الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 286، ألقاها
يتناول هذا الفصل حكم الشعر في الإسلام، موضحًا أن الشعر مثل الكلام منه الحسن والقبيح، ويصح بمجموع طرقه. كما يبين أن الشعر له أحكام مختلفة بحسب محتواه.
هذا الفصل يبين جواز حفظ الشعر النافع والحسن، مستدلاً بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفظ بعض الأشعار، مثل شعر عبد الله بن رواحة.
يروي هذا الفصل قصة الأسود بن السريع الذي مدح الله بالشعر وأخبر النبي بذلك، فقال النبي إن الله يحب الحمد، مما يدل على جواز الشعر الذي يحمد الله ويثني عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الشعر: حسن كحسن الكلام، ومنه قبيح. قال حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن زياد، عن الزهري، عن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من الشعر حكمة». والحديث صحيح، وقد مر معنا في الباب الذي قبل هذا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من الشعر حكمة» يدل أن من الشعر ما هو حسن، أن من الشعر ما هو حسن. والشعر كالكلام، بل هو كلام إلا أنه منظوم، وكذلك موزون بقوافي، فهو كالكلام منه ما هو قبيح، ومنه ما هو حسن. ومن الشعر ما فيه حكمة كما مر معنا، كالشعر الذي فيه مدح، وثنى على الله سبحانه وتعالى، وتعظيم لله عز وجل، وكذلك أيضا فيه معاني حسنة. قال حدثنا محمد بن سلام، قال حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام». وهذا الحديث بهذا السند الضعيف، فهو مسلسل بالضعفاء، إسماعيل بن عياش، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي كذلك ضعيف، وعبد الرحمن بن رافع، فالسند للحديث بهذا السند ضعيف، لكن له طرق حسنة فيصح بمجموع الطرق، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله بمجموع طرقه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام». فالكلام الذي يتكلم به الإنسان منه ما هو حسن، ومنه ما هو كلام حسن، كلام طيب، ومنه ما هو كلام قبيح، قد يكون محرم، وقد يكون كفر وزندقة. وهكذا الشعر، الشعر منه ما هو حسن، كلام طيب نافع ومفيد، ومنه ما هو محرم، فيه فسق، وفيه مجون، وفيه خروج عن الشريعة، وفيه ما هو كذلك زندقة وإلحاد، فهو كالكلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح. فما كان من الشعر فيه كلام قبيح، خروج عن شريعة الله، مدح مثلا للمحرمات والمعاصي، أو طعن في دين الله أو في شريعة الله، فهذا لا شك أنه محرم وقبيح. وما كان على خلاف ذلك فهو من الشعر الحسن. قال وحدثنا سعيد بن تليد، قال حدثنا مع وهب، قال أخبرني جابر بن إسماعيل، وغيره عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «الشعر منه حسن، ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح». ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا، منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك. وهذا الأثر صحيح، وهو من شواهد الحديث الذي قبل هذا. «الشعر منه حسن، ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح»، يعني انتفع بالشعر الحسن النافع، والشعر الذي فيه قبح فتركه واجتنبه. ثم ذكرت رضي الله تعالى عنها أنها حفظت شيئا من شعر كعب بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو أحد شعراء النبي عليه الصلاة والسلام. فشعراء النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة. فذكرت رضي الله عنها أنها رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا، قالت منها القصيدة فيها أربعون بيتا. فدل ذلك أنه لا بأس بحفظ شيء من الشعر الحسن. قال حدثنا محمد بن الصباح، قال حدثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة: «ويأتيك بالأخبار من لم تزودي». وشريك وهو القاضي سيء الحفظ، لكن الحديث له شواهد، وشريك له متابع قد تابعه غيره كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله. ففي هذا الحديث سئلت عائشة رضي الله عنها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ يعني يقول شيئا من الأشعار ويحفظ شيئا منها؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة: «ويأتيك بالأخبار من لم تزودي». فدل ذلك على أنه لا بأس بحفظ شيء من الشعر، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحفظ بعض الأشعار، فيدل ذلك على أنه لا بأس بذلك أن يحفظ الإنسان شيئا من الشعر الحسن النافع الذي يحمل معاني حسنة، فهذا لا بأس به. وقوله هنا: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة، وقد مر معنا في الأبواب التي سبقت أنها ذكرت أنه كان يتمثل بشيء من شعر طرفة بن العبد، وذكرت هذا البيت: «ويأتيك بالأخبار من لم تزودي». فذكر بعض أهل العلم أن هذا الشعر لطرفة بن العبد، وكان عبد الله بن رواحة يتمثل به، وسمعه النبي عليه الصلاة والسلام من عبد الله بن رواحة. وهذا لا ينافي نسبة هذا البيت لعبد الله بن رواحة على أنه مما تمثل به فنسب إليه، وكذلك أيضا نسبته لطرفة بن العبد فهو قائله، فهو قائل هذا البيت. قال وحدثنا موسى، قال حدثنا مبارك، قال حدثنا الحسن، أن الأسود بن سريع حدثه قال: كنت شاعرا، فقلت يا رسول الله: إني امتدحت ربي. فقال: «أما إن ربك يحب الحمد». وما استزادني على ذلك. وهذا الأثر، الحديث حسن، وقد مر معنا ذكره. أن الأسود بن السريع قال: كنت شاعرا، فقلت للنبي عليه الصلاة والسلام: إني امتدحت ربي - يعني بالشعر - فقال عليه الصلاة والسلام: «أما إن ربك يحب الحمد» - يعني يحب الثناء - وهذا يدل على أنه لا بأس بالشعر الذي فيه حمد وثناء على الله عز وجل، فهو من الشعر الحسن الطيب. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.