الدرس في شرح الشمائل المحمدية 42، تابع : باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وبعد ما يفرغ منه . باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع الأدعية الصحيحة عند الانتهاء من الطعام، ثم يوضح ترجمة الراوي وكيع بن الجراح ودفاع الأئمة عنه. ويختتم بحديث الأعرابي الذي أكل طعام ستة بلقمتين لعدم التسمية، مبينًا أن التسمية تجلب البركة وتمنع الشيطان من الأكل مع الآكل.
يؤكد المقطع أهمية التسمية عند الأكل والحمد بعده، موضحًا أن الحمد يرضي الله وهو أصل السنة عند الفراغ. ثم يذكر حديث أنس بن مالك عن قدح النبي الخشبي المضبب بالحديد، مع بيان حال إسناده وتصحيح الألباني له.
يبين المقطع جواز إصلاح الإناء المكسور بيسير من الفضة اقتداءً بفعل النبي، مع تحريم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة. ويفصل أقوال العلماء في قدر الفضة المسموح به، موضحًا أن التحريم يختص بالرجال في اللباس والاستخدام المفرط بينما أحل للنساء الزينة بالذهب والفضة.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في الدرس القادم مستندًا إلى أقوال أهل العلم. ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة مختتمًا بالحمد لله والدعاء بالتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن اهتدى بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فما زلنا في باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وعند الفراغ منه. وذكرنا عند الفراغ من الطعام في الدرس السابق حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو ضعيف كما ضعفه الألباني رحمه الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي يطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». قد صحّ بنحوه: «الحمد لله الذي يطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم من لا كافي له ولا مؤوي». وهذا هو اللفظ الصحيح في أحد أدعية الفراغ من الطعام. وكذلك ذكرنا حديث أمامة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة بين يديه يقول: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مودع ولا مستغن عنه ربنا». وهذا أصله في البخاري بزيادة فيه، وهي قوله: «غير مكفي». ثم الحديث الثالث، ووقفنا في ترجمة وكيع بن جراح. قال الترمذي رحمه الله تعالى في الشمائل: حدثنا أبو بكر، وهو محمد بن أبان مستملي وكيع، وهو ثقة حافظ ويلقب بحمدويه. قال: حدثنا وكيع. ووكيع هو ابن الجراح ابن مليح، وهو إمام، وكيع من أئمة المسلمين ثقة، وأيضًا حافظ، وأثنى عليه أهل العلم. وذكرنا شيئًا من ترجمته، وأنه كان ورعًا وزاهدًا وعابدًا رحمه الله تعالى. ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يفضله ويقدمه على كثير من الأئمة، كيحيى بن سعيد القطان. وقد عرضا على وكيع القضاء فامتنعا منه. وتكلم رجل عند الإمام أحمد، أو قيل له: إن فلانًا يتكلم في وكيع، فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «من كذب بأهل الصدق فهو الكذاب». وهذا هو دفاع عن العلماء، فالإمام أحمد دافع عن وكيع لما تكلم فيه رجل بغير حجة، وتكلم في عالم من العلماء معروف بالصدق، ومعروف بالورع والزهد والعبادة والأمانة في الحديث، فقال هذه المقالة، وهي في التهذيب: «من كذب بأهل الصدق فهو الكذاب». وهكذا دافع عنه يحيى بن معين رحمه الله تعالى، حيث أنه وجد في كتاب أحد المشايخ، وهو مروان بن معاوية، مع أن مروان بن معاوية من علماء الحديث، لكن لعله حصل منه شيء، فكتب في كتابه أن وكيعًا رافضي، رافضي. وكيع ليس برافضي بل هو سني. فقال له يحيى بن معين، يقول لمروان بن معاوية: «وكيع أفضل منك». قال: فسكت ولم يتكلم. «وكيع أفضل منك». فهذا دفاع العلماء على بعضهم البعض، وهذا من باب قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». فأنت إذا سمعت عن أخيك المسلم، أو أخوك السلفي السني، أو أحد العلماء ممن تعرفهم، ممن تعرفهم بالصدق والأمانة والتقى والورع ونحو ذلك من خصال الخير، ورأيت أو سمعت من يتكلم فيهم بغير بينة وبغير حجة وبرهان، فأنت ترد عن عرضه وتدافع عنه، لا تسكت. فلِمَ ما يسكتون عن أحد يتكلم في العلماء؟ لماذا يريد أن يسقط هذا العالم؟ فهذا يرد مقالته. لما محمد يقول: «من كذب بأهل الصدق فهو الكذاب»، أنت الذي تكذب، وأما هذا فنحن نعرفه وعاشرناه. وبلدِي الرجل أولى من غيره، يعني الذي يصاحبه ويلازمه في بلده ويعرفه حق المعرفة، يأتي واحد آخر ما يعرف هذا الإنسان ويتكلم فيه، فأنت ترد عن عرض أخيك. وهذا حديث ابن عمر رضي الله عنه، فترد عن عرض أخيك وتدافع عنه. فوكيع إمام، وقد قبل العلماء حديثه، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويرفعون من شأنه رحمه الله تعالى. من ورعه أنه ما حدث عن أبيه إلا مقرونًا. أبوه ضعيف لأنه قد ولي بيت المال، فضعف من أجل ذلك. فكان إذا حدث عن أبيه وهو أبوه، لكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيها محاباة، ما في محاباة. فإذا حدث عن أبيه قرنه بآخر، لأنه يعلم أن أباه لا يقبل في الحديث، أبوه ضعيف في الحديث، لهذا يقرن أباه. وهذا من ورعه رحمه الله تعالى وأمانته. قال: عن هشام الدستوائي، ووثقة، ثبت، رمي بالقدر. عن بديل بن ميسرة العقيلي، وهو ثقة. عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وقد تقدم معنا في الإسناد الذي قبله أنه ثقة. عن أم كلثوم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو سمى لكفاكم». والحديث صححه الألباني برقم ١٦٥. الحديث صحيح، وهو فيه يبين أهمية التسمية، وأن من سمى الله تعالى عند الطعام لا يأكل معه الشيطان، لكن لو لم يسمي ربما لا تحصل البركة في ذلك الطعام. فكان عليه الصلاة والسلام يأكل في جماعة من أصحابه والبركة موجودة عند التسمية، ولكن جاء أعرابي وما سمى، فأكل الطعام كله بلقمتين. انظروا: لقمتين أكل الطعام. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما أنه لو سمى لكفاكم». ولعلنا نلاحظ أحيانًا، نقول في بعض الأحيان عندما نأكل جماعة أو في بيوتنا نرى أن الطعام لا يكفي، نرى أن الطعام لا يكفي، نقول مباشرة أو نقول لحظة وقد انتهى، خلص، كما نقول: أين الطعام ذهب؟ ربما يكون في الموجودين من لم يسمِ وأكل معه الشيطان وأكل معه الشيطان، فتنقص ماذا؟ البركة من الطعام، ولا يبقى شيء في الإناء. فتلاحظون هذا الذي ما يسمي يأكل بشراهة، يأكل ماذا؟ بشراهة. فهذا أعرابي أكل الطعام كله في لقمتين، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يأكله قبل أن يأتي إلى أعرابي مع ستة من أصحابه، ستة، والطعام ما زال موجودًا لحصول البركة فيه بتسمية الله سبحانه وتعالى، إذ لا يضر مع اسمه شيء سبحانه وتعالى. هذا فيه بركة التسمية، فينبغي للمسلم أن يحرص عليها عند الطعام، وأنه كذلك يلحظ من لم يسمِ الله فيأمره بالتسمية، يأمره بالتسمية. إذا جاء واحد متأخر أو كان في الحلقة من لم يسمِ الله: يا فلان سمِّ الله، حتى ما تأكل الطعام علينا كله أنت وصاحبك الذي ما نراه، من هو صاحبه الذي ما نراه؟ طَرِينَه الذي ما نراه هو الشيطان. انتبه لهذا، أنت تكون حريصًا أنت وأصحابكم على تسمية الله تعالى، ولا يأكل معكم الشيطان. قال رحمه الله: وحدثنا هناد، وهو وثيقة، هناد بن السري، ومحمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، وثيقة، ثبت، ربما دلس. عن زكريا بن أبي زائدة، وزكريا هذا همداني، وهو ثقة، وكان يدلس. عن سعيد بن أبي بردة، وهو سعيد، ثقة، ثبت. عن أنس بن مالك، وكنيته أبو حمزة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها». وهذا من فضائل حمد الله سبحانه وتعالى، أن العبد يرضى عنه ربه إذا حمد الله على طعامه وعلى شرابه، لأن الحمد كمال الثناء لله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل قال في سورة الفاتحة في بدايته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى قال العلماء: إن الحمد أعظم من إيش؟ من التسبيح. التسبيح تنزيه، لكن الحمد فيه تنزيه وزيادة، يعني فيه ثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله. فأنت تحمد الله أن الله عز وجل يسر لك الطعام، وأنه سوغه لك، وأن الله عز وجل جعلك كذلك تأكله وتشبع من أكله، وترتاح من أكله، وتتغذى به، وأنه عز وجل بعد ذلك يسر لك خروجه. فهذا كله يحتاج إلى حمد. قال النووي رحمه الله: الأكلة بفتح الهمزة، وهي المرة الواحدة من الأكل، كالغداء والعشاء. وفيه استحباب حمد الله تعالى عقب الأكل والشرب. وقد جاء في البخاري صفة التحميد: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغن عنه ربنا». وجاء غير ذلك، يعني وجاء في غير البخاري غير هذه الصفة في حمد الله عز وجل، كما ذكرنا لكم: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم من من لا كافي له ولا مؤوي». قال النووي: ولو اقتصر على الحمد لله، يعني قال عند الفراغ من الطعام: الحمد لله، ما زاد شيئًا، قال: حصل أصل السنة. حصل أصل السنة. أصل السنة أنك تحمد الله عز وجل عند الفراغ من الطعام، عندما تنتهي من الطعام: الحمد لله. تريد أن تزيد شيئًا بعد ذلك، ففيه هناك أدعية مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أهم شيء أنك لا تنسى حمد الله تعالى بعد الفراغ من الطعام، لا تنسى، قل: الحمد لله. هذا أقل شيء، حصل أصل السنة، أنك ماذا؟ إذا لم تحفظ الأدعية الواردة في ذلك، فأقل شيء ما تقوم من الطعام إلا وقد حمدت الله جل وعلا على ذلك الطعام. وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب، الباب التاسع والعشرون. قال الترمذي رحمه الله: باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. القدح عبارة عن إناء أو وعاء، سواء كان مصنوعًا من خشب أو نحو ذلك. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان له قدح، وكان عليه الصلاة والسلام يتخذه لكثير من الحاجات، ليس فقط للشرب، ربما اتخذه للوضوء أو نحو ذلك. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كما في زاد المعاد: قال: وكان له قدح يسمى الريان، يسمى الريان، ويسمى مغنيًا. وقدح آخر مضبب بسلسلة من فضة، وهو الذي جاء في الصحيحين من حديث أنس. وهنا أيضًا كما سيذكره الترمذي: قال: وكان له قدح من قوارير، يعني من الزجاج. وقدح من عيدان، يعني من الخشب، يوضع تحت سريره، يبول فيه بالليل. وهذا مشروع، يعني أنك مثلا أحيانًا ما تحب أن تقوم لمكان بعيد، تريد أن تواصل في النوم، تكون متعبًا مثلا على سبيل المثال، فأنت يجوز لك أن تتخذ لك إناء أو وعاء أو قارورة تجعلها عندك، إذا احتجت أن تبول فيها تبل، ثم بعد ذلك في الصباح لك أن تغسلها، تريقها في دورات المياه أو بعيدًا من الناس، ثم تغسلها، يعني تجعلها لقضاء حاجتك. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما جعل هذا الإناء أو الوعاء تحت سريره، إذا احتاج أن يقضي حاجته فيه قضاه فيه، قضاه في هذا الإناء. وهكذا لك بعد ذلك أن تقرب لك ماء وتستنجي، أو غير ذلك من أمور الاستجمار أو الاستنجاء. هذا ما جاء في القدح الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد. قال الترمذي: حدثنا الحسين بن الأسود البغدادي، وهو صدوق يخطئ كثيرًا. قال: حدثنا عمر بن محمد، وهو العنقزي، وهو ثقة. قال: حدثنا عيسى بن طهمان، وهو صدوق. عن ثابت البناني، وثابت أثبت الناس في أنس بن