المنتقى من شمائل النبي المصطفى 5

الدرس في المنتقى من شمائل النبي المصطفى 5، ألقاها

تعريف الحلم ومواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

يتناول المقطع تعريف الحلم لغةً وشرعاً مع ذكر أقوال العلماء في فضله، ثم يستعرض مواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تُظهر حلمه وعفوه عمن آذاه كحادثة الأعرابي ويوم الطائف ويوم فتح مكة.

مظاهر حلم النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه عن المسيئين

يسرد المقطع مواقف تظهر حلم النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه عمن أساء إليه كمسحه الدم عن وجهه ودعائه لقومه وإطلاقه سراح المشرك الذي شهر السيف، ويؤكد أن القوة الحقيقية في كظم الغيظ والأمر بالعفو والإعراض عن الجاهلين.

فضل الحلم وحسن المعاملة عند الإساءة والغضب

يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإحسان والصبر على من يسيئون كما في قصة الرجل الذي قاطعه أهله وقصة عمر مع عيينة بن حصن، ويؤكد أن حقيقة الحلم والشجاعة والأخوة لا تظهر إلا عند الغضب والحرب والحاجة داعياً المسلمين للتحلي بأخلاق النبوة.

الدعاء بالتحلي بأخلاق النبوة والاقتداء بالرسول

يختتم المتحدث بدعاء الله أن يمن على الجميع بالأخلاق الحسنة وأن يرزقهم صدق الاقتداء والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، سائلاً التوفيق لما يرضي الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فَلازلنا أيها الأحبة في الله فيما يتعلق بشمائله صلى الله عليه وسلم التي ينبغي علينا جميعاً معاشر أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان أن نتأسى به فيها وأن نتابعه عليها صلى الله عليه وسلم. وكان آخر ما تكلمنا عنه حول ما يتعلق بحلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام حليماً، وهكذا كان صبوراً على من آذاه، على من آذاه. وقد ذكر العلماء ومنهم الراغب رحمه الله تعالى في تعريف الحلم قال: هو ضبط النفس والطبع عندها يجان الغضب إذا هاج الغضب وهاجت النفس، فضبطها في هذه الحالة يسمى حلماً. وهكذا ذكر غيره فقال: الحلم ترك الانتقام عند شدة الغضب مع القدرة على ذلك، مع القدرة على ذلك. والتخلق بهذا الخلق العظيم يعتبر أمراً مهماً، وهكذا مقاماً ومكاناً علياً ينبغي على أهل الإسلام أن يحرصوا عليه غاية الحرص. ولهذا ذكر الإمام الماوردي رحمه الله تعالى قال: الحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، الحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد، قال: لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد. ومضى معنا في الدرس الماضي بعض المواقف التي تدل على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حلم عظيم، وجم. ذكرنا حديث أنس في قصة الأعرابي الذي جذب النبي صلى الله عليه وسلم بردائه الغليظ جذبة شديدة، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك في وجهه وأمر له بعطاء، وأمر له بعطاء. هكذا ذكرنا ما في الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت. قال: فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت إليها، أو فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره، لتأمره بما شئت، لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. قلنا: يعني الجبلين الذين كانت مكة تقع بينهما، وإذا أطبق عليهم الجبلان لا شك أنه لن يبقى منهم أحد، لن يبقى منهم أحد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، وأن يشرك به شيئاً. الأمر إخواني في الله ليس بذاك الهين والسهل. النبي صلى الله عليه وسلم أوذي من قبل قومه، أخرجوه من مكة، وقبل أن يخرجوه آذوه، سبوه، شتموه، ضربوه، ثم أخرجوه، ثم بعد ذلك قاتلوه إلى غير ذلك. فلما ملكه الله تبارك وتعالى رقابهم، وهكذا أصبح أمرهم عنده، فالنبي صلى الله عليه وسلم حلم عنهم. وهكذا يوم الفتح، لما فتح الله عليه مكة، وهكذا أصبح النبي صلى الله عليه وسلم أمر القوم عنده، فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام، ولم يقابل السيئة بالسيئة، ولكن عفا، وهكذا صفح، وهكذا خلى أمرهم وسبيلهم، خلى أمرهم وسبيلهم. وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ابن مسعود: كأني برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث جابر رضي الله تعالى عنه في قصة رجوعهم من غزوة ذات الرقاع، وكانت جهة نجد. وقد ذكر جابر أنهم كانوا إذا نزلوا منزلاً نظروا إلى شجرة ظليلة فيجلس تحتها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتفرق الناس تحت الأشجار. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم قد استظل تحت شجرة وعلق عليها سيفه ونام تحتها، لم يستيقظ عليه الصلاة والسلام إلا برجل من المشركين قد أخذ السيف فاخترطه، فإذا هو بيده صلتاً قد شهره. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله. أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله. قال: فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لذلكم الرجل: من يمنعك مني؟ السيف الآن في يدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: من يمنعك مني؟ فقال ذلكم الرجل المشرك: يا محمد، كن خير آخذ، أي لا تكن مثلي، ولا تقابل السيئة بالسيئة، ولكن كن خيراً مني. قال: كن خير آخذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك، وأن لا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى النبي صلى الله عليه وسلم سبيله، فذهب الرجل إلى قومه وهو يقول: جئتكم من عند خير الناس. ذهب الرجل إلى قومه وهو يقول: جئتكم من عند خير الناس. كاد الرجل، نعم، وكان واقفاً بالسيف على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لما تمكن منه أرسله وخلى سبيله، وهكذا عفا عنه عليه الصلاة والسلام. وهذا يدلنا على ما تقدم من أنه عليه الصلاة والسلام كان يتصف بهذا الخلق العظيم، ألا وهو الحلم، وهكذا الصبر على من آذاه، وهكذا من تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الضرر، وهكذا أصناف الأذى. ولهذا نبي صلى الله عليه وسلم يعلم أمته هذا الخلق، وأن الأمة ينبغي أن تتحلى بهذه الصفة. جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، أي الذي يصرع الرجال ويغلبهم، ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]. وهكذا قوله تبارك وتعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وأعرض عن الجاهلين. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه كما في البخاري من حديث أبي هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني. قال: لا تغضب. قال: أوصني. قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال: لا تغضب. قال: لا تغضب. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه ناداه الله عز وجل على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء، حتى يخيره من الحور العين ما شاء. وهكذا جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أحسن إليهم ويسيئون إلي، وأصلهم ويقطعونني، وأحلم عنهم ويجهلون علي. له قرابة كلما أحسن إليهم أساءوا إليه، كلما وصلهم هجروه وقطعوه، وكلما حلم عنهم كلما ازدادوا جهلاً عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا أجاب عن هذا الرجل؟ هل قال: اتركهم، هؤلاء لا خير فيهم؟ هل قال: أشدد عليهم وعاملهم بالإساءة؟ لا يا عباد الله، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، أي الرماد الحار. قال: ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، أي معين وناصر، ما دمت على ذلك، أي استمر في إحسانك، واستمر في صلتك، واستمر في حلمك عنهم، وهكذا في معاملتهم المعاملة الحسنة والمعاملة الطيبة. عمر رضي الله تعالى عنه وقصته معروفة، لما دخل عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس، أدخله على أمير المؤمنين عمر، استأذن له على عمر فأدخله معه. فلما دخل على عمر قال: هيه يا ابن الخطاب، إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. يخاطب من يخاطب عمر بهذا الخطاب، وما أدراك ما عمر، وما أدراك ما عمر؟ قال: هيه يا ابن الخطاب، إنك ما تعطينا الجزل، ما تنفق علينا، ولا نعم تودنا، ولا تعطينا، قال: ولا تحكم فينا بالعدل. فلما سمع عمر ذلك هم أن يقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾، وإن هذا لمن الجاهلين. قال: فما تجاوزها عمر، وكان وقافاً عند كتاب الله، وكان وقافاً عند كتاب الله. فهذه أيها الإخوة في الله بعض الأحاديث، وهكذا الآيات، وهكذا الآثار التي تدل على عظيم هذا الخلق الذي يعد من أعظم الأخلاق. وللأسف الشديد، إذا نظرنا إلى واقع كثير من المسلمين نجد أنه يكاد يكون معدوماً أو ضعيفاً عند كثير من الناس. لربما الواحد لأتفه الأسباب يخرج يضارب ويخاصم ويقاتل، ولربما كان على قضية أولاد صغار تضاربوا، يخرج هذا ويخرج هذا، فتقام لربما معركة لا تحمد عقباها، قد يشهر فيها السلاح ويرفع فيها الحديد، ولربما سالت من جرائها الدماء. لربما شخص يسمع أن أخاه تكلم فيه بكلام، فهل يقول: حسبه الله ونعم الوكيل؟ هل يقول: سامحه الله، عفى الله عنا وعنه، غفر الله لنا وله؟ لا، وإنما تكون محبة الانتقام، وهكذا ردة الفعل شديدة، ردة الفعل شديدة. أيها الإخوة في الله، الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا من أشد الناس تحلياً بمثل هذا الخلق العظيم، ولنا فيهم، وهكذا في نبينا صلوات ربي وسلامه عليه الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة. هذه الخصلة وهذا الخلق لا يعرف مدى وجوده عند الشخص إلا عند الغضب. في أثناء الرخاء وفي الأوقات العادية تجد الابتسام والضحك والكلمة الطيبة: السلام عليكم، وعليكم السلام. لكن عند الغضب هناك يبتلاء الرجال، ويعرف ما في القلوب من حلم وصبر وتحمل. ولهذا يذكر عن لقمان الحكيم رحمه الله أنه قال: ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة، ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة إليه. أخوك دائماً معك، يصحبك إلى السوق، إلى المسجد، إلى غير ذلك. متى يعرف هل هذا أخ يعرف حق الأخوة أم لا؟ إذا احتجت إليه، أصابك مرض، قلت: يا أخي، كيف أسعفني وأسلفني الفريال؟ لربما فر منك إلى آخر المسجد، إلا من رحم الله. وهكذا ما تقدم، فينبغي علينا أيها الإخوة في الله أن نهتم وأن نتربى على أخلاق الإسلام، وعلى ما كان عليه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم من خلق جم وأدب عظيم، فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يمن علينا جميعاً بهذه الأخلاق الفاضلة، وأن يرزقنا صدق الاقتداء والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على