الدرس في المنتقى من شمائل النبي المصطفى 6، ألقاها
يستعرض المحور عظمة توكل النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الله مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة، كموقف أبي بكر في الغار وقول النبي: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، ودعاء ابن عباس وإبراهيم عليه السلام.
يبرز المحور كيف جسد النبي صلى الله عليه وسلم التوكل في مواقفه وعلمه للصغار كما في حديث ابن عباس، ويصفه التوراة بـ «المتوكل»، مقارناً هذه التربية القائمة على قوة الإيمان بتربية الخوف والضعف المعاصرة.
يتناول المحور أثر التعليم في الصغر عبر قصة عمر بن أبي سلمة، ويؤكد ضرورة التوكل في الرزق بحديث الطير وآية ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، ضارباً مثل الصحابة في بدر بتوكلهم وانتصارهم.
يختتم الدرس بدعاء يسأل الله بأسمائه الحسنى أن يجعل السامعين من أهل التوكل عليه، ويوفقهم لاتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويرزقهم شفاعته ويحشرهم في زمرته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فلازلنا أيها الإخوة في الله مع ما يتعلق بالمنتقى من شمائل النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وشمائله كثيرة، فمنها ما كان عليه الصلاة والسلام من توكل عظيم على ربه تبارك وتعالى. والتوكل حقيقته صدق الاعتماد على الله تبارك وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب والعمل بالأسباب. وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالتوكل، فقال جل في علاه: ﴿ بما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفوا عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ﴾. وقال جل في علاه: ﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ﴾. كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إمام المتوكلين، ومن نظر في سيرته صلى الله عليه وسلم وجد أعظم النماذج وأروع الأمثلة التي تدل على ذلك. من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وجاء من حديث أبي هريرة عن أبي بكر أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معه في الغار: « يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا ». أبو بكر لما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار عند خروجهم للهجرة، وقف المشركون على فتحة الغار، يقول أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، أي لأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبصر أبا بكر وهو ما في الغار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ». في هذا يقول الله جل وعلا: ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾. فما أعظم هذا التوكل الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون ». نشهد من هذا قوله عليه الصلاة والسلام: « وعليك توكلت وعليك توكلت ». وهكذا جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: « حسبنا الله ونعم الوكيل ». قالها إبراهيم حين ألقي في النار، أي خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإيمان: توكل واعتماد على الله تبارك وتعالى، توكل وهكذا ثقة بالله عز وجل. ونبينا صلى الله عليه وسلم كما أنه ذكر بالتوكل في القرآن كذلك كان وصفه فيما قبلها من الكتب كالتوراة مثلا. ولهذا جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾، قال: في التوراة: « يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقول لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ». هذه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: « أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ». فما أعظمها من صفات كان عليها نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه بل وأمته أجمع على قوة التوكل على الله عز وجل، يربي الصغير والكبير والذكر والأنثى، وهكذا القريب والبعيد على ذلك. في الترمذي، وهكذا جاء عند غيره من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا غلام إني أعلمك كلمات ». انظر إلى هذه التربية، ابن عباس كان صغيرا، وانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه مثل هذه الكلمات العظيمة في معناها وفي مبناها وفي مدلولها. قال: « احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ». ما قال هذا ابن عباس صغير وإذا كبر سيتعلم مثل هذا الكلام، لا، تربية منذ الصغر على قوة الإيمان وعلى صدق التوكل والاعتماد على الله تبارك وتعالى. أين تربية كثير من المسلمين اليوم لأبنائهم وفلذات أكبادهم؟ ينشأ ناشئ الفتيان على الخوف وعلى الضعف وعلى التهاون في الصلوات وعلى مجالس التلفاز وأفلام الكرتون وهلما جرى من هذه الأمور التي تدل على سوء التربية، تدل على سوء التربية. نبي صلى الله عليه وسلم كان كثير الاهتمام بهؤلاء الناشئة الصغار. أتى عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم يأكل معه في الصحفة، فرآه يأكل بشماله، فما سكت، قال: « يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ». قال عمر بن أبي سلمة: « فكانت طعمتي... كيف كانت طعمتي؟ أي أنه درس لم ينساه أبدا، بل استفاده إلى أن مات، كلمات النبي صلى الله عليه وسلم تدور في ذهنه ». ولهذا قيل: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، ما يذهب، يثبت. كما أن التعليم في الكبر كالنقش في المدر. وليس معنى هذا التزهيد في التعليم في الكبر، فقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم من صحيحه: باب الاغتباط في العلم والحكمة، قال وقال عمر رضي الله تعالى عنه: « تعلموا قبل أن تسودوا »، في بعضها: « قبل أن تسودوا ». قال البخاري رحمه الله تعالى: وبعد أن تسودوا. وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم كبار، وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم كبار. وهكذا المؤمن في جميع المجالات يحتاج إلى التوكل. انتقلنا إلى جانب الرزق، وهكذا ما يقتاته من مطعوم أو مشروب أو ملبوس أو سكن ومأوى إلى غير ذلك، هو محتاج إلى التوكل. ولهذا جاء عند أصحاب السنن من حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ». وهذا يدل على أهمية هذا الأمر الذي ينبغي علينا جميعا معاشر أهل الإيمان وأمة التوحيد والإسلام أن نحرص عليه غاية الحرص، وأن نتوكل على الله تبارك وتعالى، فإن من توكل على الله فهو كافيه. قال الله عز وجل: ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾. فنتواصى بهذا الأمر العظيم وهذا الخلق الكبير. ولهذا انظروا يا رعاكم الله إلى سلف هذه الأمة الصالح من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كيف أن قلوبهم لما كانت ملأى بالتوكل على الله عز وجل واليقين الصادق في الله سبحانه وتعالى، انظروا كيف كان حالهم: صلحت أعمالهم، وهكذا صدقت أقوالهم، وهكذا فعلوا، وهكذا أنجزوا من الأعمال ما سطرها لهم التاريخ من انتصارات، وهكذا من قيام بأمر هذا الدين. الصحابة رضي الله تعالى عنهم يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، يقابلون ولأول مرة مشركي قريش، وكانوا نحو الألف، معهم العدد ومعهم غير ذلك مما يستعان به في الحرب، لكن الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم يحملون الإيمان واليقين بوعد الله عز وجل، وهكذا كانوا متوكلين، كانوا متوكلين على الله تبارك وتعالى. وهكذا في غيرها من المواقف وغيرها من الأمور كانوا على توكل عظيم على الله تبارك وتعالى. فنسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا وإياكم من أهل التوكل عليه، وأن يوفقنا جميعا لحسن التأسي والاتباع والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا شفاعته، وأن يحشرنا في زمرته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم.