الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 323، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعزية بعزاء الجاهلية وأمر بتعظيم من يفعل ذلك. الافتخار بالنسب مذموم شرعًا إذا لم يكن على استقامة وطاعة.
النسب لا ينفع الإنسان إن لم يكن مستقيمًا، ويباح ذكر النسب للتعريف أو الإخبار دون فخر أو كبر. الافتخار بالآباء والأجداد مذموم شرعًا.
الاستغاثة بالنبي أو غيره من الأموات أو الغائبين من الشرك بالله. يجب على المسلم أن يستغيث بالله وحده عند الحاجة.
يجب على الإنسان ذكر الله في جميع أوقاته، ويجب الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. لا يجوز توجيه الخطاب للنبي مباشرة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا عثمان المؤذن قال: حدثنا عوف عن الحسن عن عتي بن ظمرة قال: رأيت عند أبي رجلا يتعزى بعزاء الجاهلية، فأعظه أبي، ولم يكنه، أو يكنه أعظه، يعني قال له: عظ هن أبيك. فنظر إليه أصحابه، قال: كأنكم أنكرتموه. قال: إني لا أهاب في هذا أحدا أبدا، إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعظوه ولا تكنوه». والحديث صحيح، قد صححه شيخ الألباني رحمه الله. وكذلك أيضا شيخنا الوادعي، كما ذكره في كتاب صحيح المسند مما ليس في الصحيحين، في مسند أبي بن كعب، قال: حدثنا عثمان قال: حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن عن عتي مثله. هذا الحديث في أن أبي بن كعب رضي الله عنه رأى رجلا يتعزى بعزاء الجاهلية. وما يتعزى بعزاء الجاهلية أن يفتخر بذكر آبائه وأجداده وذكر نسبه، كما كان يفعل أهل الجاهلية من الافتخار بالآباء والأجداد والأنساب. فلما سمعه يقول ذلك أعظه بهن أبيه، يعني قال: عض هن أبيك، أو ذكر أبيك. فلما قال ذلك نظر إليه من كان جالسا عنده مستغربا كيف يقول أبي مثل هذا الكلام. فلما رآهم كذلك قال: إني لا أهاب في هذا أحدا، ثم أخبر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعظوه ولا تكنوه»، يعني يقول له: عض هن أبيك. وهذا من باب الإذلال له والاحتقار حتى يعرف قدر نفسه، فلا يفتخر بذكر الآباء والأجداد، فإن الإنسان لا ينفعه إلا عمله. لا ينفعه إلا عمله ونسبه، إن لم يكن هو على استقامة، على طاعة، على خير، لا ينفعه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». من أبطأ في الأعمال، ولم يسرع في فعل الطاعات وفعل الأعمال الصالحة، ولو كان من ذوي النسب وذوي الشرف، ما ينفعه نسبه. من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. فلماذا يفتخر الإنسان بآبائه وأجداده؟ أولئك لهم أعمالهم، وهم أمك دخلوا لها ما كسبوا، ولكم ما كسبتم. أنت ستحاسب على أعمالك وعلى أفعالك وأقوالك، وهم سيحاسبون على أعمالهم وعلى أفعالهم. ما ينفعك نسبهم إن كنت على انحراف وضلال وبعد عن الحق؟ فلماذا تفتخر بهم؟ ما ينفع النسب إن لم يكن الإنسان على استقامة وطاعة لله سبحانه وتعالى. ما نفع نسب أبي لهب، هو عم النبي عليه الصلاة والسلام، عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل النار. وهكذا أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما نفعه هذا النسب، وهو من أهل النار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. إذن الإنسان ما تنفعه، ما ينفع الإنسان إلا عمله. فلذلك ذم الشرع الافتخار بالآباء والأجداد وبذكر الأنساب على وجه الفخر. أما إذا كان على وجه التعريف أو على وجه الانتساب من غير فخر، كذلك أيضا تكبر وترفع هذا جائز. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول يوم حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». هذا لم يكن على وجه الفخر والخيلاء والتكبر والترفع. وهكذا يذكر الإنسان نسبه من باب الإخبار، هذا جائز. لكن المذموم هو أن يكون على وجه الفخر والكبر والترفع والاستحقار للآخرين. فمثل هذا يذم، ويقال له كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تعزى بعزاء الجاهلية فاعظوه ولا تكنوه»، يعني صرحوا له بهذه اللفظة أن يعض آلة أبيه. وهذا كما قلنا من باب التقريع له والتوبيخ. وفيه أن ذكر مثل هذا الأمر عند الحاجة ليس من الفحش، ليس من الفحش في القول، ولا قائله خارج عن العدالة. وأما إن كان لغير حاجة فإنه يعتبر من الفحش ويذم صاحبه. وفيه كذلك أن الإنسان لا ينبغي له ولا يجوز له أن يتعزى بعزاء الجاهلية، وأن يفتخر بآبائه وأجداده، بل ينبغي أن ينظر في نفسه وفي عمله، وأن يحسن أعماله ويحسن أقواله، ويعلم أن آباءه وأجداده لا ينفعونه بشيء. وفيه كذلك بيان حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم في نقلهم للعلم وإخبارهم للناس ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يبلغوا ما حملوه عنه عليه الصلاة والسلام، وهم رضي الله عنهم الواسطة الذين بهم حفظ الله عز وجل هذا الدين، نقلوا لنا أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في باب العبادات وفي باب المعاملات وفي باب العقائد وفي سائر الأبواب. فقبح الله الرافضة الذين يطعنون في صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، ويرمونهم بالاتهامات والعظائم من الكذب والفسق، بل والكفر عياذا بالله. والله عز وجل قد أثنى عليهم ومدحهم وارضي عنهم. وفيه أيضا أن الإنسان إذا علم الحق فإنه لا يهاب فيه أحدا من الناس إذا علم الحق، وكذلك تيقن بأن ما عنده حق، وخاصة مما يعلمه من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه يقوله، إلا إذا كان يترتب على قوله مفسدة تكون راجحة على المصلحة، فهنا يمسك من باب در المفاسد أولى من جلب المصالح. قال رحمه الله: باب ما يقول الرجل إذا خدرت رجله. قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال: خدرت رجل ابن عمر، فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد. وهذا الأثر ضعيف، عبد الرحمن بن سعد ضعفه ابن معين، وقال البخاري فيه نظر. فهذا الأثر لا يصح، وأيضا متنه منكر. قوله: يا محمد، هذا فيه نداء واستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يجوز. لا يجوز للمسلم أن يستغيث بغير الله، أن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. أما الاستغاثة بالحي القادر الحاضر، هذا جاز إذا حصل للإنسان شيء يحتاج لمن يعينه أو يغيثه، غرق في بحر أو احترق بيته، فينادي من كان عنده ممن يستطيع إنقاذه: يا فلان أغثني، هذا جائز. كما قال الله عز وجل في قصة موسى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾. أما أن يستغيث بإنسان ميت أو يستغيث بإنسان حي لكنه غائب فيناديه، هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى، لأن دعاء مثل ذلك لا يصدر إلا من إنسان يعتقد أنه يسمع وأنه يستطيع أن يجيبه، وهذا لا شك أنه أمر باطل. وهكذا أيضا الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، قول الإنسان: يا محمد، أو يا رسول الله، هذا من الاستغاثة المحرمة المحرمة. والواجب على المسلم أنه يستغيث بالله سبحانه وتعالى إذا حصل له شيء أو أصابه أمر، يقول: يا الله، يا رحمن، يا رب، يا رب أزل عني ما أصابني، أو نحو ذلك. يستغيث بالله ويلجأ إلى الله. أما ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾، ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾، وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. إذا أصاب الإنسان أو خدرت رجله، يعني أصابها الفتور. الإنسان أحيانا إذا جلس فترة طويلة ثم قام تفتر رجله، فلا يقول: يا محمد، هذا لا يجوز. لم يصح. يقول: يا الله، يا رب. يذكر الله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان ما أمور بذكر الله في سائر أوقاته. في سائر أوقاته. أما أن يقول: يا محمد، فهذا لا يجوز. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.