الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 70، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المقطع أنواع السحر وحكمه، حيث يكون السحر عن طريق الحروز أو النفس والعقد، ويعتبر كفرا بالله تعالى. يستدل على ذلك بآيات القرآن الكريم.
يتناول المقطع حكم تعلم السحر، حيث توضح الآيات الكريمة أن السحرة كفار وتعلم السحر كفر. يشرح اختلاف السلف في حكم السحر وتفريق الإمام الشافعي بين أنواع السحر.
يبحث المقطع في حكم استتابة الساحر، حيث اختلف العلماء بين عدم الاستتابة والقتل المباشر أو الاستتابة إذا كانت فيها مصلحة، والصواب أن يستتاب إذا كانت المصلحة في ذلك.
يؤكد المقطع على أهمية التصدي للسحرة وعدم التهاون في أمرهم، حيث يؤدي عدم إقامة الحدود الشرعية إلى انتشار السحر، ويعد الاهتمام بقضية السحر سدا للأمر الباطل.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد، قد كان آخر الكلام في الدرس الماضي عند قول الناظم -رحمه الله تعالى- «والسحر حق وقوعا باطل عملا»، فمنه حرز ومنه النفس والعقد. وتقدم الكلام على قول الناظم «والسحر حق وقوعا»، وقوله -رحمه الله- «باطل عملا»، أي أن السحر يقع حقيقة وله حقيقة، لكنه باطل عملا، فهو في وقوعه حق ويقع حقيقة، وهو عمل باطل. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالسحر من عمل المفسدين، ليس من عمل المصلحين، وإنما من عمل أهل الإفساد في الأرض، وهو من المبقات لأنه شرك بالله جل وعلا، كما سيأتي. قال «فمنه حرز ومنه النفس والعقد»، أي أن من السحر ما يكون عن طريق الحروز، ومنه ما يكون عن طريق النفس والعقد. فالسحر لهم حيل ولهم أساليب كثيرة في إيقاع السحر بالغير، فإما عن طريق الحروز، يجعلون فيها الكلمات الشركية والطلاسم وغير ذلك، وهو شرك بالله جل وعلا، حتى تخدم الجن هؤلاء السحرة، أو عن طريق الحبال وغير ذلك. وربما إذا لبس الإنسان الحرز هدأ وما يكون عنده الألم الشديد في رأسه أو في يده، فإذا لبس الحرز هدأ وارتاح. ذكر -رحمه الله تعالى- أن من أنواع السحر ما يكون عن طريق الحروز، وما يكون عن طريق النفس، السواحر والسحر ينفثون على هذه العقد بتعاويذ شركية «من شر النفاثات في العقد». وقالوا: «حكمه الكفر في نص الكتاب أتى، وحد فاعله بالسيف يحصد». ذكر هنا حكم السحر، وأنه كفر بالله جل وعلا. «حكمه الكفر في نص الكتاب أتى»، حكم السحرة أنهم كفار، الدليل من كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-. قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. هذه الآيات بين ربنا جل وعلا فيها حكم السحرة، وأنهم كفار، وتعلم السحر كفر. اختلف السلف في ذلك، فجماعة من السلف يرون السحر كفر كله، ما في السحر ما هو كفر، كل السحر كفر. وأجاب عن من فرق بين السحر الذي عن طريق العقاقير والأدوية الذي ليس فيه صرف عبادة لغير الله، وليس فيه حصول كفر من هذا الشخص. أجاب على هذا أن هذا سماه الناس سحرا، أي سموا من يفعل العقاقير الضارة التي تضر بالناس سموه ساحرا، وليس أصلا ذلك بسحر. والذي يظهر -والله أعلم- أن كلام الشافعي في هذا هو الصحيح، حين فرق بين السحر الذي هو شرك وكفر مخرج من الملة، وبين