الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 103، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الرخصة في الشرع تعني ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وتكون إما واجبة أو مستحبة أو مباحة. وضرب أمثلة على الرخصة الواجبة مثل أكل الميتة للمضطر، والرخصة المستحبة مثل قصر الصلاة في السفر.
الرخصة المباحة هي التي يباح الأخذ بها مثل بيع العرايا، وللرخص أنواع مختلفة منها رخصة إسقاط ورخصة تنقيص. يتناول المقطع شرحًا لأنواع الرخص في الشريعة الإسلامية، حيث يصنفها إلى سبعة أنواع: إسقاط، تنقيص، إبدال، تقديم، تأخير، إباحة، وتغيير.
المقطع يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل الدعاء له وآله وصحبه أجمعين. يُظهر أهمية الصلاة على النبي في الختام.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: والرخصة الإذن في أصل لمعذرة، وضدها عزمة، بالأصل تنعقد. ذكر -رحمه الله تعالى- في هذا البيت الرخصة والعزيمة، والرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية. ذكر بعض العلماء هذه الأمور: الرخصة والعزيمة، وجعلوها من الأحكام الوضعية التي وضعها الشرع. والرخصة في اللغة التيسير والسهولة، الرخصة في اللغة من التسهيل والسهولة واليسر، وتخفيض الأسعار، ورخصة الأسعار أي انخفضت. فمن معاني الرخصة انخفاض الأسعار. والمراد بالرخصة في الاصطلاح، وفي الشرع: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، يعني جاء الدليل الشرعي بتحريم شيء، أو بالأمر بشيء، لكن هذا الأمر الذي حرم، وهذا الأمر الذي أمر به صار جائزًا مخالفته، وعدم الأخذ به لمعارض راجح جعله جائزًا. فمثلًا أكل الميتة حرام، الميتة محرمون أكلها، هذا ثبت بدليل شرعي ثابت في كتاب الله عز وجل، وتحريم الميتة في سنة الرسول -عليه الصلاة والسلام-. فتأتي الرخصة في أكل الميتة للمضطر الذي يخشى الهلاك، إنسان في صحراء شارف على الهلاك وجد ميتة، يجوز له أن يأكل منها بقدر دفع الهلكة. هذه رخصة، إذن هذه الرخصة هي ما ثبت على خلاف دليل شرعي؛ لأن الدليل الشرعي جاء بتحريم الميتة، والرخصة هذه على خلاف ذلك الدليل، لكن لماذا؟ لمعارض راجح، وهو بسبب وجود الهلكة. إذا لم يأكل هلك، والإنسان مأمور بالمحافظة على هذه النفس، وهي أمانة عنده يجب أن يحافظ عليها من التلف ومن الهلاك. فإذا لم يأكل هلك، فالأكل من الميتة رخصة جاءت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا في بقية الرخص. فإذا الرخصة هذا معناها في الشرع، وهذا المراد بها في الشرع: ما يثبت على خلاف الدليل الشرعي لمعارض راجح. والرخص أنواع: رخصة واجبة، ورخصة مستحبة، ورخصة مباحة، ولا تكون الرخصة مكروهة ولا محرمة، وإما رخصة واجبة، وإما رخصة مستحبة، وإما رخصة مباحة. مثال الرخصة الواجبة: الأكل من الميتة إذا خشي الهلاك، إذا خشي الهلاك فله رخصة أن يأكل من الميتة. هل هذه الرخصة واجبة أو مستحبة أو مباحة؟ رخصة واجبة يجب أن يأخذ بهذه الرخصة، رخصة واجبة يجب أن يترخص، يجب عليه أن يترخص ويجب عليه أن يأكل حتى لا يهلك، فهذه رخصة واجبة. إنسان يهلك من العطش فوجد خمرًا، إذا لم يشرب هلك يجب عليه أن يشرب، رخصة الآن هذه رخصة واجبة يجب أن يشرب حتى يدفع العطش الذي إذا لم يدفعه بهذه الشربة يهلك، فهذه رخصة واجبة يجب على الإنسان أن يأخذ بها؛ لأنه إذا لم يأخذ بها يهلك، إذا لم يأخذ بها يتضرر. فالأصل يدفع هذه الضرورة وهذا الضرر بقدره، ما هو يجلس يأكل ميتة يملي بطنه يقول رخصة، لا يأكل بقدر يدفع الهلكة فقط، ما يجلس رمع ساعة ويأكل من اللحم من الكبد ومن غيره، يسير يدفع به الهلكة، الهلكة فقط. الرخصة المستحبة مثلوا لها كالترخص بقصر الصلوات في السفر، قصر الظهر إلى ركعتين، والعصر إلى ركعتين، والعشاء إلى ركعتين، هذه رخصة. هل هي واجبة أو مستحبة؟ فيها خلاف، جمهور العلماء على أنها مستحبة، يعني يستحب له أن يأخذ بهذه الرخصة. الرخصة إذا سافر أن يصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين، يستحب له، فهي رخصة مستحبة. الرخصة المباحة: الرخصة المباحة مثل الترخص في العرايا، الرخصة في العرايا أي رخصة مباحة. الفقراء ما عندهم مال، يأتي وقت الرطب، الرطب يخرج إلى السوق ويباع ويكون على النخل ويشترى يقطف ويشترى، لكن الفقراء ما عندهم مال ما عندهم مال يشتروا به الرطب ومحتاجون للرطب، فجاء الشرع بالرخصة للفقراء الذين لا يستطيعون شراء الرطب بالمال أن يأخذوا الرطب بالتمر اليابس، مع أنه مع أن الأصل منع بيع التمر بالتمر، التمر على رؤوس النخل بالتمر الذي هو على الأرض، لكن لأجل دفع هذه الحاجة عن الفقراء رخص لهم فيما دون خمسة أوسق، يسمى بيع العرايا. هذه رخصة بيع العرايا رخصة، لكن هل هي واجبة أو مستحبة أو مباحة؟ رخصة أباحها الشرع، فإن لدينا الرخص على ثلاث أنواع: رخصة واجبة يجب الأخذ بها، ورخصة مستحبة يستحب الأخذ بها، ورخصة مباحة يباح الأخذ بها، إن شاء الإنسان أخذ بهذه الرخصة بيع العرايا، وإن شاء لم يأخذ بذلك. كذلك لها أقسام أخرى باعتبار التخفيف، الرخصة لها تقسيم آخر باعتبار التخفيف، وهي أنواع قد ذكر أهل العلم سبعة أنواع. الأول: تخفيف إسقاط، رخصة تخفيف إسقاط، يعني يسقط الأمر عن الشخص، مثلًا صلاة الجماعة واجبة، صلاة الجماعة واجبة في المسجد، خفف الشرع لمن لا يستطيع، ورخص له بأن لا يحضر الجماعة، مريض ما يستطيع أن يأتي للمسجد يشهد الجماعة، هذه رخصة في حقه. أي نوع من أنواع الرخصة هذه؟ هذه رخصة تخفيف إسقاط، تسقط الجماعة في حقه، فغير مطالب بشهود صلاة الجماعة؛ لأنه معذور، فهذه رخصة إسقاط، فلا يطالب بصلاة الجماعة. كذلك الجمعة، صلاة الجمعة واجبة تسقط على المسافر، المسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة، تسقط عنه، رخص الشرع للمسافر أن لا يصلي الجمعة، رخصة إسقاط تسقط عنه الجمعة، وجاز له أن يصلي الظهر، لا تسقط عنه صلاة الظهر، فهذه رخصة إسقاط. ومنه كذلك الصائم مثلًا إذا أكل أو شرب ناسيًا، أكل أو شرب وهو صائم، ماذا عليه؟ هل يطالب بالقضاء؟ لا يطالب من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه، فإن «ما أطعمه الله وسقاه»، فهذه رخصة تخفيف إسقاط، يسقط عنه ولا يطالب. النوع الثاني من أنواع الرخص: رخصة تخفيف ليست إسقاطًا وإنما تنقيص، تخفيف تنقيص. النوع الأول من أنواع الرخص: رخصة تخفيف إسقاط يسقط بالكلية، النوع هذا الثاني تخفيف تنقيص. مثال ذلك مثلًا إذا اجتمعت العيد مع الجمعة، كان العيد يوم الجمعة، تسقط صلاة الجمعة لمن شهد العيد، جاز له أن لا يحضر الجمعة كما جاء في حديث زيد بن أرقم، وحديث أبي هريرة عند أبي داود، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- وغيره، منها العلم أنه اجتمع في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- عيدان: الفطر والجمعة، فخطب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس وقال: «قد اجتمع في يومنا هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة»، فمن شهد العيد أجزأه عن الجمعة. «وإنا لمجمعون» على إقامة المساجد أن يقيموا الجمعة، يقيموا الجمعة، المساجد المعدة للجمعة تفتح ويخطب فيها وتقام الجمعة، أبو سلمة أقام الجمعة، رخص في عدم إتيان الجمعة، لكن أقام، قال: «وإنا لمجمعون»، فهي رخصة فقط، رخصة لمن شاء يترخص، والأفضل في حق الشخص إذا كان لا يشق عليه الإتيان للجمعة يصلي؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «وإنا لمجمعون»، لكنها باعتبار أنها رخصة، فمن وجد الخير في الأخذ بالرخصة أخذ بها، ومن رأى أن الأفضل شهود الجمعة يشهد. الشاهد من هذا أن رخصة إسقاط شهود الجمعة على من شهد العيد هذه رخصة تسمى تخفيف تنقيص، تخفيف تنقيص، ليس تخفيف إسقاط؛ لماذا؟ لأن الظهر يبقى عليه، صلاة الظهر ما تسقط، فهي تخفيف تنقيص. من أنواع الرخص: رخصة إبدال، تخفيف إبدال، يعني الشرع رخص في أمور وأمر بالإتيان ببدل عنها، فتسمى رخصة تخفيف إبدال. مثلًا الرجل الكبير الذي يشق عليه الصوم، يشق عليه الصوم، عليه الفدية، «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين»، الآن رخص الشرع للذي لا يطيق الصيام ألا يصوم، فخفف عنه هذا وأسقط عنه الصيام، لكن إلى بدل وهو الفدية، فهي رخصة تخفيف إبدال، بدل عن صيام الفدية. وهكذا الحامل والمرضع، فتكون الفدية بدل الصيام، فإذا هي رخصة من أي أنواع الرخص؟ هي من تخفيف الإبدال. النوع الرابع من أنواع الرخص الذي ذكرها العلماء: رخصة تقديم، تخفيف تقديم، وهذا كجمع الصلوات في السفر، قد يحتاج الإنسان أن يقدم الأفضل لو يقدم لا أن يؤخر، يقدم العصر مع الظهر، هذه رخصة، رخصة تقديم، يقدم العصر ويصلي الظهر ثم يصلي العصر. والنوع الخامس: تخفيف تأخير، وهي تأخير الظهر إلى العصر، والعشاء إلى المغرب، لأن المسافر قد يحتاج إلى أن يؤخر، يرى أن الأفضل في حقه أن يصلي المغرب بعدها العشاء، ثم يتفرغ للعمل وهو الأسهل له. ومن الناس من يقول: لا، الأفضل أن نتابع المقيم، الآن نتابع لا أصلي وأخر، فيؤخر، فيأخذ من الناس من يأخذ برخصة التقديم، تخفيف التقديم، ومن الناس من يأخذ برخصة التأخير، وكله ثابت عن نبيه -عليه الصلاة والسلام-، لكن إذا كان يصلي كل صلاة في وقتها وذلك يسر عليه، فهذا هو الأولى. فالإنسان هو طبيب نفسه، فيأخذ بالرخصة في محلها، فيأخذ بالرخصة في موضعها. النوع السادس من أنواع الرخص: رخصة إباحة، تخفيف إباحة، مثلوا له بأن يشرب الإنسان خمرًا لدفع الغصة، لدفع الغصة، الآن الغصة: شيء في الحلق يحتاج شيء يزيل هذه الغصة، ربما يجد نفسه فيختنق، وما عنده إلا خمر؛ لأنه يحتاج إلى دفع هذه الغصة، يأخذ شرب الخمر جائزًا، مباحًا، يجبع هذه الغصة، لا شرب الخمر يجبع الغصة، رخصة إباحة، وواجب إذا سيهلك من العطش، سيهلك من العطش إذا ما يشرب يهلك، لا، واجب يشرب الخمر، واجب، ما هو مباح، واجب، لكن غصة يباح، يشرب مباح فقط، ليست واجبة، لم يمكن يدفع الغصة بشيء آخر، فهذه رخصة إباحة. النوع الأخير من أنواع الرخص: رخصة تغيير، رخصة تخفيف تغيير، مثال هذا في صلاة الخوف، صلاة الخوف أحيانًا الإنسان في الحرب، صلاة الخوف أنواع، لكن يرى الآن أن المصلحة أن يأتي بالصلاة على هذه الصورة، العدو مثلًا في هذه الجهة، فتناسبه صلاة معروفة، بحيث أنه يصلي وهو مواجه للعدو، لكن أحيانًا يكون العدو في الخلف، فاحتاج أن يصلي النوع الآخر من الصلاة، يغير، هذه كله رخصة، صلى مثلًا بهذه الصلاة، لكن احتاج أن يغير الصلاة الآن إلى الصلاة الأخرى، يغير، فهذه تخفيف تغيير. إذن عندنا سبعة أنواع من أنواع الرخص، ثلاثة أنواع من نوع الرخص: واجبة، مستحبة، مباحة. سبعة أنواع من نوع الرخص باعتبار التخفيف: الأول إسقاط، الثاني تنقيص، الثالث إبدال، الرابع تقديم، الخامس تأخير، السادس إباحة، السابع تغيير. وسيأتي معنا ما يتعلق ببقية هذا -إن شاء الله- في درس قادم. صلى الله وسلم وبارك على عبد محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.