شرح الجوهرة الفريدة 73

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 73، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

حكم التعاليق والتمائم وبيان أنواعها

يتناول حكم التعاليق والتمائم وأنواعها، حيث يشرح النوعين من التمائم: الشركية والمحرمة. يوضح أن التمائم الشركية تعلق لأجل دفع البلاء أو رفعه دون أن يكون فيها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.

تعليق التمائم والخيوط والحبال ونحوها وتحليل حكمها

يتناول حكم تعليق التمائم والخيوط والحبال وغيرها، ويبين أن تعليقها يعتبر شركا أصغر، باستثناء التمائم التي تحتوي على كلام الله أو أسمائه أو صفاته. كما يذكر أمثلة على تعليق أشياء أخرى مثل النعال وقرون الوعل.

تحريم التمائم والتعاويذ والتحذير من تقليد الكفار

يُحذر من تعليق التمائم والتعاويذ مثل ذيل الأرنب أو حذاء الفرس أو الدبلة، ويعتبرها من الشرك بالله، حتى لو كانت للزينة، لأنها تفتح بابًا للشرك وتقليد الكفار، ويجب سد هذا الباب لمنع انتشار المحرمات.

ختام الدرس وتأكيد منع الشرك بالله

تأكيد أن الشريعة جاءت لمنع الشرك بالله، سواء الأصغر أو الأكبر، مع ختام الدرس والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الناظم -رحمه الله تعالى- باب حكم الرقى والتعاليق. وذكرنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالرقى، وأن الرقى مشروعة وغير مشروعة، مشروعة إذا كانت بأسماء الله أو بكلام الله وأسمائه وصفاته، وأن تكون باللسان العربي أو بما يفهم معناه، وأن لا يعتقد أنها مؤثرة بذاتها. إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة كانت الرقى جائزة بإجماع أهل العلم، كما ذكر ابن حجر والصيوطي وغيرهما من أهل العلم. ذكرنا كذلك أن بعض أهل العلم زاد شرطين، شرطا رابعا وهو أن لا يكون فيها شيء من الشرك، لما ثبت في صحيح مسلم -رحمه الله- من حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله، كنا نرقي في الجاهلية، فما ترى في ذلك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك». ومنهم من زاد شرطا خامسا وهو أن لا تكون الرقية على يد ساحر أو كاهن أو منجم أو مشعوذ، لأن الشريعة نهت عن إتيانهم وسؤالهم، وتوعد من سألهم وذهب إليهم. أما الرقية الشركية فهي التي تكون بأسماء الشياطين أو بكتابة الاستعاذة بهم أو الاستغاثة بهم، أو كتابة كلمات فيها استهزاء بالدين أو سخرية، أو غير ذلك مما هو شرك بالله جل وعلى. هذه رقى شركية. وذكرنا كذلك أن الرقى تكون على نوعين، أي الجائزة لرفع البلاء بعد وقوعه أو لدفعه قبل وقوعه، وذكرنا أدلة على هذين النوعين الجائزين من الرقية. وذكرنا كذلك أن الرقية إذا كانت تعلق، فما حكم ذلك؟ هذا سيأتي الخلاف فيه، لأنها في الصحيح أنها تكون تميمة، لكن هل تكون تميمة شركية أو تميمة محرمة أو تميمة جائزة؟ هذا سيأتي في كلام مؤلفنا -رحمه الله تعالى-. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فقال: «والتعاليق»، ومراده -رحمه الله تعالى- بالتعاليق أي كل ما يعلق لأجل دفع البلاء أو رفعه، وهذا هو التمائم. التمائم تعلق لإتمام الأمور، ولذلك سميت تميمة، لأنها حين تعلق يراد منها تتميم أمر من الأمور، إما دفع عين أو رفع بلاء أو غير ذلك. فهي تميمة لأنها علقت لأجل إتمام أمر من الأمور أو مقصد من المقاصد. والتمائم جمع تميمة، وهو كل ما علق لإتمام الأمر، يقال له تميمة. والتميمة أو التمائم على نوعين: تمائم شركية، وتمائم شركية وهي التمائم التي تعلق على البشر أو على الدواب أو على البيوت، كل ما علق لأجل رفع بلاء أو دفعه، وكان ذلك المعلق ليس فيه اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته جل وعلا أو كلامه، فهذا شرك بالله جل وعلا. كتعليق الحبال والخيوط والحروز والنعال، وكذلك حذو الفرس أو التيول إلى آخر ذلك مما يعلق من الأشياء، يعلق ويراد من تعليقه دفع بلاء أو رفع بلاء، وغير ذلك أو حصول بركة. فهذه التمائم شركية. هل هي من الشرك الأكبر أو هي من الشرك الأصغر؟ نقول: هذا يتعلق بحال المعلق. إذا علق المعلق الخيطة أو الحبلة أو النعلة أو غير ذلك من هذه الأشياء ومن هذه المخلوقات، يعتقد أنها تدفع البلاء بذاتها أو تجلب الخير بذاتها، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وهو الشرك في الربوبية. لأنه بهذا الاعتقاد يكون قد اعتقد أن مع الله جل وعلا غيره يدفع البلاء أو يرفعه أو يجلب الخير. أما إذا كان يعلق هذه الأشياء من الحروز والحبال والخيوط وغير ذلك، لا يعتقد أنها تدفع البلاء بذاتها ولا أنها تجلب الخير بذاتها، وإنما هي أسباب يعتقد أنها أسباب، فهذا شرك أصغر. لأنه جعل ما ليس بسبب لا شرعا ولا قدرا سببا. كل من جعل سببا لم يجعله الشرع سببا لا شرعا ولا قدرا فقد أشرك شركا أصغر. لأنه بهذا يكون مشاركا لله جل وعلا وللشرع في جعل الأسباب، وجعل الأسباب أسبابا لحصول نفع أو دفع ضر. إنما هذا من جهة الشرع، إما من كتاب الله أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو بما جعله الله جل وعلا في قدره من الأسباب الحسية المعلومة التي علم نفعها بالتجارب، فذلك يدخل في التداوي. لأنه يكون من إذن الله جل وعلا القدري في قدره، حيث جعل أشياء علم الناس حين فعلوها نفعها فتعاطوها كالأدوية وغير ذلك. وليس من ذلك التعليق، فلم يثبت قدرا أبدا أن الخيوط أو الحبال أسبابا لرفع البلاء أو دفعه، بخلاف الأمور الحسية التي تشرب ويتداوى بها. وهذا يدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك»، وقوله عليه الصلاة والسلام كذلك: «نعم عباد الله تداووا، نعم عباد الله تداووا، فإن الله جل وعلا ما أنزل داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله». إذن هناك في تجارب الناس يعلمون أدوية ينتفعون بها فيحصل لهم الشفاء، فهذا من عموم إذن الله جل وعلا القدري. لكن الحبال والخيوط والحروز والنعال وغير ذلك، هذا لم يأذن به الشرع لا شرعا ولا قدرا. فكل من علق شيئا من هذه الأشياء يعتقد أنها أسباب لرفع البلاء أو دفعه، فيقع في الشرك الأصغر. والتمائم التي بكلام الله أو بأسمائه أو صفاته، هذا حصل فيها خلاف بين أهل العلم، وسيأتي في كلام مؤلفنا ذلك. ومن أنواع التمائم التي يفعلها الناس اليوم ما يعلقونه مثلا على البهائم من النعال. بعض الناس يعلق النعل أو ربما قطعة من النعل، يكونوا يأتون بالنعل بالحذاء خاصة الحذاء القديم. يأتي إلى قاعة هذا الحذاء ويأخذ منه دواير على شكل دواير، يجعلها دائرة ثم يخزقها من الوسط، ثم يأتي بالحبل والخيط ربما واحدة ربما اثنتان إلى آخر ذلك، فيجعلها في خيط ويعلقها على دابته أو على البهيمة إلى آخر ذلك. وربما يجعلها على زريبة الغنم، بل بعضهم يجعل النعل أحيانا على البيوت، وهذا قد رأيناه نحن ونحن صغار في كثير من البيوت، في بيوتنا وفي بيوت جيراننا. يدل هذا على انتشار هذا الأمر مع عدم وجود المنكر، ويدلك هذا على أن كثيرا من الناس لم يقوموا بدعوة إلى التوحيد كما ينبغي، وإنما دعوا الناس إلى الخرافات وإلى إحياء البدع والموالد والطرائق. أما أمر العقيدة فكثير من البيوت على اعتقادات فاسدة، هذا يشهده كل أحد ممن كان في هذه البلاد. تعليق مثل هذه النعال على البيوت، ما تجد بيتا إلا وعليه هذه النعال قد علقت، بل تسمر على الباب وتكون في أعلى الباب، يعتقد فيها أنها تدفع العين عن هذا البيت والحسد وغير ذلك. وهكذا بعضهم يعلق على السيارات حذاء الفرس أو كذلك ذيل الأرنب أو غير ذلك. بعضهم يعلق المسبحة، بعضهم يعلق المصحف -نعم- يعني على هيئة مصحف صغير جدا، مصحف صغير جدا يعني مكتوب عليه كل القرآن، لكنه يعني ربما إذا فتحته ما تستطيع أن تقرأ فيه ولو يعني بالنظارات، لماذا؟ لأن الكتابة صغيرة جدا، يعني هكذا حجمه حجمه صغير جدا مصحف، وربما يجعل عليه غلاف من الخارج، ثم يعلق هذا. مع كونه لا يجوز، وإن كان هذا ليس من الشرك لا أكبر ولا أصغر، لأن المعلق كلام الله، فلم يعلق مخلوقا حتى يكون شركا. لكن هذا فيه امتهان للمصحف، هذا فيه امتهان للمصحف. بل بعض العلماء يرى كفر من يقول في المصحف «مصيحف»، من يقول في المصحف هذا «مصيحف» يصغره. بعض العلماء يرى كفر من يقول ذلك، أن هذا يجعله من امتهان كتاب الله جل وعلا. فهذا ما تطلق عليه ما تستطيع أن تقول «مصحف»، هذا المصحف، أما بهذا الشكل بهذا الحجم هذا ما يصدق عليه إلا أن تقول «مصيحف»، بل هو أصغر، بل أصغر من «مصيحف»، حتى «مصيحف» ربما كلمة لا تساوي حجم ذلك الحجم، لأنه على يعني صغر عظيم. هذا يعني فيه امتهان لكلام الله جل وعلا، فجمع بين كونه يعني محرما لأنه كما سيأتي تعليق القرآن لأجل دفع البلاء، الصواب أنه لا يجوز، وإن كان ليس بشرك أصغر لأنه لم يعلق مخلوقا، وإنما علق كلام الله، وكلام الله جل وعلا غير مخلوق. لكن هو من حيث هو تميمة، وأيضا فيه امتهان لكلام الله جل وعلا ولكتاب الله جل وعلا، حيث جعله بهذا الصغر المتناهي. ومن ذلك أيضا ما يعلق على البيوت من قرون الوعل أو كذا وكذا من هذه. بعضهم يقول: أنا أجعل ذلك للزينة. صحيح، بعض الناس يعلق يعني قرون الوعل لأجل الزينة، وبعضهم لأجل الفخر والتفاخر -نعم- فيجعل هذه القرون على البيت. حتى لو جعلتها للزينة لا يجوز، حتى لو جعلتها للزينة. حتى الذين يعلقون في السيارات يعلق ذيل الأرنب أو يعلق حذاء الفرس، يقول: أنا ما أعتقد أنها أسباب لدفع العين عن سيارتي ولا عن بيتي، لكن أزين، أنا أزين السيارة بهذه الأشياء التي أعلقها. نقول: هذا لا يجوز، لأن هذا فيه ذريعة لانتشار التمائم الشركية، لأن الكل سيعلق إذا جئت تنكر عليه: «يا فلان هذا ما يجوز تعلق هذا»، يقول: «لا للزينة خلاص»، وأنت يا فلان هو أعلق لأجل اعتقاده الفاسد، أنه يظن أن حذاء الفرس أو ذيل الأرنب أو هذه المسبحة أو كذا تدفع البلاء. لكن علم أن من الناس من يعلق لأجل الزينة، فإذا أنكر عليه قال: «لأجل الزينة»، إذن كيف تنكر وكيف تميز بين من علق لأجل الزينة ومن علق لأجل الاعتقاد الفاسد؟ الشريعة جاءت بسد الذرائع وبكل الوسائل الموصلة للشرك، لو كان هناك أمرا جائزا لكن بتجويده يحصل حصول لانتشار المحرمات، وخاصة فيما يتعلق بالعقيدة. فالواجب سد هذا الباب. نقول لهذا الذي يعلق قرون الوعل لأجل الزينة، نقول له: غيرك ربما يعلقها لأجل الاعتقاد فيها، يقول: «أنا ما لي من غيري، أنا ما علي من غيري، أنا ما أعلق إلا لأجل الزينة»، نقول: لا، فأنت تفتح باب شر للناس، وأنت تسن بهذا سنة سيئة. فغيرك إذا علق هذه وجاء المنكر لينكر عليه، قال: «ما أعلق إلا لأجل الزينة». فإذن الواجب عدم تعليق كل هذه الأشياء، لا تعلق لا على البيوت ولا على السيارات. هناك أشياء بحمد الله ربما تعلق ولا يحصل بها الفتنة ولا الشر، فلا بأس بذلك. لكن أمور صارت للناس بها التعلق خاصة مثل هذه الأمور، مثل الخرز وحذاء الفرس أو المسابح أو غير ذلك، فهذا يعني للناس فيه اعتقادات، بخلاف غير هذه الأشياء مما يعني الشر من ذلك بعيد، الفتنة بعيدة. فهذه أيضا من التمائم، بل من التمائم كذلك، حتى ما يجعله بعض الناس، وهذه بحمد الله نراها يعني هذه السنة الجاهلية، نرى كثيرا من الناس بحمد الله قد تركها. وإلا كانت أيضا منتشرة، وما يسمى بالدبلة، ما يسمى بالدبلة بين المخطوبين. كان إذا أراد الرجل أن يخطب عند أحد فتمت تلك الخطبة -يعني قبل الزواج- فالعريس يلبس دبلة والعروسة تلبس دبلة، وكان يعتقدون في ذلك أن هذا من أسباب حصول الاستمرار في هذه الخطوبة وعدم قطعها، وحصول الخير بها. وهي عادة نصرانية جلبت إلى بلاد أهل الإسلام، ليست من دين الإسلام في شيء، وإنما اعتقادات النصارى. لما صاروا في بلاد أهل الإسلام كانوا يفعلون مثل هذه الأشياء، فقلدهم المسلمون فيها. هذه من التمائم، لأنها حين علقت وحين لبست يعتقد فيها تتميم أمور، حصول خير، حصول استمرار مودة، يعني تقارب القلبين، وإلى آخر ذلك من هذه الأشياء. وهي التولة التي جاءت في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه وارضاه- عنده أبي داود وغيره، قال عليه الصلاة والسلام أو قال عبد الله بن مسعود: «سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: إن الرقى والتميمة والتولة شرك». التولة فسرها بعض العلماء أنها شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى زوجته، وهذا هو حاصل عند من يلبس هذه الدبلة في الوقت السابق، وربما لا زالت بعض الناس يصرون على العادات الجاهلية، يصرون على ذلك. ما نقول انتهت، بل لا زالت اليوم بعض الناس نرى أنهم يلبسون مثل هذه الدبلة ليعرف أنه مخطوب، بعضهم يقول: أنا ما ألبسها لأجل اعتقاد أنها تديم المودة بيني وبين مخطوبتي، لا، وإنما ألبسها ليعرف أنني مخطوب، وتلك العروسة تلبسها تقول: حتى يعرف الناس أنني مخطوبة. نقول: وإن كان هذا الأمر في حد ذاته ربما ليس لأجل اعتقاد الفاسد، لكن هذا به ذريعة انتشار هذه العقيدة الفاسدة، لأن الكل ممن يعتقد الاعتقاد الفاسد يلبس هذه الدبلة لأجل المودة، ويعني الاستمرار في الخطوبة. إذا أنكرت عليه يقول: «يا فلان هذا ما يجوز»، يقول: «لا، بس لكي يعرف الناس أنني مخطوب»، وهذا تنكر عليه من بعد ذلك ما تستطيع أن تنكر وتلغي هذا الاعتقاد الفاسد، بسبب ماذا؟ بسبب التذرع بأنه إنما لبسها لأجل أن يعرف. وكما تقدم أن الشريعة جاءت لسد كل الأبواب الموصلة إلى الشرك بالله جل وعلى، سواء كان الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر. ونواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.