شرح الجوهرة الفريدة 105

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 105، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مفهوم العزيمة والفرق بينها وبين الرخصة

العزيمة هي القصد المؤكد في اللغة وتطلق على الفرض في الشرع، وهي ضد الرخصة. العزيمة هي ما ثبت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.

التوازن بين العزيمة والرخصة في الشريعة

يناقش المقطع مفهوم الأخذ بالرخص في الشريعة الإسلامية، ويحذر من الإفراط في الترخيص أو التشدد المذموم. يشير إلى أهمية الموازنة بين العزيمة والرخصة وفقًا لحال الفرد.

تعريف النسخ وأنواعه في الشريعة الإسلامية

يتطرق إلى تعريف النسخ في اللغة والاصطلاح، موضحا أنه رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب أو السنة. يشرح أنواع النسخ وتفاصيله.

ختام البرنامج وتوجيهات نهائية

المقطع يعرض ختامًا للبرنامج بصلاة على النبي محمد وصحبه، ويشكر المشاهدين على المتابعة. يختتم البرنامج بتوجيهات نهائية للمشاهدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم، مبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الناظم رحمه الله تعالى: «والرخصة الإذن في أصل لمعدرة، وضدها عزمة بالأصل تنعقد». تقدم الكلام عن الرخصة وأقسامها، ثم ذكر العزمة. قال: «وضدها عزمة بالأصل تنعقد». والعزمة أيضا من الأحكام الوضعية، فمن الأحكام الوضعية الرخصة، ومن الأحكام الوضعية العزمة. والعزمة ضد الرخصة، إنسان ترخص، وإنسان أخذ بالعزمة. جل أحكام الشريعة عزيمة، الصلاة والصيام وغير ذلك تأتي الرخصة للحاجة، لعارض، لسفر، لمرض، لمشقة. فالرخص عارضة، وإلا فجل أحكام الشريعة عزيمة. إنسان مأمور يأتي بأربع ركعات، صلاة الظهر، صلاة العصر، صلاة العشاء. مأمور يصوم رمضان إذا هل هلاله، وهكذا. لكن تأتي الرخصة، يمرض الإنسان حال الصيام، فيحتاج إلى الفطر، يحتاج إلى السفر، شق عليه الصيام، فيفطر. تأتي الرخص. فالعزيمة ضد الرخصة، والعزيمة هي القصد المؤكد في اللغة، عزم أي قصد قصدا مؤكدا. في العزيمة القصد المؤكد. وذلك قال جل وعلا: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾، لا تقصدوا قصدا مؤكدا. يجوز التعريض بالنكاح بالمرأة في حال العدة، يقال لها: أنت جميلة، يقال لها كذا من الألفاظ التي فيها التعريض، لكن لا يجوز العزم، لا يجوز عزم عقدة النكاح لا بالتصريح ولا بالتوكيد. فالعزم هو القصد المؤكد في اللغة، ويطلق على الفرض كذلك. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حق من منع الزكاة: «إن آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا»، أي فرضا وواجبا. وتأتي العزيمة في اللغة والعزم كذلك بمعنى الصبر والاحتمال. قال الله جل وعلا في آدم: ﴿ولم نجد له عزما﴾، فالعزم هنا بمعنى الصبر والاحتمال. فهذا من معاني العزيمة في اللغة. وأما المراد بالعزيمة في عرف الشرع، فهي ما ثبت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، ضد الرخصة. الرخصة ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، كما تقدم. تثبت الرخصة وهي على خلاف الدليل الشرعي. الدليل الشرعي تحريم الميتة: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، دليل شرعي ثبت على خلاف هذا الدليل الشرعي لمعارض راجح حل أكل الميتة، فالأكل من الميتة رخصة، خلاف الدليل الشرعي لأكل الميتة، المعارض الراجح لحفظ النفس، إذا لم يأكل ميتة يهلك. فالرخصة ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، لأكل ميتة أو الإفطار في السفر إلى آخر ذلك. تأتي عوارض ترجح على ما ثبت بمقتضى دليل الشرعي، فتكون على خلاف الدليل الشرعي. دليل الشرعي صلاة الظهر أربع ركعات، وصلاة العشاء أربع ركعات، وصلاة العصر أربع ركعات، لكن في السفر يصلي الشخص العصر الرباعية ركعتين، رخصة. فهذا الذي ثبت من الرخصة على خلاف الدليل الشرعي لمعارض راجح، وهو السفر. أو الفدية من الرجل الذي يشق عليه الصيام، فالفدية رخصة على خلاف الدليل الشرعي، دليل الشرعي الأمر بالصيام: ﴿صيام رمضان﴾، فهذا يشق عليه الصيام، أو مريض لا يرجى