التعليقات على كتاب الأدب المفرد 307

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 307، ألقاها

آداب العطاس والتثاؤب في الإسلام

يشرح هذا الفصل آداب العطاس والتثاؤب، حيث يحب الله العطاس ويكره التثاؤب، ويستحب تشميت العاطس بقول 'يرحمك الله' إذا حمد الله. كما يُوصى برد التثاؤب ما أمكن لأن الشيطان يفرح به.

حقوق المسلم على أخيه المسلم وتشميت العاطس

يتناول هذا الفصل حقوق المسلم على أخيه المسلم، ومنها تشميت العاطس، وزيارة المريض، وحضور الجنازة، والإجابة إلى الدعوة، مشيرًا إلى أهمية هذه الحقوق في تعزيز الروابط بين المسلمين.

أهمية آداب التعامل بين المسلمين في المناسبات

يبرز هذا الفصل أهمية آداب التعامل بين المسلمين، مثل تشميت العاطس، والإجابة إلى الدعوة، وتناول طعام الوليمة، مؤكدًا على دور هذه الآداب في تقوية أواصر المجتمع الإسلامي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب العطاس، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ابن أبي ذيب، قال: حدثنا سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، فإذا قال هاه ضحك منه الشيطان». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب العطاس»، وسيذكر في الأبواب التي بعده بعض الأحاديث المتعلقة بأحكام العطاس وأدابه. فذكره في هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب». والعطاس معروف، والتثاؤب كذلك معروف. العطاس عندما يعطس الإنسان يخرج الهواء بقوة، والتثاؤب عندما يصيبه شيء من الملل فيفتح فاه ويتثاءب. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وسبب ذلك أن العطاس يكون أو لا يكون بسبب كسل أو كذلك بسبب امتلاء البطن من كثرة الطعام وتخليطه. وإنما يكون اتساع لبعض الأعصاب في الجسد وفي الرأس فيصيبه العطاس، وينشأ ذلك عن نشاط الإنسان، بخلاف التثاؤب فإنه يكون بكثرة الطعام، بسبب كثرة الطعام فيحصل له الكسل والخمول وتثاقل البدن، ويكون ذلك سببًا في تكاسله عن العبادة. بخلاف العطاس فإنه لا يصيب الإنسان بخمول وملل وكسل في العبادة، فلأجل ذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب. قال: «فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته». وهذا أدب من آداب العطاس، أنه إذا عطس المسلم فينبغي أن يحمد الله، إذا عطس فيقول: «الحمد لله»، يقول: «الحمد لله»، يحمد الله سبحانه وتعالى، والحمد كله لله سبحانه وتعالى على ما أنعم جل وعلا، وعلى عظيم كماله سبحانه وتعالى. وذكر بعض أهل العلم من حكمة الحمد بعد العطاس أن العطاس يكون فيه إزالة لبعض ما قد يتأذى منه الإنسان مما قد يتأذى منه في دماغه، ولأن الدماغ هو منشأ العصاب، الدماغ منشأ العصاب، فبسلامته تسلم بقية الأعضاء، وبإخلاله تختل بعض الأعضاء، فكان من المناسب أنه إذا عطس أن يحمد الله سبحانه وتعالى الذي عافاه، والذي كذلك أزال عنه ما قد يضره ويؤذيه. قال: «فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته». فإذا عطس المسلم فحمد الله، قال: «الحمد لله»، فالذي يسمعه يشمته. والتشميت كما قال بعض أهل اللغة هو الدعاء بالبركة. وسيأتي في أبواب أخرى أنه يقول له: «يرحمك الله». الذي يسمع من عطس فحمد الله فيقول له: «يرحمك الله»، يدعو له بالرحمة. فهذا الأدب يقوله السامع لمن عطس فحمد الله، لمن عطس فحمد الله فيقول له: «يرحمك الله». قال بعض أهل العلم: دعاء له بالرحمة هنا لما يحصل له من هذه المنفعة العظيمة التي ذكرت من إزالة الأذى الذي قد يتأذى منه، فذلك من رحمة الله سبحانه وتعالى له. وهذا في حق من سمعه، قال: «فحق على كل مسلم سمعه». فإذا سمعته حمد الله فقل له: «يرحمك الله». وإذا لم تسمعه فهنا لا تقول له: «يرحمك الله»، تسكت، ساكت لا تجيبه بشيء. وإنما تقول له: «يرحمك الله» إذا سمعته حمد الله. قال: «فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته». حق على كل مسلم اختلف أهل العلم في هذا الحق هل هو واجب أو مستحب؟ فمن أهل العلم من قال: هو واجب عيني يجب على كل إنسان بعينه سمع من حمد الله أن يشمته. وقيل: هو واجب كفائي يعني إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. وقيل: هو حق مستحب للمسلم على أخيه المسلم. وظاهر الأحاديث أنه حق واجب، ظاهر الأحاديث أنه حق واجب. فإذا سمعت أخاك المسلم عطس فحمد الله فقل له: «يرحمك الله»، تشمته. قال: «وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع». فالتثاؤب نسب إلى الشيطان؛ لأن الشيطان يحرص على إيقاع العبد في الكسل والخمول والتثبيط عن العبادة والطاعة، فهو يفرح بحصول التثاؤب للإنسان، وكذلك أيضًا ما قد يكون فيه من تغير شكل الإنسان عند التثاؤب، فلذلك يوحي الشيطان. قال: «فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع»، يعني يدفع التثاؤب يخففه، إما بوضع اليد على الفم أو بالثوب يضعه على فمه فيرد التثاؤب ما استطاع. قال: «فإذا قال ها ضحك منه الشيطان»، يعني عند التثاؤب قد يخرج الإنسان صوت، وهنا يضحك الشيطان منه، يوحي الشيطان منه. فلأجل ذلك يرد التثاؤب ما استطاع حتى لا يخرج منه صوت أو كذلك يتأذى أحد من منظره عند التثاؤب، فيرده بثوبه أو بيده. قال: «باب ما يقال إذا عطس». قال: حدثنا موسى عن أبي عوانة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم فقال: «الحمد لله»، قال الملك: «رب العالمين»، فإذا قال: «رب العالمين» قال الملك: «يرحمك الله». وهذا الباب كذلك يتعلق ببعض آداب العطاس. فقال: «باب ما يقول إذا عطس المسلم»، فماذا يقول كما مر معنا بحيث أبي هريرة أنه يحمد الله. وذكر حيث أثر ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم فقال: «الحمد لله»، قال الملك: «رب العالمين»، يعني قال: «الحمد لله رب العالمين»، فإذا قال: «رب العالمين» قال الملك: «يرحمك الله». وهذا فيه استحباب أن يقول بعد العطاس: «الحمد لله رب العالمين»، لكن هذا الأثر لا يصح، فقد أشار شيخ الألباني رحمه الله إلى ضعفه، وذلك لأنه من طريق أبي عوانة عن عطاء، وعطاء من السائب قد اختلط، وروى عنه أبو عوانة بعد الاختلاط، فالحديث لا يصح. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز عن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن دينار عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عطس فليقل: الحمد لله، فإذا قال فليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم». قال أبو عبد الله: أثبت ما يروى في هذا الباب هذا الحديث الذي يروى عن أبي صالح السمان. وأبو عبد الله هو البخاري. وهذا الحديث في صحيح الإمام البخاري، فهو أثبت وأصح ما يروى في هذا الباب. وفيه أن من عطس فإنه يحمد الله بقوله: «الحمد لله»، بقوله: «الحمد لله»، هذا أصح ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا عطس المسلم فإنه يقول: «الحمد لله»، فيحمد الله سبحانه وتعالى. فإذا قال: «الحمد لله»، قال له من سمعه -وقوله هنا: «فيقوله أخوه أو صاحبه» هذا الشك من بعض الرواة- والمراد بالأخ أي أخوه في الإسلام، وصاحبه من كان مصاحبًا له وجليسًا له، فإذا سمعه يقول: «الحمد لله»، فيقول: «يرحمك الله». فإذا قال: «يرحمك الله»، أجاب العاطس بقوله: «يهديكم الله ويصلح بالكم»، «يهديكم الله ويصلح بالكم»، فيدعو لهم بالهداية والصلاح. قال: «باب تشميت العاطس». قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا الفزاري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، قال: حدثني أبي أنهم كانوا غزاة في البحر زمن معاوية، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه فأتانا، فقال: «دعوتموني وأنا صائم، فلم يكن لي بد من أن أجيبكم؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة، إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًا واجبًا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه». قال: وكان معنا رجل مزاح، يقول لرجل أصاب طعامنا -يعني أكل منه-: «جزاك الله خيرًا وبرًا»، فغضب عليه حين أكثر عليه، كان يردد عليه: «جزاك الله خيرًا وبرًا»، فغضب عليه، فقال لأبي أيوب: «ما ترى في رجل إذا قلت له: جزاك الله خيرًا وبرًا غضب وشتمني؟» قال أبو أيوب: «إنا كنا نقول: إن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، فاقلب عليه» -يعني اعكس الدعاء- قال: «فقلت: لا أحين أتاه: جزاك الله شرًا وعرًا»، فضحك ورضي. وقال: «ما تدعو مزاحك؟» فقال الرجل: «جزاك الله أبو أيوب الأنصاري خيرًا». وهذا الحديث ساقه رحمه الله، والشاهد منه هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن للمسلم على أخيه ست خصال: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه». والشاهد فيه قوله: «ويشمته إذا عطس». وهذا الحديث بهذه الطريق وهذه القصة ضعيف؛ فعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف. لكن صح منها قوله -كما أشار الشيخ الألباني رحمه الله-: «إن ترك...» صح الحديث بذكر الخصال الست في الصحيح، صح الحديث بذكر الخصال الست في الصحيحين من حديث البراء وغيره، دون قوله: «إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًا واجبًا»، دون قوله: «إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًا واجبًا». فتشميت العاطس من حقوق المسلم على أخيه المسلم، من حقوق المسلم على أخيه المسلم. قال: وحدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني أبي عن حكيم بن أفلح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع للمسلم على المسلم: يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس». وهذا الحديث صحيح، قد صححه الشيخ الألباني رحمه الله. «أربع للمسلم على المسلم» يعني من حقوق المسلم على أخيه المسلم: يعوده إذا مرض، إذا مرض وعلم بمرضه، فإنه ينبغي أن يعوده؛ وذلك لأن عيادة المريض مما تدخل عليه السرور، وربما تذهب عنه ما قد أصابه من المرض. ويشهده إذا مات، أن يحضر جنازته ويصلي عليه ويحضر دفنه، فإن هذه من فروض الكفايات التي تجب على المسلمين. ويجيبه إذا دعاه، أي إذا دعاه لطعام، فحق عليه أن يجيبه، والتي يجب فيها الإجابة هي دعوة الوليمة، هي دعوة الوليمة، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من دعي إلى طعام فلم يجب فقد عصى الله ورسوله»، من دعي إلى طعام -عن طعام الوليمة- فلم يجب فقد عصى الله ورسوله. وأما غير الوليمة فيستحب، غير الوليمة فيستحب، فقد صح عند البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى إليه رجل يدعوه لطعام، فقال: «وهذه -يعني عائشة- قال: لا»، فقال: «أن يسلم لا»، ثم الثانية دعاه، قال: «وهذه -قال: لا- قال: أن يسلم لا»، ثم الثالث دعاه فقال: «وهذه -قال: نعم- فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام»، فاستدل به أهل العلم على أن طعام غير الوليمة لا يجب إجابة الداعي، وإنما يستحب، وأن ما الذي يجب هو طعام الوليمة. قال: «ويشمته إذا عطس». وهذا الشاهد أن تشميت العاطس من حقوق المسلم على أخيه المسلم. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على