مالك. قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظًا مضببًا بحديد، فقال: يا ثابت، هذا قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث من حيث الإسناد صحيح، وقد صححه الألباني رحمه الله برقم مئة وسبعة وستين. وهذا الحديث بقي، يعني بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أنس بن مالك، كان عند أنس بن مالك. يقول البخاري رحمه الله: رأيت هذا القدح بالبصرة، ولا شك أن أنس بن مالك عاش أيضًا بالبصرة، وكان من آخر الصحابة موتًا بالبصرة. قال: رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه. هذا البخاري رحمه الله يقول: وكان اشتري من ميراث النضر، النضر بن أنس. يعني أنس لما مات كان في ميراث أبنائه، ومن أبناء أنس بن مالك النضر بن أنس. ثم النضر هذا باعه بثمانمائة ألف، بثمانمائة ألف باع هذا القدح. وهذا قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. والإمام البخاري يقول: أنا رأيته وشربت منه. وشرب من هذا القدح. في هذا الحديث فوائد كثيرة: فأنس بن مالك أخرج هذا القدح من الخشب، وهو قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مضببًا بحديد. وقد جاء في الصحيحين من حديثه أنه قال: إن كسر قدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاتخذ مكان الشَّعْب، أو الشَّعْب، سلسلة من فضة. وهذا يغير، يعني يخالف ما في هذا الحديث أنه من... من حديث، فيكون إما قدح آخر، وأن الذي ضببه بمعنى أصلحه، لأن التضبيب عبارة عن إصلاح الشقوق. فكان هذا القدح انشق وانكسر، فلابد من إصلاح ذلك الشق الذي حصل فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أصلحه بماذا؟ بالسلسلة من فضة. وهذه الفضة يسيرة، الفضة ليست كثيرة، وإنما هي عبارة عن سلسلة صغيرة تكون مكان الشقوق، مثل ما يعمل بالأخشاب فيها المسامير عندما تتشقق. وهذا القدح لما انكسر، وكان النبي عليه صلى الله عليه وعلى عليه وسلم يحتاجه، أصلحه صلى الله عليه وعلى عليه وسلم بماذا؟ بما يسمى التضبيب، يسمى ماذا؟ التضبيب. يقول الحافظ رحمه الله: وفي الحديث جواز اتخاذ ضَبَّة الفضة، يعني في الحديث الذي في الصحيحين من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضة، فيقول: في الحديث جواز اتخاذ ضَبَّة الفضة، وكذلك السلسلة والحلقة، يعني من أي شيء أنت تصلحه، بشرط أن يكون إذا كان من الفضة أن لا يكون كثيرًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن أن نشرب في آنية الذهب والفضة، كما في حديث حذيفة في الصحيحين، وحديث أم سلمة كذلك في الصحيحين. وأن الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يشرب فيهما في الدنيا لا يشرب فيهما في الآخرة، فيحرم هذا النعيم. ونعيم أهل الجنة لا شك أنه كامل، فالذي يشربهما في الدنيا لا يشربهما في الآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، نار جهنم والعياذ بالله». حُرمت علينا، وهناك علل ذكرها أهل العلم، لماذا حرم علينا الشرب في آنية الذهب والفضة، أو الأكل في آنية الذهب والفضة؟ ما نأكل فيهما. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». أهل الإيمان يمتثلون الأمر النبوي ويتعبدون الله جل وعلا بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، سواء علموا العلة أو لم يعلموا العلة. النبي عليه الصلاة والسلام بيّن لنا في هذا الحديث أن الكفار يشربون في آنية الذهب والفضة، فنهى المؤمنين عن ذلك لأنهم يتفاخرون بذلك، وربما دخلهم شيء من الكبر والخيلاء. ولهذا حرم الله عز وجل الشرب في آنية الذهب والفضة، وجعلها من النعيم لهم يوم القيامة. فيوم القيامة إذا دخلوا الجنة، الله عز وجل قال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾، يعني الصحاف كلها ذهب والأكواب. وكما