التعليقات على كتاب الأدب المفرد 318

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 318، ألقاها

أهمية التمسك بالسنة ونشر العلم

التمسك بالسنة نجاة من الفتن، ونشر العلم سبب لثبات الدين وعزته. العلم هو الدين الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، ونشره سبب لصلاح معايش الناس وحياتهم.

النهي عن الطروق ليلا والاستدلال بالقدر

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطروق ليلا، واستنكر استدلال علي رضي الله عنه بالقدر على عدم قيامه الليل. الاستدلال بالقدر على ترك الواجبات غير صحيح.

بطلان الاستدلال بالقدر على المعاصي وزيارة الأصهار

يُناقش بطلان الاستدلال بالقدر على فعل المعاصي، ويستدل على ذلك من القرآن الكريم. كما يشير إلى جواز زيارة الرجل لأصهاره وتوجيههم إلى الخير.

حكم ضرب اليد على الفخذ عند التعجب

يجوز ضرب اليد على الفخذ عند التعجب أو التحسر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الفعل مباح في مثل هذه المواقف.

  • 23 جمادى الآخرة 1435هـ - 23/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: باب ضرب الرجل يده على فخذه عند التعجب أو الشيء. قال: حدثنا يحيى بن بوكير، قال: حدثنا الليث وابن سعد عن عقيل، عن ابن شهاب، وهو الزهري، محمد بن مسلم، كان يقول رحمه الله: كان من مضى من علمائنا يقولون: التمسك بالسنة نجاة، وبث العلم ثبات الدين والدنيا. كان من مضى من علمائنا يقولون: التمسك بالسنة نجاة، التمسك بالسنة تنجي الإنسان من الفتن، ومن المهالك، ومن المزالق، ومن الانحرافات والضلال، التمسك بها والاعتصام بها نجاة لصاحبها. التمسك بالسنة نجاة، ولهذا تجد لا ينحرف ولا يضل ولا يزيغ إلا من خالف الكتاب والسنة، الذي يخالف الكتاب والسنة برأيه وهواه وشهوته، فهذا الذي يحصل له الهلاك، والذي يعتصم ويتمسك بالسنة ينجو، ينجو من الفتن ومن المصائب. التمسك بالسنة نجاة، وبث العلم ثبات الدين والدنيا. بث العلم نشره وتعليمه وإظهاره، ثبات الدين والدنيا، سبب لثبات الدين وعزته وظهوره وقوته؛ لأن هذا الدين الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالعلم، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم». فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث بالعلم، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بالهدى العلم النافع، ودين الحق العمل الصالح، فهذا العلم هو الدين، فنشره سبب لثبات الدين لظهوره وقوته. وكذلك أيضا تثبت به الدنيا وتحسن وتصلح به معايش الناس وحياتهم، وإذا خالفوا هذا الدين لم تثبت لهم دنياهم، وكذلك أيضا لم تثبت لهم حياتهم، ففي نشر العلم ثبات الدين والدنيا. ولذلك تجد أن كثيرا من الناس ممن خالف دين الله عز وجل، وارتكبوا ما نهاهم الله عز وجل عنه، وتركوا ما أمرهم الله عز وجل به، فخالفوا الدين، وكذلك أيضا بسبب ذلك ذهبت دنياهم، ذهبت دنياهم وفسدت معايشهم وحياتهم. ففي نشر العلم والتمسك به، والتمسك بالسنة، سبب عظيم لحصول الخير للعبد في دنياه وفي دينه. قال: عن علي بن حسين، أن حسين بن علي حدثه عن علي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا تصلون». فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا عند الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وهذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيته، وهو صهر زوج ابنته فاطمة. طرقه يعني أتاه ليلا، الطروق هو المجيء في الليل، وفي الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا، يعني أن يأتيهم في الليل. فالنبي صلى الله عليه وسلم أتاه في الليل في بيته، فقال: «ألا تصلون»، يعني صلاة الليل. وأتى هنا بضمير الجمع مع أن المخاطب هنا اثنان؛ لأن أقل الجمع اثنان، فيجوز أن يستعمل ضمير الجمع للإثنين، وجاء في رواية: «ألا تصليان» على التثنية. فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا عند الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، يريد بذلك قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ عِنْدَ مَوْتِهَا﴾ فأنفسنا بيد الله سبحانه وتعالى، إذا شاء أن يبعثنا يعني من نومنا بعثنا. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إلي شيء، يعني لم يذكر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لما رد عليه بهذه الكلمات. قام النبي عليه الصلاة والسلام فخرج، وسمعه علي رضي الله عنه وهو يضرب يده بفخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الآية مستنكرا على علي رضي الله عنه أن يجيب بهذا الجواب، وأن يستدل بالقدر على عدم قيامه من نومه؛ لأن قوله: «إنما أنفسنا عند الله إذا شاء أن يبعثنا بعثنا» يعني أن الأمر بيد الله، إذا شاء الله عز وجل أن يبعثنا من نومنا بعثنا، فالأمر بيد الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام ضرب يده على فخذه كالمنكر لذلك والمتعجب من هذا القول، وقتلى هذه الآية: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ووجه هذا الإنكار من النبي عليه الصلاة والسلام قيل: لأنه لأن عليا رضي الله عنه احتج بالقدر على عدم قيامه، وأن الأمر بيد الله إذا شاء أن يبعثنا بعثنا، وإن شاء أن لم يبعثنا لم يبعثنا، مع أن الإنسان يتخذ الأسباب التي تعينه على فعل الطاعات، وتعينه على فعل الخيرات وعلى القيام بالواجبات، وهكذا المستحبات. فلا يسدل الإنسان بالقدر على ترك الواجب أو على فعل المحرم، وإن كان هنا استدل علي رضي الله عنه بذلك على أمر مستحب، قيام الليل ليس بواجب، مستحب، ومع ذلك قرأ النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ أن الإنسان يجادل ويعارض، وهذا لا شك أنه على وجه الإنكار. فإذا كان هذا في حق من استدل بالقدر على ترك أمر مستحب، فكيف بمن استدل بالقدر على فعل المحرم أو على ترك واجب، كحال كثير من العصاة الذين يتركون شيئا من الواجبات أو يفعلون شيئا من المحرمات إذا كلموا في ذلك قالوا: هذا قدر الله، لم يشأ إلا أن نصلي، إذا شاء الله أن نصلي صلينا. وهذا لا شك أنه أمر باطل؛ لأن الله عز وجل بين لك طرق الهدى من طرق الضلالة، وطرق الحق من الغواية، وجعل لك عقلا وسمعا وبصرا تميز به الحق من الباطل والهدى من الضلال: ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وهديناه النجدين، طريق الحق وطريق الضلال، فلماذا تسلك طريق الضلال وتقول: إن هداني الله؟ فعلت الطاعة لماذا لا تفعل الطاعة وتقول: الحمد لله الذي هداني لها؟ ما الذي يمنعك من فعل الطاعة؟ فاستدلالك بالقدر في هذا الموضع خطأ وليس بصواب. وهذا حال المشركين، حال المشركين كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم حين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. هذا حال المشركين يستدلون بالقدر على فعل الشرك وعلى فعل المحرمات والمعاصي. فالنبي عليه الصلاة والسلام قلنا أنكر على علي استدلاله بالقدر في هذا الموضع. وقال بعض أهل العلم: كذلك تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من سرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار. وفي هذا الحديث جواز زيارة الرجل لأصهاره، يزور الرجل زوج ابنته في بيتهم وينصحهم ويرشدهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم زار عليا وهو ابن عمه وزوج فاطمة وهي ابنة النبي عليه الصلاة والسلام، وزارهم حتى يتفقد أحوالهم، وكذلك يرشدهم إلى ما فيه الخير والفلاح لهم. ولهذا قال: «ألا تصلون»، يعني تقومون، تصلون الليل، يحثهم ويرغبهم في صلاة الليل لما فيها من الفوائد العظيمة والأجر العظيم. وكذلك أيضا فيه إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فما شاء الله عز وجل كان، وما لم يشأ لم يكن. وكذلك للعبد مشيئة واختيار في فعل ما يشاء، من العبادات والطاعات، أو من فعل المعاصي والمحرمات، فهو يفعلها باختياره، ليس مجبرا على فعلها. كما يقول الجبرية: أن الإنسان لا قدرة له ولا مشيئة، فهو مجبر على فعل ما يفعل، وهذا باطل. ولا كذلك أيضا ما يقوله القدرية من أن الله عز وجل لا مشيئة له في أفعال العباد، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وهذا باطل. بل لله عز وجل مشيئة، وللعبد مشيئة، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وفيما أراد أن يسلل به الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، وهو ضرب الرجل يده على فخذه عند التعجب. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما تعجب من كلام علي رضي الله عنه ضرب بيده على فخذه، فيجوز فعل مثل هذا الفعل من ضرب اليد على الفخذ عند وجود شيء يتعجب منه الإنسان، أو أمر من الأمور، ربما كذلك إذا حصل شيء يتحسر عليه فيضرب بيده على فخذه، فهذا جائز.

شاركنا على