ما ليس كذلك، وهو ما يكون عن طريق العقاقير والأدوية. فالإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- قال: يقال للساحر: صف لنا سحرك، صف لنا سحرك. فإذا كان عن طريق الاستعانة بالجن والشياطين، صرف العبادة لهم، لوقوع في الكفر، قال: فهذا كفر مخرج من الملة. وإذا كان عن طريق العقاقير والأدوية، وليس فيه وقوع كفر منه، وحصول كفر من هذا الرجل، فهذا ليس بكفر. والذي يدل على هذا التقسيم، وأنه صحيح، ما جاء عن جندب الأزدي -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: «حد الساحر ضربة بالسيف». وجاء في لفظ: «حد الساحر ضربه بالسيف». يروى «ضربة» ويروى «ضربه». فهنا في قول جندب: «حد الساحر»، جعله حدا. هذا يدل على أن الساحر يحد، يضرب بالسيف، إذن معناه أن هناك من السحرة من يحد، معناه لا يموت ردة، ولا يموت كافرا. فإذن من السحر ما ليس بكفر. والجمهور على عدم استتابة الساحر، جاء عن مالك وجاء عن أحمد وجماعة أنهم رأوا أن الساحر لا يستتاب، لا يقال له: تب إلى الله. وإنما إذا علم أنه يسحر، وسحره من هذا النوع، فإنه يقتل، ولا يقال له: تب إلى الله عز وجل. والشافعي -رحمه الله- ورواية عن أحمد، رأوا استتابة الساحر، وأنه يستتاب من ردته لأنه كفر بالله عز وجل، فيستتاب، أي تطلب منه التوبة أن يتوب إلى الله عز وجل. وإذا تاب قبلت توبته. والذي يظهر -والله أعلم- أن الصحيح أن الساحر يستتاب، الساحر يستتاب إذا كانت المصلحة في استتابته، يجمع بين القولين، بين قول من قال: لا يستتاب، وبين من قال: يستتاب. فيقال: يستتاب إذا كانت المصلحة في استتابته. وهذا للحاكم، الحاكم إذا رأى المصلحة أن يستتيب الساحر، يستتيب، ويقول: توب إلى الله. لأنه إذا رأى المصلحة في استتابته زجرا، فله ذلك. وعلى هذا يحمل ما جاء عن عمر، وعن حفصة، وعن عثمان، وعن غيرهم من أنهم أمروا بقتل كل ساحر وساحرة، أمرت حفصة بجارية سحرتها فقتلت. لكن هنا كما أشرنا إلى هذا من سابق، ما يتعلق باستتابة الساحر، هل يستتاب أم لا؟ وفي القرآن سحرة فرعون تابوا، فعندنا نصوص دلت على أن الساحر يتوب، قبلت توبته. وعندنا آثار عن الصحابة، بل عن أحد الخلفاء الراشدين، وهو عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه جاء عنه الكلام بقتل السحرة، ولم يذكر استتابة. فالجمع بين القولين بأن يقال: الساحر يستتاب إذا كانت المصلحة في استتابته. والأمر للحاكم، لأن الاستتابة لم تكن نافعة دائما، أحيانا ما ينفع أن تستتيب السحرة، وإنما خذ السيف واقطع رؤوسهم. نعم، أنا تائب. قل له: توبتك بينك وبين الله، إذا أنت تائب، توبتك بينك وبين الله. أنا ما أستتيبك، وإنما أريد رأسك أقطعه، أتقرب إلى الله جل وعلا بذلك. ففي هذا الزجر لأمثال هؤلاء، لأنه قد يستهان بهذا الأمر، وخاصة في هذه الأزمان، حين تكثر السحرة، وذلك بسبب عدم إقامة الحدود الشرعية. وإلا لو أن السيف يقطع، وتطير الرقاب، لسار الناس سيرا مستقيما. فالسحر هؤلاء لا يعني ينقص في حقهم، بل يهتم في أمرهم بما جعله الشرع سدا لما معهم من الأمر الباطل المنكر العظيم. نواصل -إن شاء الله- في درس آخر. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.