قال الله: ﴿قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ في سورة الإنسان. إذن هناك قوارير من الفضة، وهناك آنية من الذهب. إذن نعيم في الجنة لأهل الإيمان لأنهم امتثلوا الأمر في الدنيا فلم يشربوا في آنية الذهب والفضة، فحصلوها في الآخرة. الكفار يشربون الخمر في الدنيا، والله عز وجل نهى المؤمنين عن أن يشربوا الخمر في الدنيا، وجعل لهم خمرًا في الجنة، وأن من شرب خمر الدنيا لم يشرب خمر الآخرة. فهكذا المؤمن إذا امتثل الأمر حصل ما هو أعظم منه يوم القيامة، عندما يمتثل أوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقلنا: شرط ذلك أن المسلم يحذر أنه يتخذ آنية الذهب أو فضة. الرجال حرم عليهم لبس الذهب ولبس الفضة، والنساء حل لهن لبس ماذا؟ الذهب ولبس الفضة. الرجال حرم عليهم لبس الذهب، وأما الفضة جاز لهم أن يتخذوا منها ماذا؟ الخواتيم، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يتخذ خاتمًا من فضة. فلهذا المسلم إذا امتثل الأمر حصل ما هو أعظم منه يوم يلقى الله سبحانه وتعالى. ففي هذا الحديث يقول الحافظ: أنك يجوز تتخذ لك إذا انكسر عليك قدح أن تضببه بيسير الفضة، أو سلسلة، أو حلقة، أو نحو ذلك. وهذا مما اختلف فيه أهل العلم. ذكر الحافظ رحمه الله تعالى كلام الإمام الخطابي، قال الخطابي رحمه الله: منعه مطلقًا جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك والليث. وعن مالك يجوز من الفضة إن كان يسيرًا، وهذا هو المعمول به، كما سنذكر كلام أهل العلم رحمه الله في مسألة التضبيب، وهي تضبيب الآنية بالذهب والفضة وغير ذلك. قال: وكرهه الشافعي، قال: لألا يكون شاربًا على فضة. الشافعي رحمه الله كره أن يضبب الإناء بالفضة، ليش؟ قال: لأنه ربما يأتي إذا شربا، فتكون مكان الشرب الفضة، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة. قال: فأخذ بعضهم عنه أن الكراهة تختص بما إذا كانت الفضة في موضع الشرب. يعني أخذ بعضهم من كلام الشافعي وفهم أن الشافعي قال ذلك إذا كان موضع الشرب فيه فضة. وبذلك صرح أبو حنيفة، وقال به أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال ابن المنذر تبعًا لأبي عبيد: المفضض ليس هو إناء فضة. والذي تقرر عند الشافعية أن الضبة إن كانت من الفضة وهي كبيرة للزينة تحرم، أو للحاجة فتجوز مطلقًا، وتحرم ضبة الذهب مطلقًا. ومنهم من سوى بين ضبتي الفضة والذهب، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله. الخلاصة في هذه المسألة: أنه يجوز إن كان يسيرًا، يعني معك إناء من خشب وانكسر، فماذا تفعل؟ تتخذ مكان هذا الشرخ وهذا الكسر تتخذ فيه تضبيب، ويجوز أن يكون من ماذا؟ من الفضة، بشرط أن يكون يسيرًا، وليس ماذا؟ وليس كثيرًا، بحيث يقال أن هذا صار إناء فضة. ومعلوم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب في آنية الذهب والفضة. وهناك مسائل تحت هذا الباب أخذها العلماء رحمه الله تعالى من حديث أنس، وهو قوله: «إن كسر قدح النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضة». لأن بعض الناس توسع، فصار يتخذ الذهب والفضة في بعض الأشياء كالأقلام والمفاتيح والسلاسل ونحو ذلك، وصار يتزين بها وهو رجل. أما الحلي هذا لا إشكال فيه للنساء، النساء أبيح لهن أن يتحلين من باب الزينة لهن وإكمال النقص الذي فيهن. لكن أنت أيها الرجل منعت، فعليك أن تتقيد. ولهذا الناس بعضهم توسعوا في هذا الباب، وجعلوه في الجناب والسيوف، وجعلوا في المفاتيح، وجعلوا في الخواتم، حتى صاروا يطلون بعض الآنية بالذهب، عياذًا بالله. وهذا كله لا يجوز. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى من كلام أهل العلم في درسنا القادم. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. اشتركوا في القناة