برؤه، عليه الفدية. الفدية رخصة على خلاف الدليل الشرعي، وهو الصيام، بمعارض راجح، وهي المشقة. لا يستطيع أن يصوم، مريض، ومرضه من الأمراض المزمنة. العزيمة ما ثبت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، ما في هناك شيء عارض الدليل الشرعي، فإذا هو على أصله. شخص مقيم يصلي صلاة الظهر أربع ركعات، عزيمة. إنسان مقيم صحيح يصوم رمضان، لا رخصة لها، عزيمة. وهكذا كل الأوامر عزيمة، كل الأوامر عزيمة، إلا إذا عارضت هذه الأدلة الشرعية معارضات راجحة، دل على أنها رخصة، فهي رخصة ثبتت على خلاف الدليل الشرعي بهذا المعارض الراجح. واختلف أهل العلم: هل الأفضل الأخذ بالرخصة أو الأخذ بالعزيمة؟ هل مسألة كلام طويل فيها، والأقوال والأدلة كثيرة. قد بسطها الشاطبي رحمه الله في كتابه «الموافقات»، وذكر أدلة الفريقين. ومن أنصاف رحمه الله تعالى أنه لم يرجح، لم يترجح له شيء. ما استطاع أن يرجح بين القولين: هل الأفضل أخذ بالرخصة أو الأخذ بالعزيمة؟ يعني في حال أن الإنسان يحتاج إلى الرخصة. في حال إنسان يحتاج إلى الرخصة، هل يترخص أو يأخذ بالعزيمة؟ والذي حققه بعض أهل العلم في هذه المسألة أن الناس في هذه المسألة على طرفين نقيض ووسط. فمن الناس من يأخذ بالرخصة، صار يترخص في كل الأمور، أحيانا حتى يترخص وهو ليس من أهل الرخصة، ليس من أهل الرخصة، ويتتبع الرخص، يتتبع الرخص. إيش المسألة الفلانية؟ إيش قال فيها أهل العلم؟ قال له: فيها قول كذا، وقول كذا، ويأخذ ما يوافقه. يقول: أخذ بالرخصة. وهكذا يتتبع الرخص. وهذا مزلق خطير. إذ قال بعض العلماء في حال أمثال هؤلاء: «من تتبع الرخص تزندق»، ومن يقول: «من تتبع الرخص خلع ربقة الإسلام من عنقه»، لأنه صار يتبع الرخص، همه أن يأخذ بالرخص، يأخذ برخصة هذا الإمام، ورخصة هذا الإمام، ورخصة هذا الإمام. وهذا فهو يجمع بين الرخص. ولا شك أن العلماء لهم زلات، وزلة العالم خطيرة. قد حذر السلف من اتباع زلة العالم، بل هو مما يهدم الإسلام. زلة العالم، ولأخذ بها قد نقل هذا عن بعض الصحابة. حذر من اتباع زلة العالم، وزلة الحكيم، أو بهذا المعنى. وهذا حاصل بين الناس، فإنهم يتتبعون الرخص لأهواء أنفسهم، فيتتبع الرخص من رخصة إلى رخصة، ومن رخصة إلى رخصة. وبعد ذلك تجده قد ترك الواجبات، وقد ترك أمورا من الدين. وهكذا يتدرج به الشيطان حتى نسى الله العافية والسلامة، يخرجه عن السنة، أو ربما خرج عن دين الإسلام. كما قال بعض السلف: «من تتبع الرخص تزندق»، ومن قال: «فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». ومن الناس من شدد، وهذا طرف ثان متشدد، يشدد على نفسه، وهو من أهل الرخصة، ويعرض عنها، ويشدد على نفسه، ولا يأخذ بالرخصة. وهذا لا يجوز، مذموم. تتبع الرخص والإسراف فيها، والمبالغة فيها مذموم. تتبعا لهوى النفس، والتشدد والتنطع مذموم. كما يأخذ بالرخصة، أنا بسلم، يقول: «نا الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته»، أو «يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». كما يحب ربنا جل وعلا من عبده أن يأتي بالعزيمة، يحب من عبده أن يأتي بالرخصة. وإلا لماذا جاءت هذه التيسيرات في الشريعة للأخذ بها؟ بيعلم الإنسان نعمة الله جل وعلا عليه. رخص له الفطر في السفر، رخص له الجلوس من قيام إذا كان لا يستطيع، وهكذا في بقية الأبواب. لأن يتشدد ويتنطع ولا يأخذ بالرخص، هذا مذموم. فالحق بهذا أن الإنسان يأخذ بالرخصة إذا وجد نفسه من أهلها، إذا وجد نفسه من أهلها، أخذ بالرخصة، يستحق هذه الرخصة، ترخص بها. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استفتي قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك». هذا يقال في هذا الباب: أنت أعلم بنفسك من غيرك، هل أنت من أهل الرخصة أم لا؟ ربما أعلم من العالم الفلاني. العالم الفلاني الذي قال لك: أنت لك رخصة، أنت أعلم منه في هذا، لأنك تعلم من حالك، وتعلم من نفسك. بعض الناس لا يصلي الجماعة في المسجد، يقول له: أنا عندي رخصة من الصلاة في جماعة في المسجد. وربما سأل عالما، قال له: لك رخصة، جلس في بيته، لا تحضر الجماعة، وهو يعلم أنه ليس من أهل الرخصة، ليس من أهل الرخصة. ضميره هنا يؤنبه، هذا يحصل. حاصل. ضميره يؤنبه: كيف نجلس؟ ما الذي يمنعني من أن أذهب إلى أن أصلي جماعة؟ هذا هو قلبك الذي يفتيك الآن، قلبك يفتيك الآن. فإذا لا إفراط ولا تفريط، لا تساهل ولا تشدد. وجدت الرخصة عليك أن تأخذ بها. الله جل وعلا يحب ذلك. وهذا من الدين. الذين قالوا الأفضل الأخذ بالعزيمة، قالوا: لأن هذا شيء مقطوع به، العزيمة أمر مقطوع به. الشريعة جاءت بالأمر بالصلاة على ما هي عليه، أربع ركعات الظهر والعصر والعشاء، وهكذا. الصوم إلى آخر ذلك. الرخصة أمر ظني، ليس أمر مقطوع به، هو أمر اجتهادي. إنسان يجتهد فيه، يعني ظن، ليس هو على يقين أنه يحتاج لهذه الرخصة، ليس على يقين أنه محتاج لهذه الرخصة، يغلب على ظنه أنه محتاج للرخصة، فهو موضع اجتهاد. الأخذ بالرخصة موضع اجتهاد. هذا قول من يقول: إن الأصل والأفضل الأخذ بالعزيمة، لأن أمر مقطوع به، والرخصة أمر مجتهد فيه، أمر اجتهاد، وأمر ظني، فيقدم الأمر المقطوع به. الذين قالوا الأفضل الأخذ بالرخصة، قالوا: لأن الشرع جاء بالتيسير، ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وذلك تجدون الأدلة متكافئة. وهذا الذي جعل الشاطبي رحمه الله تعالى يتوقف في الترجيح بين هذين القولين. لكن كما قال أهل العلم: المثال هنا الإنسان أدرى بنفسه من غيره، فإذا رأى أنه يحتاج للرخصة يأخذ بها، لا يتنطع ولا يتشدد ولا يتكلف، يأخذ باليسر، ويأخذ بالتيسير، لكن لا يتساهل، يؤدي به إلى التساهل وتتبع الرخص وهكذا. لا يتشدد ولا يتنطع. هذا ما يتعلق بالعزيمة. قال رحمه الله تعالى: «والأصل أن النصوص الشرعية محكمة، إلا إذا جاء بنقل الأصل مستندا». ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالإحكام والنسخ. الشريعة فيها إحكام، وفيها نسخ. القرآن فيه نصوص محكمة لم يدخلها النسخ، والسنة كذلك. ونصوص في القرآن دخلها النسخ، نسخت. وهكذا في السنة. فإذا عندنا إحكام، ومنسوخ. الإحكام ما بقي على أصله، ولم يتغير، وهو ضد النسخ، لأن النسخ التغيير. النسخ في اللغة بمعنى الإزالة، أو بمعنى النقل. وبعبارة أدق: ما يشبه النقل، ليس هو النقل نفسه، ما يشبه النقل. وقد دقق فيها بعض أهل العلم. فالنسخ في اللغة هو بمعنى الإزالة، أو النقل. يقال: نسخت الشمس الظلة، أي أزالتها وحلت محلها. وهذا النسخ نسخ إلى بدل، لأن الشمس نسخت الظل وحلت محله. يقال: نسخت الريح آثار القوم، أزالتها. وهذا نسخ إلى غير بدل. وهذا كما سيأتي: معنى أن النسخ على نوعين: نسخ إلى بدل، ونسخ إلى غير بدل، على الصحيح من أقوال أهل العلم. لأنه من العلماء من ينازع في هذه المسألة، يقول: ما في هناك نسخ إلى غير بدل، لأن الله يقول: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسيها نأت بخير منها أو مثلها﴾، نأتي بخير منها أو مثلها، يعني في بدل. لكن هذا مدفوع. والصحيح أنه كما سيأتي: النسخ يكون إلى غير بدل، نسخ إلى بدل، ونسخ إلى غير بدل. والمراد بالنسخ في الاصطلاح، عرف الشرع: هو رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل من الكتاب أو السنة. رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل من الكتاب أو السنة. بعض العلماء يزيد: متراخيا عنه. فإذا النسخ تغيير، تغيير حكم. قد يكون من إباحة إلى إيجاب، قد يكون من نهي إلى إباحة، قد يكون من تحريم إلى إباحة، قد يكون من تحريم إلى استحباب. صور للنسخ. فهو لصلاح الشرع، ورفع حكم دليل الشرع، أو لفظه، بدليل من الكتاب أو السنة. لماذا قالوا: بدليل من الكتاب أو السنة؟ ولم يقولوا: بدليل شرعي؟ لأن من الأدلة الشرعية الإجماع، الإجماع دليل شرعي، لكن في النسخ لا يقال: هذه الآية منسوخة بدليل الإجماع، لا. وإنما يقال: منسوخة بدليل، إما الكتاب أو السنة، لأن الإجماع لابد أن يكون مستندا إلى دليل شرعي. ما يمكن أن يوجد إجماع يدل على أن هذه الآية منسوخة إلا بدليل شرعي. وذلك يقولون في النسخ: رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل متأخر، بالسنة. وصلى الله عليه وسلم، ومبارك على عبد ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.