنيفة: لا يرفع يديه إلا في الأولى. وهذا القول نصره ابن حزم، واختاره كذلك الشوكاني والألباني والوادعي وغيرهم رحمهم الله تعالى، لأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع في شيء من تكبيرات الجنائز إلا في أول تكبيرة فقط. وهذه عبادة فلابد لها من دليل واضح. هذا مستند هؤلاء. ومستند الأولين أنه روي عن ابن عمر أنه روى هذا الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم. ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الجنازة أربعة تكبيرات. والصحيح فيه الوقف على ابن عمر، ولا يصح رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل أن الأظهر الاقتصار في رفع الأيدي على التكبيرة الأولى. قال: ومن رفع في كل تكبيرة فلا ينكر عليه، لماذا؟ لفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وغيره من السلف. فالله أعلم. فالحاصل أن من فعل ذلك فلا ينكر عليه، وأيهما أولى؟ الأولى الاقتصار على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا يرفع إلا في التكبيرة الأولى. المسألة التاسعة: أركان صلاة الجنازة وشروطها. الواجب في صلاة الجنازة: النية، والتكبيرات، وأن لا يقتصر على الأربع، والقيام، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأدنى دعاء للميت، وتسليمة واحدة. ويشترط لها شرائط المكتوبة إلا الوقت. أي: من الطهارة من الحدث، وكذلك من استقبال القبلة، وغيرها من الشروط التي في المكتوبة إلا الوقت. ما معنى إلا الوقت؟ من شروط الصلاة المكتوبة: دخول الوقت. وأما صلاة الجنازة فلا يشترط دخول وقت معين، بل يصلى متى وجدت الجنازة على الصحيح. ولا يجوز أن يصلي على الجنائز وهو راكب، لماذا؟ لأنه يفوت القيام الواجب. والقيام كما سمعتم مرارا معنا: واجب على القادر، كبقية الصلوات. المسألة العاشرة: تعدد الصفوف وتسويتها في صلاة الجنازة. يستحب أن يصف في الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، لما روي عن مالك بن هبيرة -وكان صحابيا رضي الله عنه- أنه كان إذا صلى على جنازة فتقل الناس عليها، قال: فجعلهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب». رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. والحديث من طريق محمد بن إسحاق بن يسار، وهو مدلس، وقد عنعن. فالحديث ضعيف. لكن له شاهد من حديث أبي أمامة: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، ومعه سبعة نفر، فجعل ثلاثة صفا، واثنين صفا، واثنين صفا». رواه الطبراني في الكبير. وقال الهيثمي في المجمع: وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام. قال العلامة الألباني رحمه الله: وذلك من قبل حفظه، لا تهمة له في نفسه. قال: فحديثه في الشواهد لا بأس به. ولذلك أوردته مستشهدا به على الحديث الآتي، وهو حديث مالك بن هبيرة. فالحاصل أن الحديث حسن بهذا الشاهد. أي: حديث مالك بن هبيرة مع أبي أمامة يرتقيان مع بعضهما إلى الحسن لغيره. وهو دليل هذه المسألة. ويجوز كذلك أن تصف أربعة صفوف، وقد جاء في حديث جابر -الصحيح الذي مر معنا في العمدة- أنهم صلوا على الجنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، قال: وخرج بهم إلى المصلى، وصف بهم ثلاثة أو أربعة. فهذا كما ترى من باب الأفضلية. فإن زادت الصفوف كان عدد الناس كثيرا، فلا بأس أن تتعدد الصفوف أكثر وأكثر. لكن إذا قلّ، اجعلها على كم صفوف؟ على ثلاثة. واضح هذا يا جماعة. إذا كان عدد المصلين قليل، لا يجعلهم صفا واحدا، الإمام ثم خلفه صف. مثلا جاء عشرة، أو كما في هذا الحديث: سبعة. يصلي هو، ويكون من وراءه صفوف، بل يصنع ماذا؟ يجعلهم صفوفا. طيب يا جماعة، يعني هذا المراد. أما إذا كثرت الصفوف، امتلأ المكان بالمصلين، فهذا لا يضر أن تكون ثلاثة صفوف طويلة، ليس لها ماذا؟ يعني كما يقال: طويلة جدا. كما قد رأينا في بعض الأماكن، ربما طال الصف جدا حتى التوى. طال الصف جدا حتى ما له نهاية. يتقوس من كثرة ماذا؟ من كثرة الطول. بل ينبغي أن يراعى هذا الأمر. تسوية الصفوف، وهي المسألة التي تليها. فالحاصل ما ذكر. قال الإمام أحمد رحمه الله: أحب إذا كان فيهم قلة أن أجعلهم ثلاثة صفوف. إن كان فيهم قلة. أما إذا كانوا كثر صفوف كثيرة، فالحمد لله. قالوا: فإن كان وراءه أربعة، كيف يجعلهم؟ يعني: إمام ومعه أربعة مصلين، هذا ممكن يا جماعة. ممكن. قال: كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين، في كل صف رجلين. وكره أن يكونوا ثلاثة ثلاثة، فيقول: في صف رجل، في صف رجل واحد. واضحة يا جماعة، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». بمعنى: إذا كانوا مثل هذه الحالة: أربعة مع الإمام، الإمام الخامس. الإمام تقدم، وخلفه ماذا؟ يجعل صفين: اثنين اثنين. وكذلك يستحب تسوية الصف في الصلاة على الجنازة. نص عليه أحمد وغيره من أهل العلم. وقيل لعطاء: أخذ على الناس أن يصفوا على الجنازة ما يصفون في الصلاة؟ قال: لا. قوم يدعون ويستغفرون. قوم يدعون ويستغفرون. معنى أن عطاء كان لا يرى تسوية الصفوف في الجنازة، لماذا؟ يقول: لأنه دعاء واستشفاع واستغفار لذلك الميت. قال: ولم يعجب أحمد قول عطاء هذا. وقال: يسوون صفوفهم، فإنها صلاة. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم. الشاهد منه ماذا يا جماعة؟ «فصف بهم». وصف ماذا؟ تسوية الصفوف. معنى أنه جعلهم صفوفا مستوية. وهذا يدلنا على أصل هذه المسألة، وهي أن تسوية الصفوف في الجنازة واجب، كما أنه واجب في الصلوات الأخرى. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وقولنا: «ليسوى مستوى في الصلاة». إلى غير ذلك من الأوامر الدالة على الوجوب. وقد تقدم الكلام على مسألة تسوية الصفوف في أبواب الصلاة. المسألة الحادية عشرة: لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد. إذا لم يخف تلويثه. معنى أن الميت إذا كان ما هناك ما يخرج منه شيء من الأشياء التي قد تلويث المسجد، فلا بأس أن يصلى به، أو أن يصلى في المسجد. وبهذا قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود. وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر. وهو مذهب عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وغيرهن من الصحابة. وكره مالك وأبو حنيفة ذلك. واستدل لهم بحديث: «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه». أو «فلا شيء له». رواه أبو داود من حديث أبي هريرة. ولكن هذا الحديث لا يصح. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ضعيف باتفاق الحفاظ. فالصحيح من هذين القولين الأول، لحديث عائشة عند مسلم. وفيه قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص، أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمر بجنازته في المسجد فيصلين عليه. ففعلوا. فوقف به على حجره يصلين عليه، ثم أخرج به يصلين عليه، ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد. فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، أي: أن يصلى على سعد بن أبي وقاص في المسجد. وقالوا: ما كانت الجنائز تدخل بها المسجد. فبلغ ذلك عائشة. فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به. عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد. وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد. وهذا نص صريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد. فهذا يدل على جواز ذلك. وأيضا رواية أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صلى عليه في المسجد. وكذا رواية أن عمر صلى عليه في المسجد. قال: وهذه أيضا هي صلاة. فما كان صلاة فهو يشرع أن يكون في المسجد، كبقية الصلوات: الصلوات الجماعة، والجمعة، والأعياد. الأعياد تستحب في المصلى، وهل تشرع في المسجد؟ الجواب: نعم. الكسوف، الاستسقاء يشرع أو يستحب في المصلى، وهل يكون في المسجد؟ الجواب: نعم. فكذلك الجنائز. قال ابن قدامة رحمه الله -بعد أن قال: ورواية أن أبا بكر الصديق صلى عليه في المسجد، وكذا عمر-: وهذا كان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، فلم ينكر. فكان إجماعا. أي: أن الصحابة صلوا على أبي بكر في المسجد، وصلوا على عمر في المسجد، وما أنكر أحد ذلك. قال: فكان إجماعا. قال: ولأنها صلاة، فلم يمنع منها كسائر الصلوات. أي: لم يمنع منها المسجد، كسائر الصلوات. المسألة الثانية عشرة: الصلاة على جنازة في المقبرة. ذهب إلى جوازها طائفة من أهل العلم. وهي رواية عن أحمد. قال ابن المنذر: ذكر نافع أنه صلى على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع. صلى عليه أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر. وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز. واستدلوا بهذا القول بهذا الفعل عن هؤلاء. وهذا القول رواية عن أحمد. وهذا القول رواية عن إمام أحمد رحمه الله. وذهب قوم إلى كراهة ذلك. وممن ذهب إلى ذلك: عطاء، والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وابن المنذر. وروي عن علي وعبد الله بن عمر بن العاص، وابن عباس: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». هذا عندكم حديث من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال: ورجح الحفاظ الإرسال فيه. الحاصل أن هذا الحديث رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. والحفاظ رجحوا فيه الإرسال، كالإمام الترمذي رحمه الله تعالى، والدارقطني، والبيهقي. قال البيهقي: أن رفعه أو قال: أن روايته مسندا خطأ، أو قال: ليس بشيء. فالحاصل أن هذا الحديث لا يصح مسندا، وإنما هو مرسل. قالوا: ولأنه ليس بموضع للصلاة غير صلاة الجنازة، فكرهت فيه صلاة الجنازة كالحمام. فالحاصل أن في المسألة قولين: الأول: الجواز من غير كراهة. والثاني: الجواز مع الكراهة. والأظهر -والله تعالى أعلم- أنه إن احتيج إلى ذلك فلا بأس، وإن لم يحتج إلى ذلك فالأولى أن تصلى في مصلاها. فإن لم -مثلا- جنازة صلى عليها من صلى في المصلى، ثم انطلق بها إلى المقبرة، وكان هناك في المقبرة مكان بعيد من القبور، مكان بعيد من القبور، فاحتاج أناس لم يصلوا عليه أن يصلوا عليه، فلا بأس في ذلك. لما روي أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قد صلي عليهما في القبور. صلى عليهما أبو هريرة، بمشهد ابن عمر، وغيره من الصحابة. ولا يعرف لهذا منكر. والله تعالى أعلم. قد يقول قائل: كيف يصلى عليها وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقابر؟ الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقابر التي فيها الركوع والسجود. قالوا: أما صلاة الجنازة فليس فيها ركوع ولا سجود. فالحاصل أن العلماء أجازوا الصلاة في الجنازة خاصة دون غيرها من الصلوات التي فيها الركوع والسجود، لأن صورة السجود والركوع في الصلاة إلى القبور. بخلاف ما أفردت جنازة، فإنه يصلي قائما، وإنما هو دعاء وشفاعة للميت. فأشبهت الدعاء لذلك الميت عند قبره. المسألة الثالثة عشرة: إذا أدرك الإمام وقد سبقه ببعض الصلاة. المسبوق إذا أدرك الإمام وقد سبقه ببعض الصلاة، كبر ودخل معه في الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمموا». فيقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته، لا ما يقرأ الإمام. لأنه يمكنه أن يأتي بما يقتضيه ترتيب صلاته مع المتابعة. فإذا سلم الإمام أتى بما بقي من التكبيرات مع بقية الواجبات. واضح يا جماعة. أي: كبقية الصلوات. من أدرك الإمام في الصلاة المكتوبة، ومن أدرك الإمام وقد سبقه الإمام ببعض الركعات، ماذا يصنع؟ «ما أدركتم فصلوا». إذا كان الإمام بقي له ركعة واحدة، وهو دخل مع الإمام. الإمام في الركعة الرابعة، وهو بنية الركعة الأولى. فإذا سلم الإمام قام وأتم صلاته. واضح يا جماعة. كذلك في صلاة الجنازة، إذا دخل والإمام قد كبر تكبيرة أو تكبيرتين أو ثلاث، فيدخل مع الإمام حيث وقع له الدخول. ولا ينتظر. بعض أهل العلم قالوا: إذا دخل وقد كبر الإمام بعض التكبيرات، فإنه ينتظر حتى يكبر، فإذا كبر دخل معه في التكبيرة. والصحيح أنه يدخل معه حيث دخل. إذا كان في التكبيرة الثانية، في التكبيرة الثالثة، في التكبيرة الرابعة، يدخل معه حيث دخل. ولا يكبر. فإذا دخل معه، كان في حق المسبوق أنه يبدأ الصلاة من بدايتها. يبدأ بالتكبيرة الأولى، بقراءة الفاتحة. فإذا كبر الإمام للتكبيرة مثلا الثالثة، تكون له تكبيرة الثانية، فيقرأ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كبر الإمام للرابعة، كانت له الثالثة، يكبر ثم يدعو للميت. واضح يا جماعة. وهذا القول هو قول الشافعية. وحكاه ابن المنذر عن ابن سيرين، وعطاء، والنخعي، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق. وقال ابن المنذر: وبه أقول. وروي عن ابن عمر أنه قال: لا يغضب. وروي عن الحسن البصري، وأيوب، والأوزاعي. وحكاه العبدري عن ربيعة. قال: وهو أصح الروايتين عن أحمد. رحمهم الله. هؤلاء يقولون: يصلي مع الإمام ما أدرك. إذا أدرك تكبيرتين، كبر تكبيرتين. فإذا سلم الإمام سلم معه. يقولون: يدخل مع الإمام فيكبر بتكبيرات الإمام. فإذا سلم الإمام سلم معه، لا يحتاج أن يغضي ما فاته. وما حجتهم؟ يقولون: حجتهم أن صلاة الجنازة لا تشبه بقية الصلوات، ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا إلى غير ذلك. إنما هو الدعاء للميت والشفاعة للميت. وقال بعض أهل العلم: يكبر تكبيرات متتابعات، حتى يدرك الإمام. يعني: دخل مع الإمام، مثل الإمام في التكبيرة الثالثة. قال: يدخل. يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، حتى يصل إلى الثالثة مع الإمام. ثم يواصل بقية الصلاة مع الإمام. فإذا سلم إمامه سلم معه. لهذا القول رواية عن إبراهيم النخعي رحمهم الله تعالى أجمعين. والحاصل أن الصواب في ذلك القول الأول، لعموم حديث أبي هريرة في الصحيحين. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمموا». وإن كان سببها في الصلاة المكتوبة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. لأن قائلا قد يقول: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الصلاة المكتوبة. «لا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة والوقار. فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فقضوا». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قد يقول قائل: هذا. فالعبرة بعموم اللفظ. لأن قائلا قد يقول: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الصلاة المكتوبة. فالعبرة بعموم اللفظ أن الإنسان ما أدرك من الصلاة فإنه يكون مدركا. كما قلنا في صلاة الكسوف: أن من أدرك ركوعا يصنع ماذا؟ هذا الحديث: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». كذلك في صلاة الجنازة، في صلاة الاستسقاء، في غيرها من الصلوات. كلها يحملها أو يشملها هذا الحكم. فهذا حكم عام لجميع الصلوات. والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.