حلية طالب العلم 69

الدرس في حلية طالب العلم 69، ألقاها

مقدمة في أهمية إتقان العلوم

يؤكد الشيخ على أهمية إتقان العلوم والفنون التي يدرسها طالب العلم، مشيرًا إلى ضرورة استكمال الأدوات اللازمة لكل فن.

أولوية إتقان أوائل الكتب

ينصح الشيخ طلبة العلم بالتركيز على إتقان أوائل الكتب في كل فن قبل الانتقال إلى غيرها، لأن ذلك هو الأساس الصحيح لطلب العلم.

تطبيق القواعد في العلوم الشرعية

يشدد الشيخ على أهمية إتقان القواعد والأصول في العلوم الشرعية وتطبيقها عمليًا على المسائل الفقهية والأحاديث النبوية.

الاتقان في طلب العلم واستدلالاته

يؤكد الشيخ على ضرورة الاتقان في طلب العلم، مستدلًا بقول الله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى، وهو ما زال في الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها الطالب في حياته العلمية: «من هذه الخصال، ومن هذه الحلية التي ينبغي أن يتحلى بها الطالب: استكمال أدوات كل فن». استكمال أدوات كل فن، قال رحمه الله: «لن تكون طالب علم متقنًا متفننًا حتى يلج الجمل في سم الخياط، ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن». قال: «ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية، وهكذا، وإلا فلا تتعن»، أي: فلا تتعب نفسك. قال الله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾، قال: فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علمًا حتى يتقنه. وهذا الأمر وهذه الخصلة وهذه الصفة التي ختم بها الشيخ رحمه الله تعالى هذا الفصل من الأمور الجليلة والأمور العظيمة والأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها: أن يستكمل أدوات كل فن. أي: إذا أراد أن يكون الطالب طالبًا مبرزًا نافعًا للأمة بإذن الله جل وعلا، عليه أن يستكمل أدوات كل فن. بمعنى أنه لا يكون طلبه للعلم إنما هو مجرد مشاركة بعض أهل الطلبة، وهذا كما يقال: قد ذكروا في الكتب، وقد رؤوا كذلك بالأعين، تجده لا يسير على منهاج في طلبه للعلم، ولا يسير على طريقة سوية في طلبه للعلم، فتجد من هاهنا ينتقل إلى هاهنا، ومن كتاب إلى آخر من غير إتقان، وهذا خطأ فادح، بل هذا سبب من أسباب قطع الطريق أمام الطالب في طلبه للعلم؛ لأنه سيصل اليوم أو غدًا إلى أنه لم يحصل شيئًا. مثلا: يسمع الطالب عن درس قد فتح في النحو في الأجرومية، مثلا يقول: بسم الله، أدخل في هذا الدرس، دخل في الدرس إلى ربع الكتاب، أعلن عن درس في مصطلح الحديث، مثلا في البيقونية، قال: هذا الدرس أنا أحتاجه، انتقل إلى البيقونية، مكث إلى نصف الكتاب أو ثلثه أو ثلثي، أعلن عن درس في أصول الفقه أو في أصول التفسير، قال: هذا الذي أنا أبحث عنه وأريده، فيدخل في ذلك الدرس، فيسمع عن درس قد فتح في الفقه، فيقول: أنا أحوج إلى الفقه من الأصول، فإذا به قد دخل في الكتاب، وهكذا يسمع عن درس في العقيدة، يقول: العقيدة مقدمة، فينتقي للعقيدة، فيفتح درسًا آخر في التوحيد، مثلا يقول: وكذا التوحيد مهم، فيتنقل من كتاب إلى كتاب، ومن درس إلى درس دون إتقان لما دخل فيه أولًا. هذا حقيقة هذا الأمر حقيقة قد وجد، بل وقد رؤيا من هذا الصنف، وفي آخر الأمر تجد هؤلاء قد ذهبت الأعمار، بل والأعمال، ذهبت الأعمار والأعمال هباءً منثورة، لم يستفد، بل ذهب الجهد والعمل، وكذلك ذهب الوقت والعمر من غير كبير فائدة. فما يفيق هذا الطالب إن أفاق، وألهمه الله رجدة، فإن أفاق رأى من كان معه في الطلب قد انطلق، وقد حاز من العلم ما حاز، وقد حصل من العلم ما حصل، وهو مسكين لا يستطيع أن يبتدئ، أو لم يتقن أوائل وبدائيات الكتب. ما السبب في هذا؟ ما ذكرها هنا: عدم استكمال أدوات كل فن، بل عدم كما يقال: إتقان الكتاب المعين من كل فن. فإن كان الأمر كذلك، فنصيحة النصيحة لطلبة العلم، وكلنا طلبة علم: أن الطالب في حياته العلمية ينبغي له أن يسير على منهاج في طلبه للعلم، لا يتلاعب به الشيطان يمنة ويسرة، ولا يدخل في نفسه العجب. فتح اليوم في كتاب كذا، ما شاء الله، أنا سأدخل في هذا الكتاب، وما درس، وما أتقن دونه من الكتب، وهكذا فتح في كتاب آخر، فدخل فيه، ولم يدخل الكتاب الآخر، وهذا حاصل، ما الفائدة؟ لا شيء. يعني: كم من إنسان، مثلا، دخل في الأجرومية، إما أن يكون أكملها أو لم يكملها، تفتح الكواكب التي هي المتممة بالأصل والأصح المتممة على الأجرومية، يقول: بسم الله، أصحابي قد ارتفعوا إلى المتممة، وأنا إيش؟ فيدخل في المتممة وهو ضعيف، ارتفعوا إلى القطر، يقول: أنا معهم، وهو مسكين قد لا يميز بين الحال والتمييز، بل قد يكون أشد من ذلك. فالحاصل أن الطالب ينبغي له أن يعتني عناية كبيرة وتامة في كل فن بأوائل الكتب من كل فن؛ لأنها الأصول، لأنها الأصول. إذا بدأت مثلا في النحو، ابدأ بالأجرومية، ادرس، اقرأ، اقرأها مرة ومرتين، راجع، وذاكر، وثابر، فإن أتقنتها تمامًا بعد دراسة قوية وجهد كبير، أتقنتها، ارتقي الآن إلى المتممة. إذا رأيت نفسك قد انتهيت من الأجرومية، وما زلت ضعيفًا فيها، لا ننصحك بأن ترتقي إلى كتاب آخر، ليس بالعيب أن تعيد الكتاب مرة ثانية لأجل الإتقان، إنما العيب التقفز من كتاب إلى آخر وأنت ما زلت ضعيفًا، فحاله كحال من يريد الطيران بغير جناحات. فالحاصل أنه ينبغي أن يعتنى بهذا الأمر اعتناءً عظيمًا، والشيخ رحمه الله تعالى استدل على هذا الأمر بقول الله جل وعلا: ﴿ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾، ذكر عن غير واحد من السلف، وبوب عليه كذلك الإمام البخاري في كتاب العلم، فيما يحضرني الآن، وذكر عن ابن عباس، أو عن غيره، أنه قال: «ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب»، قال: «يعلمون صغار العلم قبل كباره». هذا هو الرباني، يبدأ بصغار العلم ثم يربي الطالب أكبر، ثم يربي الطالب أكبر، وهكذا. الطالب إن أراد أن يتربى التربية الصحيحة الذي أرشد إليها القرآن وحث عليها القرآن، فهذه الطريقة: ابدأ بالأوليات خطوة فخطوة، العلم لا يأتي جملة أبدًا، إنما يأتي بالمداومة والاستمرار والمثابرة والجد والاجتهاد، وسؤال التوفيق والعون من الله رب العالمين، ومصاحبة الأخيار من طلبة العلم النشطاء والنجباء، إلى غير ذلك. فالحاصل ما يذكر وينبأ عليه، وما سمعتموه هو ما سمعتموه، الشيخ رحمه الله تعالى ذكر أمرًا هو أرفع مما ذكرناه، ما هو هذا الأمر؟ يقول: «ينبغي للطالب أن يستكمل أدوات كل فن». مثال ذلك، مثلا كما مثل رحمه الله تعالى، قال: «ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية». في الفقه بعض الناس تجده منكبًا في دراسة أصول الفقه، درس ويقرأ في أصول الفقه، هذا جيد، لكن على حساب ماذا؟ يبقى عمره يبقى حاله على هذه الطريقة في أصول الفقه، في أصول الفقه، ما هي الثمرة؟ على حساب غيره من العلوم. لكن ينبغي أن تتقن هذه المادة، أن تتقن هذه المادة، أن تعرف أصولها وقواعدها التي سار عليها العلماء بحمد الله، وضبطها العلماء، طالب العلم ما سيأتي بشيء جديد، القواعد قد قعدت، والضوابط قد ضبطت، والأصول قد أصلت بحمد الله رب العالمين، جزى الله خيرًا عنا علماءنا خير الجزاء، تعبوا وجدوا واجتهدوا، وقعدوا لنا القواعد في كل فن، عليك أيها الطالب أن تتقن ذلك الفن، أن تتقن ذلك الفن بالاعتماد على القواعد والأصول التي ضبطها العلماء رحمهم الله تعالى. في أصول الفقه كما سمعتم ضبطت القواعد، معك الأمر الآخر: الفقه، طبق ما درسته في أصول الفقه على الفقه، وادخل في المسائل، واربط بين هذا وذاك، بين هذا وذاك، هذا من هذا الباب، يعصل إتقان لباب الفقه وأصوله؛ لأن مجرد الاعتماد على الأصول فقط، حسب أن يكون علمًا نظريًا، لكن طبقوا على المسائل الفقهية، ها هنا تكون ماذا؟ تعرف القواعد، وتنقح القواعد، وتنقح المسائل. كذلك في علم الحديث، بعض الناس قد يثني عمره في علم المصطلح، علم مصطلح الحديث، مصطلح الحديث، مصطلح الحديث جيد، دراسة علم مصطلح الحديث الذي هو معرفة القواعد، قواعد الحديث، وقواعد معرفة حال الراوي والمروي، هذا مطلوب، لكن أربط هذا الأمر بكيفية البحث والتحقيق، كيف تستطيع أن تتعامل مع الأحاديث صحة وضعفًا؟ كيف تستطيع أن تخرج الأحاديث؟ كيف تستطيع أن تحكم؟ كيف كلام أهل العلم؟ كيف تعامل العلماء رحمهم الله تعالى مع كل حديث؟ هذا باعتبار ماذا؟ العلم بالقواعد، ثم يأتي الأمر الآخر: الدراية، علم الحديث، وهو استنباط الأحكام الفقهية، بل والأحكام كذلك العلمية من الأحاديث، هذا كذلك. وهذا لا يكون ولا يتأتى إلا كما ذكر الشيخ: باستكمالها، باستكمال أدوات كل فن، في علم نحو، كذلك في علم أصول التفسير، في غيرها من العلوم التي يحتاجها الطالب، يحتاجها الطالب. وكما ذكر: ليس الأصول الذي يعرف القواعد العامة من الأصول، وإنما الأصول التي يستطيع أن يطبق القواعد، ويستنبط من القواعد أحكامًا من أدلة الشرعية. كذلك ليس المحدث من يعرف أن الحديث الصحيح ضابطه كذا، والضعيف ضابطه كذا، والمضطرب ضابطه كذا، لا، طبق، طبق هذه عمليًا على الأحاديث، ثم ارتقي، فكن فقيه النفس، محدثًا، وفقيهًا، كذلك كما ذكر: ليس البلاغي من يعرف الفرق بين الاستعارة المكانية، استعارة تصريحية، بين الكناية، البلاغي هو الذي يتذوق، يسمع النص، سواء كان قرآنيًا أو كان نبويًا أو كان من أبيات الشعر العربي أو ما شابه ذلك، فيستخرج منه ما يستخرج من المعاني الجميلة والجليلة، هذا هو البلاغي. فالحاصل أنه ينبغي أن يعتنى بهذا الأمر اعتناءً عظيمًا، والشيخ رحمه الله تعالى استدل على هذا الأمر بقول الله جل وعلا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾، قال الشيخ: فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علمًا حتى يتقنه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾. فذلك ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.

شاركنا على